
ذات مرة نفى الشاه السابق في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية أن يكون عرب في إيران، بل أكد أن هناك عددا من الغجر (الكواولة) يقيمون في الأحواز، وتكرر الأمر في عهد الجمهورية الإسلامية، وبالتحديد في العام ١٩٨٥ (١٣٦٤ ش) عندما نشرت صحيفة «اطلاعات» في طهران مقالا لشخص يوصف ب بختياري، وصف عرب الأحواز أيضا بالغجر- الكواولة- مما أثار احتجاجات في مدينة الأحواز، عرفت بالانتفاضة الأولى، سقط خلالها عدد من المتظاهرين بين قتيل وجريح وتم اعتقال المئات، منهم صديقي المعلم في مدارس الأحواز حميد الغرباوي (أبي شهلة) الذي أحرقوا باطن قدميه، وهو حاليا يقيم في برلين.
الأسباب الكامنة وراء تعيين
أول حاكم عربي بعد الشيخ خزعل
بعد نحو قرن على سقوط آخر حاكم عربي لعربستان- الشيخ خزعل- وأكثر من نصف قرن على كلام الشاه المهين، وأربعين عاما على مقال «اطلاعات» المسيئة، وصلنا من نقطة الصفر إلى نقطة أعلى وهي تعيين د. محمد رضا مولى، كحاكم عربي لإقليم الأحواز الذي يصفونه رسميا ب «خوزستان» وذلك- على أقل تقدير- اعتراف بالهوية العربية والوجود العربي الذي طالما أنكره الحكام في طهران منذ احتلال مملكة عربستان وإسقاط الأمير خزعل آخر حاكم عربي لتلك المملكة. أي أن جميع الحكام المعينين للإقليم من قبل طهران في العهدين الملكي البهلوي والجمهوري الإسلامي خلال السنوات المئة الماضية كانوا إما فرسا وأما من الأقلية غير العربية في الإقليم. لنتذكر أن النظام الراهن لم ير مشكلة في تعيين وزير عربي أحوازي لمدة وأعني علي شمخاني، بل كان يمتنع عن تعيين حاكم عربي لإقليم الأحواز، لذرائع معظمها أمنية تتعلق بموقعه الجيوسياسي والجيو استراتيجي. إذ لم يكسر هذا التابو إلا الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان وبعد مرور ٤٥ عاما على قيام الثورة التي شارك فيها العرب مشاركة فاعلة. والسبب يعود إلى الثورات والانتفاضات والمشانق والتضحيات، وبشكل خاص إلى النضال الذي خاضه الاحوازيون في داخل إيران وخارجها خلال العقود الثلاث المنصرمة من أجل تكوين خطاب أحوازي أخذ يؤثر على العديد من النخب الأحوازية ومنهم المنتمون للنظام، وهذا ما شاهدناه بين الأتراك الأذريين أيضا، حيث أثر خطابهم على تفكير وسلوك الرئيس الجديد مسعود بزشكيان نوعا ما، وهو ابن هذا النظام، تربى في أحضانه وتشرب بأدبياته السياسية. لاننسى أن تعيين الحكام في المحافظات الأربعة لإقليم أذربيجان كان يتم دوما – في معظم الأوقات- من بين أتراك الإقليم أنفسهم، بل وتراهم يتحدثون بالتركية في مكتب المحافظين وفي الدوائر الحكومية، الشيء الذي يعود ممنوع على العربي الأحوازي.

مَن هو محمد رضا موالي؟
الدكتور محمد رضا موالي- نجل المرحوم «مولى تبل»- من سلالة المشعشعين الذين حكموا مملكة عربستان من القرن الخامس عشر إلى قرن الثامن عشر، وقد اصطف جده المولى نصر الله إلى جانب الشاه رضا البهلوي ضد الثائر الأحوازي محيي الدين الزيبق مما أدى إلى هزيمة الأخير بعد أن أعلن الحويزة وما حولها منطقة مستقلة من الحكم البهلوي الأول في العام ١٩٢٨.
وقد عمل محمد رضا موالي في مناصب مختلفة في السلطة الإيرانية بما فيها مساعد محافظ الأحواز ووكيل وزارة العمل وسفير إيران في الجزائر وكذلك كان مندوب للأحواز في البرلمان لفترتين. فرغم البهجة التي عمت فئات مختلفة في المجتمع الأحوازي أثر هذا التعيين لكن يمكن أن نسمع ونقرأ آراء متشائمة أيضا. إذ سمعت من المؤيدين في الداخل يقولون: إنه «يعد تغيرا في السلوك وفي التعامل مع العرب وسوف تكون بادرة لنيل سائر الحقوق أو -على الأقل- أنه يغيض العنصريون الفرس وهو اعتراف رسمي وصريح بوجود العرب كمكون أساسي في الإقليم.» ونحن نعرف أن العرب يشكلون الأغلبية في إقليم الأحواز (خوزستان الرسمية) – بين ٦٦ إلى ٧٤ في المئة من نسمته- حسب مصادر فارسية وأجنبية.
