قراءة شخصية في أعمال سعد محمد رحيم – صالح الرزوق
يطيب لي مقارنة رواية (مقتل بائع الكتب) لسعد محمد رحيم مع (طقوس في الظلام) لكولن ولسون.الروايتان حكاية قاتل غير معروف. و له علاقة خاصة بالأدب. فالمجرم في رواية ولسون يدون أبياتا من الشعر في مسرح الجريمة. وغني عن القول أن المتاجرة بالثقافة غير الهوس بها. فالبائع لا يتشابه مع المهووس بالشعر. لا تتوقف العلاقة بين الروايتين في هذه الحدود. كلا العملين قصيدة رقيقة عن قلب الظلام (بالمعنى القيامي الذي تكلم عنه كونراد). والليل هنا هو ترميز لسقوط الحضارة ولإفساد الحياة الاجتماعية. وأعتقد أن السقوط في حالة ولسون أقرب للمرثية الإنسانية. فهو يتكلم عن موت الروح و تصعيد الغرائز. في الواقع الجريمة هي وضع حد لمعراج الروح من خلف أقنعة و صور متعددة. و هي التي تحصد الاعتراف مع أنها غير حقيقية ووجودها طارئ ومؤقت. بعكس جريمة بائع الكتب. إنها عمل شاذ و تقف وراءه دوافع غير واضحة. ويبقى الرهان على تداعيات الحكاية. فقد استغلها سعد رحيم لإجراء مقابلة بين بغداد قبل السقوط وبعده. وهذا هو موضوع روايته الحقيقي. لا شك أن فلسفة كولن ولسون تقتضي تجريد الإنسان من خصوصياته. فهو ينظر إليه كماكينة ناطقة. يتحرك بدافع التشابه. والشعر الذي يتركه وراءه هو قرينة ضده ولكنه أثر من وجهة نظر العقل الكلاسيكي. وأكاد أقول إن المجرم في (طقوس في الظلام) فنان على طريقته. إنه مثل إنسان الكهوف. يطارد الفريسة ليقتات عليها. ويصور معركته مع الجوع وشرط الحرية على جدران الكهف المعتم الذي يأوي إليه. ولا يوجد أي دليل يؤكد أن هذا الصياد مجرم بالفطرة. فالمجتمع هو الذي يؤهل الإنسان ليكون ضحية لنفسه. وربما لا يوجد أحد تغنى بشعرية القتل والذبح مثل الإنسان الأول. كان الصيد ملحمة لإثبات فنيته. سواء باختراع الأدوات الحادة والمدببة والتي يرى فرويد أنها رمز قضيبي. وسواء بالنقوش التي حفرها على الجدران. وهي خط دفاع أول ضد العصاب عند فرويد أيضا. فبالتصعيد يطهر الإنسان قلقه من الموت وينتصر على مشاعر الخوف والرهبة. ولا داعي للتذكير أن الفن في اللغات القديمة يرادف معنى الحيلة أو المكر والدهاء. وهذه هي الشهادة التي كتبها سعد رحيم عن بغداد بعد الغزو. فآلة الحرب تحولت إلى نبي دينه هو الديمقراطية . ولا تخلو شعرية الرواية عند سعد رحيم من اقتباسات وإشارات لثقافته. و المقصود هنا ذات الكاتب نفسه. الضمني والعلني. رحيم والصحافي راوي الأحداث. ولكن النوازع الوجودية كانت عند كولن ولسون تجربيية. بمعنى أن علاقتها مع اكتشاف الذات من خلال الحياة وليس العكس. وهذا فرق واضح. كان ولسون قريبا من جوهر مدينته لندن. رسم أحياء سوهو وساحات الميتروبول بولع شديد. وترك لنا خريطة لمتاهات المدينة. ومن خلال الظلمات التي برع في تصويرها وضعنا في داخل الأحداث. لقد كانت روايته كلها لحظة تنوير طويلة. وفلسفيا يمكن أن ترى فيها عصر تنوير جديد قوامه رحلة معرفية ليس للبحث عن الإيمان أو اليقين و لكن عن الشر الكامن في الشرط الإنساني. حتى أن الجرائم في روايته تجري على مرمى حجر من تمثال كيوبيد إله الحب. وهذه نكتة سوداء. أن تكون الجريمة هي أقصر طريق للتعبير عن الرغبة المؤجلة (الحب الفرويدي وهو الليبيدو حين يمتثل لقانون التهذيب). لكن صورة بغداد في رواية رحيم عبارة عن مكان للأحداث. أو مسرح تجريدي نتعرف من خلاله على الخلل السياسي للحضارات الجريحة لو استعملنا مفردات نيبول. لم يقدم لنا رحيم مدينة لها نكهة محلية. إنها غريبة عن اللوحة التي رسمها بأناة وتمهل فؤاد التكرلي في (الرجع البعيد). وهذا على سبيل الذكر و ليس الحصر. فالإنسان عند التكرلي ينتمي مع الحجارة لمرحلته. إنه ابن زمانه ومكانه. بينما أجد أنه عند رحيم يعوم فوق الأحداث. و كل مشاهد الرواية أجزاء من كولاج ثقافي له غاية واحدة وهي الدفاع عن حرية الرأي. إن رحلة بطل الرواية كانت أصلا هجرة معكوسة.. من المدينة الكبيرة بغداد إلى بعقوبة. وكانت تجري بعكس التيار. من النهر الأسطورة دجلة إلى نهر بهرز غير المشهور. لقد وظف الرواية و التاريخ ليحفظ المدينة من الضياع. لم يخرج سعد رحيم على أخلاق الوجودية بالنسخة المعربة. لقد اختار لغة السياسة ليعرب عن ضعف الإنسان أمام مجتمعه.. وبالمقارنة مع كولن ولسون كان رفض الإنسان لتقاليد المجتمع هو المحرك الذي يشحنه. كل شخص هو إله نفسه. يعطي لنفسه الأوامر لإلحاق العقاب بمصادر الانحلال و الشذوذ. وهذه هي المشكلة. أن يكون القانون صناعة أفراد يؤلهون أنفسهم (ولسون) أو أنه صناعة مجتمعات تخول نفسها بهذا الحق الإلهي (رحيم). ومهما كان الأمر لدى رحيم ميول لتعميم المتناهي و تحويله إلى مطلق. ولو اطلعت على روايته السابقة (ترنيمة امرأة) ستجد أنه يتكلم عن كوابيس بغداد خلال رحلة استجمام على شواطئ المتوسط في تونس. ثم عبر رحلة في أرجاء إيطاليا. ورحلته هذه لا توفر لك دليلا سياحيا تتعرف به على المعالم البارزة في إيطاليا، و لكن تعيد إلى الأذهان أزمة الإنسان المعاصر مع القيود المفروضة عليه. بتعبير آخر يتجول سعد رحيم في أرجاء النفس البشرية المأزومة بحثا عن إيمان أو يقين يلجأ إليه، عوضا عن أن يخترع تاريخا خياليا لمعرفة مجردة كما فعل نجيب محفوظ في (ابن فطومة) أو الغيطاني في (هاتف المغيب).
{ ناقد وأكاديمي سوري


























