
وديع فلسطين يرسم بالحروف صوراً لأعلام عصره
غوص في المتون وإستظهار المعلوم والمكنون – شكيب كاظم
كنت وأنا أقرأ في كتاب (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره) في جزئه الأول الذي يقع في 366 صفحة، والصادرة طبعته الأولى عن دار القلم بدمشق سنة 1424 هـ – 2003م، الذي دبجته يراعة الكاتب العربي المصري الكبير؛ الأستاذ وديع فلسطين، الذي تعرفت على كتاباته أول مرة، من خلال مجلة (الأديب) اللبنانية لمنشئها ألبير أديب (1908 – 1985) كنت أحدث نفسي ما أدقّ هذا الرجل، وما أكثر إخلاصه وجدّه، إنّه إذْ يترجم للأعلام الذين اتصل بهم وتعرف إليهم، لا يكاد يغادر كبيرة ولا صغيرة من حيواتهم، فضلاً على ما كتبوه، إلا أحصاها؟ وما هذا الإخلاص لدنيا الحرف والكتابة، والانقطاع الذي يكاد يكون شاملا وكاملا لها؟ وما هذه الذاكرة الوقادة التي حباه الله تعالى بها، التي تسعفه في التذكر، والعودة إلى المراجع والمظان يستنطقها، ويستند إليها.
فهذا الرجل خلية نحل، فمن حضور ندوة، إلى استقبال ضيف، ورحلة ثقافية تلبية لدعوة من مؤتمر أو مهرجان، فضلاً على البحث عن الجديد في دنيا المطبوع، وكتابة حديث مستطرد أو غير مستطرد في هذه المجلة أو تلك الجريدة، وقراءة جادة إلى مشاركة في أمسية ثقافية، وحديث في الإذاعة، إلى تلبية طلبات صحف ومجلات جعلته ممثلاً متطوعاً لها، ومراسلاً إلى توديع ضيف زائر، وعيادة أديب مريض، إنّه ورشة عمل أو خلية نحل كما سبق لي أنْ قلت.
خمسة وأربعون كاتباً
لقد ترجم الكاتب المعطاء؛ وديع فلسطين في كتابه هذا، الذي يذكرني عنوانه، بالعديد من المؤلفات التي حرص أصحابها على جعل اسمهم عنوانا لها، أو جزءاً من العنوان، وما زالت في الذاكرة رواية (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) للأديب العراقي المغترب في ألمانية؛ فاضل العزاوي، التي صدرت طبعتها الأولى في بغداد سنة 1969 وأصدرت منشورات الجمل، بكولونية بألمانية طبعتها الثانية سنة 2000 فضلاً على الكتب الموسومة بـ(عبد الخالق فريد في رسائل أدباء عصره) والعنوان مفصح عن محتويات هذه الأجزاء التي نافت على العشرة. أقول لقد ترجم الكاتب الثر وديع فلسطين في الجزء الأول من كتابه هذا لخمسة وأربعين علماً من أعلام عصره، وقسمه على حروف المعجم العربي، بادئا بإبراهيم عبد القادر المازني، ماراً بإسماعيل مظهر وكتابيه المهمين (ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء) و(تأريخ الفكر العربي) وأكرم زعيتر وبولس سلامة، صاحب ملحمة (عيد الغدير) وما زلت أحتفظ بكتابه المهم (الصراع في الوجود) وهو من مقتنيات المرحوم أبي فضلاً على كتابي إسماعيل مظهر آنفي الذكر، وجعفر الخليلي وزكي المحاسني وساطع الحصري، منهياً الجزء الأول هذا بترجمة أنيقة للمستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس، الذي قرأت الكثير من كتاباته التي كانت تنشرها مجلة (الأديب) اللبنانية، حتى وفاته في العاصمة المجرية بودابست في 7/ تشرين الثاني/ 1979 عن خمسة وتسعين عاماً.
بانوراما حياتية
أكثر ما قرأت من ترجمات للأعلام، كانت ما أستطيع الاصطلاح عليه بـ(كتابات من الخارج) أي دراسة لمؤلفات المترجم له وحياته و.. ولكن ما رأيت غوصاً في الحيوات الخاصة مثل غوص وديع فلسطين وهو يتحدث عن هؤلاء الأعلام، أنّه يعرف كل شاردة وواردة من حيواتهم بسبب المعايشة والمزاملة لذا تجد نفسك وأنت تقرأ هذا الكتاب المهم، كأنك أمام بانوراما حياتية لهؤلاء الشخوص ستحفظ ذكراهم.
