عصافير الشاعر تحب الرصاص ولا تحبه

عصافير الشاعر تحب الرصاص ولا تحبه
العيون تذرف دمعها على البلاد القتيلة
عيال الظالمي
تختلف عقود الشاعر عبر ترحله الأدبي والمكاني فقد يفوق منتجه وثائق التأريخ ضمن مكابدات المجتمع وأحداثه التي تمس الشغاف، ومدى تأثر الفرد بموضع الألم والبهجة، وجس مواطن العبث بمقدراته، لذا يكون الشاعر عين القلب الناطقة وكامرته الموثقة، لمواجع وفواجع أثر المُدى على سيقان الأشجار من خلال اللامنطق واللهو والإثارة، لمجموعة الصائغ عصر وددتُ تذكره عبر مسامرة حداءه المبحوح كي يطل عليه مْن لم يسيروا في مجاهل بيده وأشواكه
فالعصافير طيور وديعة لا تعيش فرادا ً بل على شكل مجاميع وسط الأشجار تحب بعضها البعض لا تتنافس لمكان أو طعام ولا يتجاوز حجمها 3سم مكعب تهدينا زقزقة الحياة .تخشى الجوارح وتلوذ بالفرار من الأصوات المرعبة .ثم هذه الـ لا النافية التي أبعدت تقبّل العصافير للرصاص»والفعل المضارع تحب فكيف لقلوبها الرهيفة أنْ تحب صوت الفزع والرهبة، والرصاص جمع رصاصة وهي عبارة عن الجزء المدبب من الطلقة كجزء منطلق، أخذت اسميها من صناعتها الأولى من مادة الرصاص، ثم من الفعل انطلق، ينطلق، انطلاقا،ومنطلق، وللعراقيات في الزمن الغابر عند حدوث حالة إطلاق لنار تأخذ النسوة ظرف الطلقة وتضع به ماء ثضع قطرة في شراب الطفل ضانّة بعدم موته أو خوفه مستقبلا من الرصاص .
.أُطلُّ وعبر مجموعة عصافير لا تحب الرصاص على عهد نقرأه
أعرف أين سأموت بدون رثاء
مجهولاً في أحد المنعطفات
لكن قصائد قلبي ستظل كجرح مسيح تنزف صليب عذابات الفقراء تلك بعض عصافيره وبعض خوفها، حتى استنسخت أجنحة للطيران فحلقت بعيداً، وحطت على الثلج المتراكم فوق أغصان الموت، فأثلج التواصل وأصبح الرصاص أرحم لأنه أكثر حرارة ورعدة واندفاع وأكثر حركة وأسرع بخطف الأرواح. أما العيون الصافية ركدت أمواجها الزرقاء الكثيرة تحت برد العواطف وازدحام الجنس، فما عاد شحيحاً أو ملغماً .والغيوم عادة مريرة كالذهاب إلى المجموعة الصحية لا رائحة لأمطار أو لتراب مبلل بالمطر. حيث الأرض لا زفير وأقلام الأشعار مثلجة لولا الذكرى والحنين لما بثَّ الجمر على قراطيس سأمت من النواح. وكذبة حقوق الإنسان، يختلف اللباس، ومواويل الغربة دامية ، ومن الحَسِن أنَّ الحزنَ يرتدي نفس الثياب في شتى بقاع الأرض، والشعر كما عهدناه إنْ أُلجم المصباح أو أُطلق بشرط .فالمجموعة صدرت عام 1985عن دار الشؤون الثقافية نقلت حال الواقع المعيش كتبت بالساتر معظم القصائد في منطقة جوارته في السليمانية.من الوهلة الأولى، بل من الطلقة الأولى ينتابك البكاء وتتشامخ الحسرة ما لم تألفها من قبل إذ تصطدم بأول عنوان
