عودة نقدية الى ميرامار نجيب محفوظ
الصراع لا ينتهي بانتهاء المتن
شوقى بدر
عندما أقامت مكتبة الأسكندرية إحتفالية الريشة والقلم وفاء لقمم الأدب والفن نجيب محفوظ و صلاح طاهر فى مستهل شهر اكتوبر 2001، حضر هذه الإحتفالية عدد كبير من نقاد وأدباء العالم العربى للمشاركة فى فاعلياتها الأدبية والفنية وفاء منهم لهذين العلمين الكبيرين اللذين أثرا الحياة الأدبية والفنية بأعمالهما الخالدة، حيث أقامت المكتبة هذه الإحتفالية الرائدة فى مستهل الأعلان عن بدأ أنشطتها الثقافية والأدبية فى أول الألفية الثالثة من التقويم الميلادى، بعد الأفتتاح التجريبى للمكتبة والذى تم فى ابريل من نفس العام، وكان من بين من حضروا هذا التجمع الكبير لأدباء وفنانى العالم العربى الناقدة اللبنانية الدكتورة يمنى العيد والكاتب محمد دكروب رئيس تحرير مجلة الطريق البيروتية. ومعرفتى بالدكتورة يمنى العيد جاءت من خلال كتاباتها النقدية المتميزة التى ظهرت فى العديد من الدوريات، وأيضا من كتبها النقدية التى كثيرا ما كنت ارجع اليها للأسترشاد بها فى بعض الدراسات النقدية، كما كانت معرفتى بالأستاذ محمد دكروب فقد جاءت من خلال متابعتى الدائمة لمجلة الطريق البيروتية الذى يرأس تحريرها، وقد تقابلت معهما أكثر من مرة اثناء فاعليات الأحتفالية.
وقد طلبت منى الدكتورة يمنى العيد والأستاذ محمد دكروب زيارة بعض معالم الإسكندرية ومواقعها الأثرية الهامة للتعرف عليها عن قرب، ومشاهدة أهم ملامح تميزها، فقمنا بزيارة بعض الأماكن السياحية والشعبية المعروفة بها المدينة، مثل قلعة قايتباى، والسوق الشعبى الشهير بالمنشية والمعروف ب زنقة الستات ، ومنطقة كوم الدكة مسقط رأس فنان الشعب سيد درويش، كما قمنا أيضا بزيارة بعض الأماكن التى ارتبطت بابداعات بعض كبار مبدعينا وكان أهمها البناية التى كان موجودا فيها بنسيون ميرامار الذى استوحى منه الكاتب الكبير نجيب محفوظ روايته الشهيرة التى تحمل نفس الأسم، وكلمة ميرامار هى كلمة من أصل لاتينى، ولكنها حاضرة اليوم فى اللغة الأسبانية، وتتركب الكلمة من الفعل ميرا ويعنى يشاهد باعجاب، ومن الأسم مار ويعنى البحر، ومعنى الكلمة ايضا ينسحب على بعض المفردات مثل المسكن، والفندق الجميل، وايضا المكان الجميل القائم على الشاطئ، والتجارة والسياحة، والحياة السهلة، وبنسيون ميرامار يحتل الطابق الثانى من البناية التى تقع فى مكان قريب يتوسط المنطقة بين محطة الرمل والسلسلة، وهو يواجه شاطئ البحرمباشرة، ويطل على كورنيش الأسكندرية. وقد وصفه عامر وجدى أحد شخصيات الرواية بإعتباره اول صوت يتحدث فى الرواية ضمن الأصوات الأربعة التى تحكى الرواية بقوله العمارة الضخمة الشاهقة تطالعك كوجه قديم، يستقر فى ذاكرتك فأنت تعرفه ولكنه ينظر الى لا شئ فى لا مبالاة فلا يعرفك، كلحت الجدران المقشرة من طول ما استكنت بها الرطوبة. وأطلت بجماع بنيانها على اللسان المغروس فى البحر الأبيض، يجلل جنباته النخيل واشجار البلخ، ثم يمتد حتى طرف قصى حيث تفرقع فى المواسم بنادق الصيد، والهواء المنعش القوى يكاد يقوض قامتى النحيلة المقوسة، ولا مقاومة جدية كالأيام الخالية . وقد وقفت الدكتورة يمنى العيد والأستاذ محمد دكروب طويلا أمام هذه البناية الضخمة المبنية على الطراز الأنجليزى والمعروف بفسيسفائه الحمراء التى تمثل طرز المبانى الأنجليزية الكلاسيكية، وكانت تأملاتهما لهذا المكان وانبهارهما بموقعه المتميز، وتداعى خواطرالدكتوره يمنى بين ما تراه وبين ما سبق لها أن عبرت عنه فى كتاباتها