
عشيرة من النخل على كتف الفرات – محمد شاكر الخطاط
يقول بيكاسو : ” الفن هو الكذبة التي تجعلنا نكتشف الحقائق ” .
لكن ما وجدته مع الفنان الفوتوغرافي الدكتور صلاح الدين إبراهيم الحديثي أكبر من حقيقة الفن فلا يمكن للشمس أن تختفي وتسود الغيوم ؛ بل توهجت الشمس مع إضحاك الفجر في لوحاته الفوتوغرافية التي تمثلت بحب جمال حديثة وطبيعتها الخلابة على نهر الفرات العذب ، والنوَّاعير التي تدور في جسمه كالدورة الدَّموية ، والجسور القديمة التي تحملت الحروب تحمل الجمل ، والبساتين الخضراء المعشوشبة وسط عشيرة من النخيل الشامخة ؛ لذلك عمد الدكتور صلاح الدين على تجسيد الفلكلور الشعبي لمدينة حديثة ومواقعها التراثية القديمة ، فحين ينظر المتأمل إلى تلك اللوحات يدور كأيقونة إسطوانة لا يعرفُ أين يضع بصمة إبهامه من انسحاره العميق داخل فانوس متوهج بشعلة لا تنطفئ على كل لوحة ، فكأنَّك جالسٌ في جنة تشتهي ما لذَّ وطاب فتجد نهر الفرات الصديق الذي يلعب معك داخل شرايين قلبك ، والبيوتات التي تعرِّفك على طين فخرك وسط عُرسٍ كبير من تناسل النخيل ، والقبب الخضراء المتوسمة بأقدام الصالحين ، فقد كانت كل لقطة لها ثيمة خاصة وتأمل بعيد وحوار فكري يأخذك إلى عالمٍ من الصمت بعيداً عن عالمٍ مكتظٍ بالضوضاء ، فلم ينتمِ الفنان ( الحديثي ) في لوحاته إلى الانطباعية والتجريدية والسريالية فيعزف على كل واحدة خياله الكبير ؛ بل كان ينتمي الفنان الدكتور صلاح الدين إلى الفن الحداثي الذي يتناغم مع هرمونيك متجانس ( Harmonic ) من عالم الصمت أتذكر انّي سمعتُ في يومٍ ما للفنان والمُلحن والاكاديمي د. علي عبد الله قائلاً : ” الصمت في الموسيقى لدينا محسوب له زمن محدد والصمت احياناً يكون أبلغ من الصوت عندما يكون في المكان المناسب … ” ، وهذا يعني أنَّ ( الحديثي ) كانت لوحاته حافلة بعالمٍ من الصمت لكن مع كل لوحة ضربات موسيقية تغنَّت بنهر الفرات والأشجار والبساتين والنواعير والصخور المنحوتة بالآثار القديمة … فإنَّ كلمة فوتوغراف ( Photograph ) تعني في اللغة اللاتينية الكتابة بالضوء أو الرَّسم بالضوء ، لكن الفنان الدكتور صلاح الدين كان فيلسوفاً حذقاً في إداء لوحاته وخروجه عن عالم المألوف من أجل إيصال ما يدور في صياغة كيمياء فكره إلى وجدان المتلقي برؤية إبداعية ملفتة للأنظار من كل زاوية بحيث تغوص في أعماق كل لوحة ولا تخرج إلَّا مندهشاً ، ويذكرني ذلك برائد الفن الفوتوغرافي الفنان الفرنسي جوزيف نيسابور نيبس الذي ظهرت له أول صورة لمنظر طبيعي عام 1826 تطل على أحد نوافذ منزله بطريقةٍ قديمة تسمى الهيليوجراف ( Heliography ) بينما استعمل الفنان ( الحديثي ) وسط المناظر الطبيعية النخيل والبساتين الخضراء والنواعير التي تتركب عليها مدينة حديثة ، فقد كان ( الحديثي ) مصورًّا مرهفًا بالأحداث التي صورها وكأنه رسمها على قلبه قبل فكره .
يقول الفنان والرَّسام الأمريكي مان ري : ” إنَّ وظيفة الفن هي دفع المشاهد إلى التأمل وليس فقط إثارة الإعجاب بالبراعة التقنية التي يتمتع بها الفنان ” ، وهذا ما وجدته مع الفنان ( الحديثي ) المتأمل بلقطات حياته في مدينته التراثية مخاطباً جمالها الروحي ونخيلها الشامخ الممتد على كتف نهر الفرات .
يقول ماكلينMccullin : المصور يجب أن يكون إنساناً متواضعاً صابراً مستعدًّا للمزيد من المتابعة … ” بكل لوحة وجدت ( الحديثي ) خلوقاً متواضعاً صابرًا في التأني في لقطاته التي بثَّها من مشاعر روحهِ رافعاً كفَّ يديه يحاكي حبيبته التي تغنَّى بِجمالها وطبيعتها الخلابة . وفي الختام لا يسعني إلَّا أن أقول : إنَّ التصوير فن وذوق أكثر مما هو نقل لقطات ولحظات سريعة ، فقد كانت أصابع (الحديثي ) مسحورة ومغمورة بحب جمال حديثة وتعبير رؤيته عنها كفيلسوف واقف على تلّ صخرة يلتقط تلك اللحظات المؤثرة .
