طلقة يهبط الغصن..ثانية ثم يصعد
طلقة البلبل المتأرجح منشغلٌ بالغناء جثة
رعدة، خرق، سلب روح،رعونة قساوة ثم تتوالى المشاهد بلذيذ انهمارها المدمي، ضمن تقنية التأرجح وعدم الاستقرار ويختالك الفكر بين الاهتزاز طربا أو من ثقل ما، أو غصن رطيب .يسمو، وعلوّ في فضاءات اللاعودة، عنفوان جناح شباب . انطلاقة نجاح، طلقة ؟؟وجوم تكسر بمجرى الريح، خفوت بضوء الحياة. جثة ظلام، قتل طموح، إيقاف لصوت الغناء،كتم للشدو بفرح النفس، خطف للحظة صفاء، سد ضوء لطريق، كتلة حديد في عجلة. يرتجف بلوعة قلب كان غصناً. مشهد مأساوي حين كانت البلابل تقتل تحت الشمس ليخسر الفيء في الغابات، ويعم السكون وتلجم البلابل عن التغريد، إلا الترديد مرحلة اللا قول حادٍ وقطيع وعلى التل الذئاب.وإذا تمشيت إلى محطة قادمة كانت معنونة القصيدة الثانية قطار لكن الراكب متشرد أو راحل مجبر أم عمره الذي هجرته المحطات؟وبها
غرفة من ورق أو صرير سرير على سطح ليل الفنادق يالها من واقية للحرق والبرد أو المطر أو الاعتداء السحق . تمرد السطح حتى علا الليل، ففي تلك الأيام يلتقي المتعاقبون على ظهور الفنادق بسفر مدولب، يعتلينا ليل سخيف هو هيكل آخر لا يؤمن بالحلم ولا يحلم به البُهلول. تتراقص الأسرّة لكثرة روادها وعابثيها من الجنود والإخوة المصريين وشتان ما بين الراحلينِ.يتوقد الجمر ما بين الحنايا ولا لسان لتنطق الشكوى . أو هوّة لتصيح كذي القرنين، بكل فمك إلى منتهى شدقيك آآآآخ . من نصوص ساحة ميسلون ومرايا الوهم »حتى تطأ عيني الـ الثلاثون ربما ثلاث عقود أو ثلاث مراثي بار _قصيدة _حزن ثلاث مهازل سرير _ضجر _حلم ثلاث عثرات جريدة _رذاذ_امرأة ثلاث جلادين ديون_قضبان_برد ثلاث أحلام بيت _ مكتبة_ برتقال ثلاث أماني صغار_ طيور_ أمان ثلاث فناءات عكازه _فقر _قبر .
هواجس لا تعني أحد
احتدام تصادمي عمن أمتهن النّهم والقصور وبين روح تكتفي ببيت طين؟؟ بين القناعة ان تكون نوافذ البحر خالية من اعتداءات الضجيج_وكسرة خبز بحجم القلب وكيد الأصحاب من باعة المفردات الجميلة. بين السلامة بفيء جدار والمكانة والحظوة عند الكبار وربطة عنق عريضة وكرش منتفخ، بين الصخب وصمت الليل، بين القصور وصالات الرقص ومصطبة شتاء عند آخر المشتل، بين الغنى والفقر.