النقدية عن نجيب محفوظ واعماله الروائية قد أثار شهيتى لمناقشتهما عن الرواية باحداثها وشخوصها وكل مايحيط بها من ظروف أدبية ومكانية وفكرية، خاصة وأنى اعرف أن الدكتورة يمنى العيد سبق لها وان قامت بدراسة الرواية فى كتابين من كتبها النقدية صدرا فى بيروت. الدراسة الأولى كانت بعنوان تعدد المواقع فى ميرامار ونشرت فى كتاب الراوى.. الموقع والشكل الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية، والدراسة الثانية كانت بعنوان لعبة البدائل ونشرت فى كتاب فى الرواية العربية بين الخصوصية وتميز الخطاب الصادر عن دار الآداب البيروتية. ولعل التأمل الذى مارسته د. يمنى العيد وهى تقف أمام هذه البناية الضخمة التى شهدت الأيام الغابرة التى عاشها بنسيون ميرامار فى هذه المنطقة قد أعاد إلىخواطرها فى نفس الوقت ما سبق أن تناولته فى كتبها النقدية عن شخصيات الرواية زهرة، عامر وجدى، سرحان البحيرى، طلبه مرزوق، حسنى علام، باهى منصور، مدام مريانه صاحبة البنسيون حين قالت ستة أشخاص فى الرواية يمثلون مجتمع البنسيون العائلى، ينتمون إلى جيلين، إلى زمنين سياسين زمن الملكية، وفيه الوفد وسعد زغلول، وزمن الثورة الناصرية، ومع الست شخصيات تبدو الفتاة زهرة واسطة العقد. صبية صغيرة زهرة، هربت من القرية متمردة على جور جدها وشقاء حياتها، وجاءت المدينة راغبة فى الحب والتعلم والنظافة والأم ، فقصدت البنسيون الذى كان يقصده والدها ليبيع لصاحبته ما يبيعه فلاح من جبن وبيض ودجاج، لكن هى جاءت لتعمل، ولم يكن امامها سوى ان تكون خادمة، خادمة للجميع . وقد صرح نجيب محفوظ عن ظروف كتابته لهذه الرواية بقوله رواية ميرامار كانت بدايتها فى الأسكندرية فى أثناء زيارتى لبعض الأصدقاء، وقد اعجبت بشخصية خادمة كانت تعمل لديهم وهى التى ظهرت فى الرواية بأسم زهرة ، وبعد ذلك بعشرة سنوات تبلورت لدى فكرة الرواية، فجلست وكتبتها .
ايقاعات الحياة
وتبدو ميرامار كما قدمها نجيب محفوظ وكأنها تشكيل مكانى بما يضمه من شخصيات تمثل المجتمع المصرى بفئاته المتعددة، فى فترة محددة من تاريخه السياسى والأجتماعى المعروف بصراعاته الطبقية وتناحره النفعى، ومشاعره ومواجهاته التى تعبر عن موقف كل فئة تجاه الأخرى، لهذا قدم المؤلف بناء روائيا له تصميم خاص يعتمد على طرح أربع وجهات نظر متباينة تمثل أهم أربع فئات من تكوينات المجتمع المصرى، وكاشفا من خلالها عن موقف كل فئة من هذه الفئات تجاه نفسها وتجاه الوطن. لهذا يمكننا أن نطلق على رواية ميرامار على أنها بمثابة رواية صوتية تستهدف تعرية المجتمع المصرى، وإدانة مظاهر الفساد المستشرية فى جسده بكل صوره. وهى تعكس وجها خاصا وجوه من الحياة، وجها مختارا بعناية، وقد صقل هذا الأختيار وتكثف من خلال الصراع الدائر فى جسد المجتمع، وأصبح غنيا بالمعانى الأيحائية التىتساعد على بلورة نفسها، وتأويل ما وراء السطور وإيضاحه تماما. إننا لا نواجه فى ميرامار قطاعا مستويا من الحياة العادية التى يمكن أن نجدها فى روايات أخرى لنجيب محفوظ مثل الثلاثية، وغيرها من الروايات، إنما نواجه قطاعا أفقيا تحكمه الأصوات التى تعبر عن وجهة نظرها الخاصة أولا، ثم تنسحب بعد ذلك إلى العموميات، لذا نجد أن الأيقاع الروائى فى هذه الرواية يتسم بمعدل السرعة الذى يتماشى مع معدل سرعة وايقاعات الحياة فيها، وهو أمر ينسحب أيضا على الحياة داخل البنسيون، فالجميع فى لهاث دائم نحو تحقيق تطلعاتهم النفعية وغير النفعية. ونجد أيضا إن كل شئ فى ميرامار يلهث، ويستوعب فى فترة وجيزة