فحص يسرد صوراً من الحياة في سويسرة

نمنا نحن العرب وأدلجت الناس

فحص يسرد صوراً من الحياة في سويسرة

شكيب كاظم

تظل القراءة والمطالعة معيناً لا ينضب في الاطلاع والفائدة المعنوية، والتعرف على أخلاقيات الناس وطرق عيشهم ولا سيما في البلدان التي ضربت بسهم وآفر في مراقي التقدم، لذا حين تراجعت هواية القراءة والإطلاع، بسبب الظروف القاسية التي ضربت العراق عقوداً طويلة، فتراجعت صور الحياة الجميلة وانهدمت منظومة القيم، ويوم كان العراق يرسل طلابه في بعثات إلى الخارج نقل هؤلاء الطلبة العائدون من دول أوربة والغرب، تعليمهم وحياتهم الاجتماعية التي استقوها، نقلوا ما تعلموه وتأثروا به إلى العراق، ليظل هذا البلد يسعى حثيثاً نحو التقدم والرقي والحضارة.

وإذ أقرأ في الكتب أقع على صور حياتية جميلة في السلوك والتصرف أحاول نقلها إلى القراء، لغرض الإفادة منها، وعساها تكون نأمة أو همسة في وادي النسيان فما عاد الصراخ  يجدي فتيلاً في مجتمع يذهب إلى حتفه فلقد قرأت في كتاب (ماضٍ لا يمضي . ذكريات بين التبغ والزيتون والزعفران) الصادرة طبعته الأولى عام 2010 عن دار المدى ويقع في خمس مئة وإحدى وستين صفحة، صوراً جميلة عن عادات الشعوب المتقدمة، والدقة في التوقيت، وإحترام حرية الناس، شرط، وما هذه الكلمة (شرط) فهناك ليست للشروط في حياتهم مكان، ولأستعيض عنها بعبارة (على أن لا) ، إحترام حرية الناس على أن لا تؤثر على حرية الآخرين.

ينقل لنا الأديب، ورجل الدين، ورجل السياسة الراحل هاني فحص (1946-2014) في كتابه الذي أشرت إليه آنفاً، صورة من الحياة في سويسرة أو الاتحاد السويسري، الاسم الرسمي للدولة، وهو ما سبق ان نقلت عنه صوراً رائعة عن الحياة في هذا المنتجع الرائع لدى حديثي النقدي عن رواية (الزانية) للروائي البرازيلي المتصوف باوللوكويلو.

يذهب هاني فحص ومجموعة من المهتمين بالشأن العام إلى سويسرة، تلبية لدعوة تلقاها من مجلس كنائس الشرق الأوسط للمشاركة في ندوة للحوار المسيحي / الإسلامي، عقد المؤتمر في ضاحية (فو) إذ عَنَّ على باله أو طرأ ان يخرج هاني فحص مع صحبه إلى المدينة، وفي محطة (الأتوبيس) قرأ مواعيد الوصول المحددة بالدقائق والثواني، ولم يصدق ما قرأ إلا حين فاتته الحافلة، بسبب تأخره لثوان، وإذ يجلس وبعض زملائه في مقهى هادئ، زينت له نفسه التدخين، وهو المدخن المكثار، لكنه كان خائفاً وحذراً، وإذ شاهد من يدخن أشعل سيكارته، وإن حاول تكرار ذلك في الحافلة بين مونترو وجنيف، أتاه التحذير من سائقها، فأطفأ سيكارته خجلاً، وإذ حاول التدخين في بناية مركز مجلس الكنائس العالمي، بادره صديقه طارق متري الذي يعرف تضاريس المكان أكثر منه، بادره بإرشاده إلى الحيز المسموح فيه بالتدخين.

لكن البلد السويسري الحضاري، يحترم حرية الناس يحترم حرية المدخن في ان يدخن، فضلاً عن إحترامه لحرية غير المدخنين، وبعد ان رُفعت القضية إلى القضاء، فهناك كل شيء يفصل القضاء فيه، لا قوة العضلات والعرف العشائري.

فحكم القضاء بمنع التدخين في بناية المركز، والزم المركز بتخصيص مكان بعينه للمدخنين.

وإذ يحدد لهم موعد في أحد مطاعم جنيف للغداء، فيخبره صديقه الأثير إلى نفسه ( موعد الغداء في المطعم في جنيف الساعة الواحدة وخمس دقائق وإلا… )وفهم الراحل هاني فحص من هذه الـ (وإلا) أن لا طعام لهم إن تاخروا عن هذا الموعد الدقيق المحدد.

يسرد هاني فحص هذه الدقة وهذه الأمور الحضارية، لينقل لنا صورة من تخلف الحياة العربية، إذ يوم ذهبوا للسودان، مشاركة في مؤتمر، عجل في الذهاب إلى مطار الخرطوم، هو المعتاد على التبكير وإحترام الوقت، والوصول قبل الموعد بساعتين، تلافياً لأمور قد تطرأ.

يقول فحص وعندما وصلنا لاحظنا إبتسامات على وجوه موظفي المطار لم نعرف مغزاها، إلا عندما تأخر إقلاع الطائرة ثلاث ساعات عن موعده، وقيل لنا : إنه أقل تأخير يحدث في مطار سوداني تلك السنة!

حاولت من خلال ذلك ومن خلال بعض تجاربي السريعة في الخرطوم ان أفهم لماذا تستمر الحرب في السودان هذه العقود الطويلة، ولماذا ينتقل السودان من مجاعة إلى مجاعة على الرغم من ثرواته العظمى، لأن الناس هناك كسالى ولا تحترم الزمن، لا بل عانوا انشطاراً وراء انشطار، فإذ كانوا مع مصر دولة واحدة، كانت تسمى (مملكة مصر والسودان) تحت حكم الملك فؤاد الأول ونجله الملك فاروق، لكن عبد الناصر بجرة قلم: استغنى عن السودان وفك إرتباطها بمصر وظل يطلب الوحدة مع دول أخرى، ولم يلتفت إلى البلد المجاور السودان، ولم يعد هذا الجزء المتشظي إلى مكانه الطبيعي، لا بل انقسم السودان إلى جنوبي وشمالي في الأول من حزيران /2012، والجنوب يهدف إلى انقسام بين الزعيمين المتنازعين على السلطة.

ولقد عانيت تأخر الطائرة يوم شاركت في مربد البصرة سنة 2006، ونقلنا بالسيارات من مقر اتحاد الأدباء العراقيين بمنطقة العلوية، وبعد ان مررنا بمراكز عديدة للتفتيش، وشمت عشرات الكلاب حقائبنا وملابسنا وانتزعوا مني مقص الحلاقة لتشذيب الشارب، بوصفه سلاحاً فتاكاً! وبعد لأي وانتظار ممل زاد على الساعتين وربما  أكثر وصلنا مطار البصرة في طيران يقل عن الساعة الواحدة!.

وعاشت ادبياتنا التي تحث على إحترام الزمن والوقت ( الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) ولقد قطعنا الوقت بسيفه فانتظرنا طويلاً، وما قَطَعَناه!

ونمنا نحن العرب وادلجــــــــــــــت الناس وسارت في دروب التقدم.