أغنيات العريف صباح
اشراقة شمس العراق، وعيون الجنود الحراس والوفاء للوطن، لأنهم جمر القلب ومواقد الدفء بالبيوت وجمرات الحب المغمس بالقيم . لا سواتر وظلام ودكتاتور وعدو ودعايات ومتملقون وكارهون ..سوى حزن بجفن القيض اللاهب وستهزم صمتاً
سأُغني رغما عنها موالا لـ حسين نعمة
وأمدُّ رأسي كي أُبصر أي زهور نبتت هذا الصباح على سفح خلفيان؟
مفارقة حياتية لصور مزروعة بسفح الموت وحدائق الروح الغنّاء بإنبات المستقبل بحواف الأمل عند جبل خلفيان، قمة تستقبل القذائف بجلد، ويطعم فُتاة الخبز لسرب عصافير تحط على خزان الماء، ثم يحمد الله على البلوى ليصلي. عن الفتى كريم استبدل قول بالنيابة لراحل جسدا قائم روحا، استذكار ووفاء واستنهاض همّ، وإجلال قيم بكل أعرافه الدينية والقبلية والمتطرفة منها لأنها سمت منطقة المحاجير مسقط رأس الشهيد الملازم كريم.وبتعزية ومواساة لجراح لا تلتئم في قلب أم الشهيد
إلى نخلة المحاجير طار حمام العراق
دم الولد العاشق من قصائده المتوقدة لعشاق لا يكبرون، بل كبرت الكتب عبر مراحل العمر، كبرت حتى كراسات الرسم وشاخت، الحب _العمال _الصبي _الشاعر_ اللاهي بالطرقات، كلهم عاندوا مضي السنين وأهدروا دما كي يبقى الحب.امتازت مجموعته بمحور جسده بمختلف زوايا الحياة، كل المناسك لم يخلُّ بجزء منها، فقد كانت العصافير جمعا وفرادا يؤدون دورهم بصور متنوعة ووجوه مختلفة لروح واحدة
مازال وحيداً يبحث في غابات المدن المقهورة
عن عصفورته المجنونة
وضّح بين ثنايا نص اغتيال حلم الأعراف القاسية، وحدود الدين لابن مدينة مقدسة الكوفة المجتمع المتنوع بطبقاته البسيطة والأكثر علما ولكل صراط، الفوارق الطبقية، وسائل الاتصال، التواشك بين القرية وطلقة الجندي في ساحة الحرب، وتبقى الحبيبة والاختلاء بها حلم مقتول .لذا يزداد احتراقا لفتى تتجاذبه شتى الأيدي التي لا يقوى على ردعها الحرب المجتمع الحب فشاكس ما وقعت عينه عليه، وخطت قدمه الى جانبه، بالحلم، بالكلم، بالوحدة مع زهر الياسمين، هي الدنيا لديه ونار ليس له ناقة بها سوى قلب متعب ، ربما كان سيئاً بطريقته فأحرقته وشممنا عطره الشذي في نص احتراقات القمر المشاكس
توعدني»فتتركني بباب حديقة
الأمل الموارب ذابلاً اجترني سؤال للصائغ وأنا أقرأ نص تداعيات رجل حزين ليلة 9 آب 1983 هل شبهت ليلة 9 آب2011 ومن اشد مرارة الغربة حيث لندن أم الغربة شمال العراق حيث الحرب،وفي الليلتين مرغماً
هل تبحث مثلي ..في خارطة الكلمات المنسية على وجهك
هذا المغبرُّ ..من التجوال.. وأتربة الغربة أم تبقى تحت رذاذ الحزن ..وحيداً كشجرة صفصاف يابسة شخصيات الصائغ ذات حضور مرجعي تناغمت مع الحضور الآني في كثير من قصائده الموجعة، لم تتداخل إنما أصبحت مفارقات سردية، حضر المكان والزمان حتى أصبحت صفحة مرجعية تأريخية كما هو الشاعر مؤرخا لحقبته، واستعمل في بعض قصائده التقطيع السيمي، واشتملت جميع نصوصه واتفقت على قيمة واحدة هي النفس الحائرة بدالها ومدلولها وكون من إحالاته الخارجية،الدينية، والتاريخية والجغرافية روائع الصور الجميلة، شكلها بتشاكل انهار مدنه وجمالها وأشجارها حية وميّتة، وفي نصوصه الـ 32 التي احتوتها المجموعة وثق يومياته بكل إرهاصاتها من»بكاء جميل، وأحزان المغني ع»موت الفرد العراقي حياً وزوبعة العطر» زوبعة الشتائم ودوي القصف ودوي الكوابيس،وأحزان عمود الكهرباء»تنظر العمر وتنظر صديقك مجرد موزع يقسّم ما يمتلك ولا يمتلك ، وديوانه»أمنيات، ومدينته كما السياب ياليتني قد كنت ديواني.. لكن الصائغ يريد له عيون العابرين ليروا جراحه، جسره» يرنو إلى النهر تمر المياه وكم أظمأته،ووحدته» لا مقعد فارغ للجلوس،جمع تفاصيل حياته»فكان حكمة مؤقتة
في ضجة الطبول»لك أنْ تنتحي جانباً
وتؤجل ما ستقول.
/4/2012 Issue 4181 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4181 التاريخ 23»4»2012
AZP09