ما يمكن أن يستوعب فى عمل واقعى، فى حياة بأكملها. يدل على ذلك أن السكينة الظاهرة عند عامر وجدى ، أو ماريانا ، أو طلبة مرزوق ، إنها تعكس فى الواقع سفرا داخليا حافلا بالحركة، وسريعا ومضنيا، يذكيه وقود الذكريات الذى لا ينفك يقتلع الحاضر حركته بين وقت وآخر، كما يقويه أيضا اختيار الكاتب للبنسيون كمكان مناسب تجتمع فيه طبقات المجتمع لتعبر عن الحيرة التى يعيشها الجميع. والأحداث فى ميرامار مروية من وجهة نظر أربع شخصيات من مجموع شخصياتها. وكل شخصية تروى نفس الأحداث بضمير المتكلم، وعلى النحو الذى تراها عليه. ولا تختلف هذه الأحداث من شخصية إلى أخرى إلا بمقدار ما يتاح لهذه الشخصية أو تلك من مجال رؤية غير متاح للشخصيات الأخرى، وإلا بمقدار اختلاف المشاعر الخاصة أو الفهم الخاص الذى تضفيه كل شخصية بالضرورة على مجرى الأحداث. والمكان فى رواية ميرامار وهو البنسيون من الداخل يذخر بالحركة المستمدة من الذكريات عند بعض الشخصيات وبالواقع الملموس عند البعض الآخر، لذا نجد أن عامر وجدى يعود إلى بنسيون ميرامار الذى عادت الحركة تنتعش فيه. والزمن يتكرر تقتل الثورة الأولى ثورة 1919 زوج مريانا الأول، وتجردها الثورة الثانية ثورة 1952 من مالها وأهلها، ومع ذلك فهى تتمسك بالحياة بشدة من خلال هذا العالم المتبقى لها وهو عالم البنسيون، والبنسيون عادة يمتلئ بالنزلاء، يخلو ثم يمتلئ كان بنسيون السادة ينعمون فيه بالراحة والرفاهية والهدوء، يتاجرون ويربحون، يأتون من الخارج ليلتقوا على شاطئ المتوسط فى الأسكندرية، فى ميرامار عند مريانا وتحت تمثال العذراء. وها هو المسكن الجميل يستقبل اليوم وبعد خلائه، ممثلى الثورة المصرية، ومعهم من يمثل العهد السابق، جاء الجميع إليه ليس فى غياب الرفاهية، ولكن طلبا للراحة والهدوء، وبحثا عن سبل الحصول على المال، يلتقون أيضا، وعلى خلاف انتماءاتهم الأجتماعية والسياسية والفكرية على شاطئ المتوسط، فى ميرامار عند مريانا.
مواقف الرواية
لا شك أن نجيب محفوظ باختياره لبنسيون ميرامار المواجه للبحر مباشرة مكانا لروايته التى تمثل بالنسبة له نموذجا جديدا من الفن الروائى، كذلك هى تعبير عن رحلة إلى المجتمع الجديد بأكمله، بمختلف نماذجه القديمة الباقية والأنتقالية والجديدة، ولعل هذا يفسر لنا استعانته بتنوع الشخصيات والمواقف التى احيانا تكون ذاخرة بالصراعات الغاضبة، ولعل تأثير المكان ايضا على مواقف الرواية قد صوره الكاتب على انه نابع من تأثير المكان ومناخ الأسكندرية، والبحر التى يقع البنسيون فى مواجهته مباشرة، وهو ما جاء على لسان منصور باهى حول الأسكندرية وبحرها يعجبنى جو الأسكندرية.. لا فى صفائه واشعاعاته الذهبية الدافئة.. ولكن فى غضباته الموسمية.. عندما تتراكم السحب وتنعقد جبال الغيوم.. ويكتسى لون الصباح المشرق بدكنة المغيب.. ويمتلئ رواق السماء بلحظة صمت مريب، ثم تتهادى دفقة هواء فتجوب الفراغ كنذير أو كنحنحة الخطيب.. عند ذاك يتمايل غصن أو ينحسر ذيل.. وتتابع الدفقات ثم تنقض الرياح ثملة بالجنون.. ويدوى عزيفها فى الآفاق.. ويجلجل الهدير ويعلو الزبد حتى حافة الطريق.. ويجعجع الرعد حاملا نشوات فائرة من عالم مجهول.. وتندلع شرارات البرق فتخطف الأبصار وتكهرب القلوب ص 182 ، لقد عبر منصور باهى بهذه العبارة التى جاءت على لسانه بنفس الجو الموجود داخل البنسيون والذى يكون أحداث الرواية على لسان أبطالها تماما، إنه جو يشبه إلى حد كبير جو البحر حين يكشر عن أنيابه، وتتلاطم أمواجه ويعلو الزبد ووتصارع فيه الأنواء.