الكاتب المعطاء وديع فلسطين، من خلال ما قرأت له، أراه إنساناً طيب القلب، عفّ اللسان، يهفو لتقديم العون لمن يحتاجه، كريم مضياف، ولقد أكد لي هذه الشمائل، صديقه وصديقي الشاعر الغِرِّيد عبد الخالق فريد، ولقد انتقل عفاف اللسان، إلى أسلات قلمه، فكنت تراه – لعفافه – يوجد المعاذير والمسوغات لهذا الضعف الإنساني، الذي يصدر عن العديد من أصدقائه، من حملة الأقلام، لا بل يصفح عمن أساء له، ولا يبقي في نفسه أثراً لها.
في هذا الكتاب المهم (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره) ولدى حديثه عن مجادلات ومباكسات أدباء تلك العقود، لمست رحابة صدر، أراها قد غادرتنا في العقود اللاحقة، وعلى وجه التحديد منذ النصف الثاني من القرن العشرين، فهذا الدكاترة زكي مبارك، يقول في أحمد أمين والدكتور طه حسين، ما لا يستطيع أحد قوله في أيامنا الحاضرة، فأنا أحضر بعض الندوات والمؤتمرات الثقافية، فأرى ضيق صدر المتحاورين، وما زالت في الذاكرة، انتفاضة ذلك الناقد الأكاديمي المعروف، على ملاحظة بسيطة أبداها يحيى الكبيسي، يوم أقمنا أمسية في اتحاد الأدباء بالعلوية لمناسبة أربعينية القاص الأنيق عبد الملك نوري مساء الاثنين 14/ من أيلول/ 1998فقام ذلك الناقد، وقد انتفخت أوداجه صائحاً، إني أتحداك، فتصورته عنترة العبسي شاهرا سيفه، في حين ظل يحيى الكبيسي يداري غضب أستاذه خشية أن يصاب باحتشاء بالعضلة القلبية.
الدكاترة زكي مبارك، الأديب المشاكس، لا بل أكثر الأدباء هجاء ومشاكسة يقول في أحمد أمين: (لو أنَّ معدتي كانت كما أحبّ من القوة والعافية، لأكلت لحم الأستاذ أحمد أمين، وأرحت الدنيا من أحكامه الجائرة في الأدب والتأريخ) كما أنّه يكون أشد إقذاعاً عند حديثه عن طه حسين، ليقول: (لو جاع أطفالي لشويت طه حسين وأطعمتهم من لحمه، لو جاز أنْ أقدم إلى أطفالي لحوم الكلاب)!! ولا أعلم سبب شغف زكي مبارك بشواء اللحم الآدمي؟!
ويوم تعرض الدكتور عمر فروخ لكتاب للعقاد عن الشاعر المتشائم ابن الرومي، صفعه العقاد صفعات، تسيل لها الدماء لو قيلت في أيّامنا هذه، فقد كناهِ بالخروف متلاعبا بحروف اسمه، واصفا إيّاه بـ(الغر)!
ويوم كتب سلامة موسى مطالبا ببناء مراحيض في دور الفلاحين، كتب العقاد مقالة عنوانها: سلامة موسى المراحيضي! وما ثار سلامة، ولا استل سيفا للقتال دفاعا عن الكرامة! ترى ما السبب في ضيق صدورنا عند أيّ نقد مهما كان بسيطا؟ أزدنا جفاوة وبداوة؟ مع صعود أخلاقيات الريف والفصل والعطوة والنهوة؟! لقد عجبت، وتوقفت مليا، ودونتها في الدفتر الخاص الذي أدوّن فيه مختاراتي مما أقرأ، أقول عجبت لدنيا الكرامات، وعوالم الروح والماورائيات والباراسايكولوجي وأنا أقرأ شفــــــــــــــاء الأديب اللبنــــــــــــاني بولس سلامة 1902 – 14/10/1979 )الذي عانى مرضا عضالا أقعده الفراش سنوات عدة بسبب خطأ جراحي لاستئصال ناسور في العمود الفقري، ويئس بولس سلامة من الشفاء ولا يأس من رحمة ربي تعالى، حتى أشاروا عليه بزيارة (عذراء لورد) في فرنسة، فسافر إلى هناك محمولاً، إذ لا يستطيع السير، وألفى نفسه – كما يقول الأستاذ الوديع – وسط آلاف من المرضى القادمين من جميع أنحاء العالم، وعاد من زيارته لعذراء لورد وهو قادر على السير على قدميه، مشدود الوسط بحزام عريض، ومتوكئا على عكازة!