وقال لي عالم اجتماع احوازي يقيم في الخارج في هذا المجال: إنه «إنجاز مهم وان العرب
تمكنوا أخيرا من إجبار الحكومة بالاعتراف بوجودهم وحضورهم على الساحة، وهذا من نتائج انتفاضة العطش في عربستان في العام ٢٠٢١ وانتفاضة مهسا أميني في كل إيران في العام ٢٠٢٢، والأخيرة كانت السبب في اعتراف السلطة بالشعوب غير الفارسية. فتعيين حاكم عربي هو شكل من أشكال الرمزية ليقولوا عندنا حاكما عربيا وليس لإحداث تغيير حقيقي في الإقليم.” وأنا أرى أن التأثير النفسي والمعنوي لهذا التعيين سيكون أكثر من أي تأثير مادي وملموس في حياة الأحوازيين، وسيمنحهم الثقة بالنفس في نضالهم المدني والثقافي وفي كفاحهم من أجل طموحاتهم لنيل حقوقهم القومية.
فيما يرى البعض المتشائم إزاء هذا التعيين قائلا: إنه «يؤدي إلى تقزيم المطالب الشعبية وهي عديدة وعلى رأسها إزالة التمييز السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي على جميع الأصعدة.» ويضيف هؤلاء أن «اختيار شخص عربي كمحافظ، ما هو إلا فخ اوقعته السلطة فيه، وان الجهات الأمنية والعنصريين سوف يفشلونه وكادره، وسوف يخفق في أدائه وسوف يقع اللوم عليه بكل الأمور.» كما هناك أيضا من يقول إن محمد رضا موالي سوف يكون اليد الضاربة للأمن ومنفذ مخططات العنصريين في الإقليم، ومن أجل ألا يتهمهم أحد مباشرة، سينفذ المحافظ العربي كل مخططاتهم، وهناك تجارب عديدة تثبت ذلك، منها ما قام به جمال عالمي نيسي القائم مقام العربي لمدينة الأحواز الذي وافق على انتخابات مجالس البلدية لمصلحة الأقلية غير العربية قبل سنوات رغم وقوع التزوير الواسع فيها. وكذلك علي شمخاني العربي الأصل الذي كان وزير وامينا لمجلس الأعلى للأمن القومي ولم يفعل شيئا لمصلحة بني جلدته في الأحواز بل وساير كل مخططات النظام في حرف الأنهر من الإقليم إلى مناطق أخرى وتجفيف الأهوار وكذلك أسهم في قمع الحركة الوطنية الأحوازية منذ قيام الثورة وحتى السنوات الأخيرة. ويضيف هؤلاء:» تقع الكرة حاليا في ملعب الناشطين العرب بشكل خاص وعرب الأحواز بشكل عام، يعني أن السلطات قذفت الكرة بملعبهم، وبما أن العرب الأحوازيين يحاولون في جميع الأحوال أن يدفعوا عن أنفسهم التهم النمطية التي توجهها لهم الدوائر الأمنية عادة ك الانفصالي، والطابور الخامس، والوهابي… إلخ وإثبات ايرانيتهم، فهذا سيجعل من المشاركين منهم في السلطة، ناس محافظين لا يتمتعون بالشجاعة اللازمة لأداء المسؤولية وهذا سيؤدي إلى فشلهم.»
في الحقيقة أن السلطة الحاكمة في إيران راضية من أداء إقليمي أذربيجان وعربستان في مجالين: الأول عدم مشاركتهم في انتفاضة مهسا أميني التي كادت أن تطيح بالنظام السياسي في إيران، وثانيا لنسبة المشاركة المرتفعة لأذربيجان في الانتخابات الرئاسية في العام ٢٠٢٤ ومشاركة خمسين في المئة من المؤهلين للتصويت في إقليم عربستان (خوزستان رسميا)، خاصة وأن معظم هؤلاء صوتوا لمصلحة سعيد جليلي، غريم بزشكيان، والمعروف باتجاهاته المتشددة، ووفقا لهذه الأمور وقضايا أخرى، تبني السلطة وخاصة مرشدها علي خامنئي على أمر أهم من كل ما ذكرناه، وهو احتمال أن تصبح عربستان، منطقة يلجأ إليها قادة النظام في حال تعرضه لهجمات عسكرية مميتة ليحولوها بعد ذلك إلى قاعدة انطلاق للتسلط على إيران مرة أخرى، خاصة وأنها قريبة لجنوب العراق والمليشيات التابعة لها.
