وتسرى الأحداث الرئيسية فى نسيج الرواية من شخصية إلى أخرى بتوهج خاص، مما يمنح الشكل الفنى للنص وحدة عضوية قل أن توجد فى الروايات التى تتبع نفس التكنيك الهندسى الدقيق، حيث تبدو زهرة وهى الشخصية التى اختارها الكاتب لتمثل بؤرة الحدث كنقطة مركزية فى الرواية، فهى فى حركة التكرار التى يمارسها الرواة، الشبان الثلاثة، الثلاثة يحبون زهرة لكن لا للزواج منها، زهرة نقطة فى دائرة، وفضاء الدائرة تنسجه مجموعة من العلاقات التى تنهض بين هذه الصبية من جهة ونزلاء البنسيون من جهة أخرى، بمن فيهم مريانا صاحبة البنسيون، وطلبة مرزوق بهوية انتمائه إلى نظام العهد القديم، وعامر وجدى نفسه. تكشف مجموعة العلاقات هذه عن هوية ما يربط كلا من الشخصيات ب زهرة ، وعن علاقة زهرة بهذه الشخصيات وموقفها منها، داخل المكان الواحد نفسه البنسيون ، وتبدو زهرة رمزا لشعب مصر فى زمن الثورة، رمزا لبدايات التحول والنمو، وللتطلع نحو الأفضل. إنها الرغبة لبناء زمنها القادم فى إطار المدينة وما تعنيه من شروط عيش ومستوى حياة، لكن زهرة تبدو فى مجموعة العلاقات هذه، ضحية للجميع، مأساتها تنهض على حد علاقتها بشكل خاص ب سرحان البحيرى ، فهو كما نقرأ فى الرواية وعلى لسان منصور باهى التفسير المادى للثورة ص 107 . زهرة ضحية للجميع، ما عدا عامر وجدى ، لأن الجميع يستغل زهرة ، أو يفيد منها دون أن يفيدها. والأحساس بنهاية المجتمع الذى تمثل فى بنسيون ميرامار لا يعنى نهاية الحياة، فالحياة قادرة على التجدد ومقاومة عوامل التحلل والتعفن والأندثار، ولكن كمية الصراعات التى جسدها نجيب محفوظ فى هذا النص جعلت الشخصيات تتخيل وكأن الحياة على وشك التوقف، لذلك كان وجود زهرة فى البنسيون بمثابة النغمة المناقضة لكل النغمات الأخرى المتواجدة فى حيز البنسيون وما حوله، والتى تمثلت فى سلبية عامر وجدى واندثاره، وشماته طلبه مرزوق واجتراره لأمجاد الماضى، ونقمة حسنى علام ومحاولته التمشى مع الأوضاع الجديدة دون جدوى، وانتهازية سرحان البحرى ونرجسيته إلى حد الأستهانة بكل الأخلاقيات، وتعلق مدام مريانا بتلابيب أمجاد الماضى أيام الأنجليز والأحتلال والملكية، وتطلعات محمود ابو العباس الطبقية ونجاحه فى شراء مطعم بنايوتى وايمانه بأن المرأة مخلوق ناقص. كل هذه النغمات المناقضة لوجود زهرة اندثرت أو كادت بنهاية الرواية لأنها كانت تحمل فى داخلها الكثير من عوامل الأنهيار والتحلل. أما زهرة فهى الشخصية الوحيدة التى تعرف طريقها دون تردد أو حيرة، واستطاعت أن تقاوم هجمات ومحاولات كل من طلبة مرزوق وحسنى علام ومحمود ابو العباس، حتى عندما مال قلبها إلى سرحان البحيرى لم تسلم قيادها اليه عندما اكتشفت أن كل ما يريده منها هو اللذة الوقتية والمتعة الحسية، رغم أن مدام مريانا الأجنبية كانت تزين لها الأستسلام لنزوات سكان البنسيون حتى ينعموا باقامتهم ويزداد دخلها فى نفس الوقت. ولا شك أن تجربة الحياة فى البنسيون لم تضع هباء بالنسبة لزهرة، فقد استفادت الكثير من الخبرة وسعة الأفق وبعد النظر ونضوج التفكير بحيث حصلت على أسلحة جديدة تواجه بها المستقبل، وتضاف إلى اسلحتها القديمة المتمثلة فى الذكاء الفطرى والأرادة القوية والثقة فى النفس واحترام الذات والتمسك باهداب العلم والمعرفة، لذلك يضع عامر وجدى اللمسة النهائية من الرواية