يقول بولس سلامة ما نصه: (تحسنت تحسنا واضحا، واستقويت جسديا وروحيا (..) وإنّي لموقن أنَّ نعمة الله أدركتني، وهذا حسبي) تراجع ص. 137ص138 من الكتاب.كما وددت أنْ أطلع القارئ الكريم، على حقيقة، كنت أعرف عنها شيئاً، لكن الأستاذ وديع فلسطين أماط اللثام عنها، عن لكنة ساطع الحصري وعدم إجادته الكلام بالعربية.يدعوه المجاهد العربي اللبـــــــــــناني أســـعد داغر ( ( 1958- 1886لإلقاء محاضرة عن (القومية العربية) يقول الأستاذ وديع فلسطين، وشرع ساطع الحصري في إلقاء محاضرته، ولم يكد يبدأ حديثه بصوت خفيض، حتى أخذ الحاضرون يتهامسون متسائلين: بأيّ لغة يتحدث هذا الرجل؟ فكلامه غير مفهوم وهو مزيج من لكنات تركية وعراقية ويمنية ومغاربية ومقدونية، ضاعت في أثنائها مادة المحاضرة. وإذا كان جانب من المحاضرين قد صبر على معاناة الاستماع، فإنَّ الغالبية العظمى منهم أخذت تتسلل خارج القاعة حتى كادت تفرغ من الحاضرين!
ويوم يدعوه صديقه العلامة الأمير مصطفى الشهابي (1893 – (1968 رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق الذي كان قد جاء القاهرة لحضور جلسات المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية أقول: يوم يدعوه صديقه لتناول الغداء، صحبة ساطع الحصري، يلبي الأستاذ وديع الدعوة ليكون ثالث الثلاثة، ولما بدأ يتحدث معي – يقول الأستاذ وديع فلسطين – لم أفهم منه حرفاً، واستصوبت التحول إلى اللغة الإنكليزية، فجاوبني بها بكلام واضح، واستمر الحديث يدور بيننا بهذه اللغة الأعجمية طوال الجلسة وفي غير مشقة. تراجع ص. 262ص263 من الكتاب.
لغة جميلة
هناك كتب للقراءة، كما أنَّ هناك كتبا تقرأ وفرق كبير بين هذين، ولأن الكتب كثيرة والعمر الإنساني قصير، ولأنّك في صراع مع الزمن، لإنجاز عملية القراءة، متعة القراءة فإنّك مثل ذلك الكاتب الأرجنتيني، الذي كلما نظر إلى مكتبته بكى، أسفا لأنّه لن يستطيع قراءة كل هذه الكتب، سيموت لويس خورخي بورخس (1899 – 1986 ) قبل أنْ يستطيع قراءة كتب مكتبته هذه كلّها، إذن لم يبق أمامك من أجل إنجاز ما تريد إنجازه، سوى قراءة جادة ومثابرة، لكنك تجد نفسك أنّك تخليت عن هذا الالتزام، وأنت تقرأ كتاب (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره) تقرأ وتتمنى أنْ تطول الرفقة مع هذا الكتاب، لما يغدقه عليك من متعة وفائدة، ومعلومة جديدة، زادها متعة وألقاً، هذا الأسلوب الجميل الذي زانها.
وبعد: فإنَّ هذا السفر القيم، الذي أتحف الكاتب المعطاء الأستاذ وديع فلسطين به عالم التوثيق والسيرة الذاتية، والذي يقع في أكثر من سبع مئة صفحة سيظل مرجعا للدارسين والباحثين، بسبب الدقة الدقيقة التي جاء بها، والوقوف عند ما لا يقف عنده الآخرون، لأنّهم لا يعرفون ما يعرفه الباحث الدقيق الوديع، ولا يصبرون بحثا عن الحقائق مثل صبره، وآية ذلك أنّه ما وقف عند علم من هؤلاء من غير أنْ يدون سنة الميلاد والوفاة، وهذا من الأمور العسيرة، إلا لمن أوتي صدقاً وإخلاصاً، كما أنَّ هذا السفر الجميل سيظل واحة للقارئ غير المختص، لفهم حيوات هؤلاء الأعلام، الذين تولى إعادة الكثير منهم إلى الذاكرة. متمنياً عليه لو وثق أحاديثه هذه بتبيان تأريخ النشر ومكانه، وتلافي ذلك في الطبعة اللاحقة.
