ها هى زهرة كما رأيتها أول مرة لولا مسحة من الحزن أنضجتها الأيام الأخيرة أكثر مما انضجتها أعوام العمر السابقة جميعا. تناولت الفنجال من يدها وأنا أدارى انقباضى بابتسامة ولعل المنهج الرمزى الذى اتبعه نجيب محفوظ فى ميرامار يمتاز بالخصوبة الدرامية. بمعنى أن الرمز لا يفرض على الشخصية أو الموقف بقدر ما يساهم فى بلورتها وتجسيدها، فالقارئ يدرك تماما أن زهرة ترمز إلى مصر رغم أن الكاتب لم يذكر هذا صراحة أو تلميحا، ولكن منهجية الرمز من خلال الصراعات والمواقف الدرامية تؤكد لنا هذه الدلالة. إذ أن زهرة كانت السبب الكامن وراء هذه الصراعات او كما يقول عامر وجدى كان الجميع يميلون اليها فيما اعتقد، كل على طريقته ص 65 ، وفى الحوار التالى بينها وبين شقيقتها و زوجها عندما حضرا إلى البنسيون فى محاولة لأرجاعها للقرية مرة أخرى، دليل على الرمز المتجسد فى شخصية زهرة
كان الرجل يقول
حسن أن تذهبى إلى المدام ولكن عار أن تهربى.
وقالت أختها
فضحتنا يا زهرة فى الزيادية كلها.
فقالت زهرة بغضب وحدة
أنا حرة ولا شأن لأحد بى.
لو كان جدك يستطيع السفر.
لا أحد لى بعد أبى.
يا للعيب.. هل كفر لأنه أراد أن يزوجك من رجل مستور ؟
أراد أن يبيعنى.
الله يسامحك.. قومى معنا.
لن أرجع ولو رجع الأموات . ص 68
فى مثل هذا الحوار تبدو شخصية زهرة القوية وارادتها الحديدية التى رفضت الرجوع إلى مجتمع القرية العفن، وهى الأرادة الحديدية التى كانت الشرارة التى اندلعت منها كل الصراعات حتى نهاية الرواية. فمثلا نجد منصور باهى يقول ان الأحداث التى تقع فى البنسيون تكفى قارة بأكملها. وحدث قلبى بان زهرة محورها كالعادة . ص 183 .
لعل هذه الأطلالة الخاصة برواية ميرامار والتى فجرها الموقف التى وقفته الدكتورة يمنى العيد والأستاذ محمد دكروب وأنا أمام المكان والبناية التى كان موجودا فيها بنسيون ميرامار كان هو الذى أعاد إلى الأذهان شخصيات الرواية والبحر والبنسيون وهذا العالم الزاخر من الصراعات والمواقف الباحثة عن القيم الحية فى حياتنا الأجتماعية، وفى تقديرى أن شخصية زهرة وهى نموذج فريد فى أدب نجيب محفوظ بل إنها أول فلاحة تتحرك فى رواياته تبحث عن الأستقرار والآمان على كثرة النماذج النسائية فى أدبه، إنما كانت تمثل الرمز الحى لنفس المكان المستوحاة منه الرواية وهو الأسكندرية.
/6/2012 Issue 4224 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4224 التاريخ 12»6»2012
AZP09























