
عبد الكريم الساعدي في تجربتين
زمنا الكتابة والنص
محمد جبير
يختتم القاص عبد الكريم الساعدي “قصته”كان الدرس صحوا واغتيال مجنون” بالآتي “بغداد 1994-1999″، وهما من قصص المجموعة الأولى “ما بعد الخريف – 2015” الصادرة عن “دار أمل – سوريا “، استوقفتني الفاصلة الزمنية بين كتابة تلك القصة وزمن نشرها في كتاب مع قصص أخرى، فضلا عن زمن الكتابة وزمن الحدث في القصة، هذا ما كان في المجموعة الأولى، أما في المجموعة الثانية “كوميديا العالم السفلي – 2016″ والصادرة في القاهرة عن ” بورصة الكتب للنشر والتوزيع ” فقد كانت وقفتي عند نص “المعبر”.
قد يتوقع بعضهم أن هذه القراءة ستكون قراءة ناقصة، وهو محقّ في هذا التصور اذا ما فكر أنه لابد أن تلُمّ القراءة بمستويات النص كافة من قيم جمالية وفنية، سأقرأ هذه النصوص التي انتخبتها من المجموعتين لأسباب تتعلق بظرفية الكتابة وزمن الكتابة، مارا بشكل سريع على بعض الخصائص الفنية التي تميز نصوص الساعدي القصصية.
لماذا استوقفني تاريخ كتابة النص “1994” بين كتابة نص “كان الدرس صحوا” وتاريخ الاعلان عنه كنص موجود في كتاب أمام المتلقي، “21” عاما، إنها فاصلة زمنية طويلة، مرّ الكاتب والواقع والنص بتحولات فكرية وفنية كثيرة، ولابد للكتابة والكاتب أن تكون حاضرة في هذه المتغيرات السريعة والمفصلية في حياة الإنسان، فكيف إذا كان ذلك النص يوثق للحظة مفصلية في حياة السارد، هذه اللحظة تسبق زمن كتابته بعقد كامل تقريبا.
يمرّ النص على الحرب الأولى حرب الثمانينات، وما حدث من متغير جوهري للشخصية في انتقاله من الدراسة الجامعية إلى أرض المعركة، جراء “طي القيد”، إن الانتقال بالشخصية القصصية من بيئة إلى أخرى مختلفة يعني بالضرورة الانتقال بالغة القصّ من حال إلى آخر، من خلال البحث عن مفردات تقتنص رائحة المكان، من موت وجرح ودم وبارود ودخان وبرد وحر، وهي مفردات لم يكن قد تآلف معها المتلقي أو تعرّف عليها في الاستهلال الافتتاحي للنص.
وتضفي الكتابة عن الحدث الماضوي فسحة من التأمل والتفكير والبحث عن زوايا منظور جديد تختلف عما كتب فيه نص الحرب في ظرفيته الآنية التي تتصف بالعاطفية والتعبوية، إذ لا توجد فسحة بسيطة لتمرير فكرة قد تكون خارجة عن هذين الإطارين، لذلك كان على هذا النص أن ينتظر فرصة الإعلان عن نفسه فيما سيأتي من زمن منتظر.
اغتيال مجنون
هذا الأمر لا يختلف في شيء عن نص “اغتيال مجنون-1999″، والذي ضمّته المجموعة الأولى ذاتها، الذي لا يمكن أن ينشر في زمن النظام السابق، وذلك لوضوح الجنون في كتابة نص، يسخر من النظام وما يشكله من سلطات قمعية، نعم استثمر القاص شخصية “المجنون” أو مدّعي الجنون، إلا أن النص لا يمكن أن يكون مجنونا وإنما جاء نصا عقلانيا.
إذ يرمي من خلال هذا النص تحرير المحلة من خوفها، ولكن كيف يمكن ذلك؟ والكلام أو الأفعال الكلامية التي تحرك النص تعود إلى مجنون، وهي التي اعتادت الخضوع إلى رمز أو قائد تصطف وتصفق وراءه “أرى وحوشا ضارية تسير، تتبعها خفافيش” “ص46- نص اغتيال مجنون – ما بعد الخريف”، لذلك تكون صرخة المجنون في الوجوه الخائفة، هي نقطة عقلنة الحدث في الاتجاه الصحيح “لقد دنستم التراب بالعار وارتديتم لباس الهوان، فلتسقط الحكومة ” ” م.ن ص47″.
هذا النص لايمكن أن يفصح عن الشخصية بهذا الوضوح ” فلتسقط الحكومة”، لأنها جملة شعارية تحمل خطابا مناهضا للسلطة آنذاك، وهو لا يمكن أن يكون خطاب الشخصية المبتكرة في النص “الشخصية الورقية”، وإنما هي فكرة أراد أن يمررها الكاتب على لسان الشخصية لتقول ما يريد أن يقوله ، لذلك أعطى الحرية للشخصية في أن تقول ما تريد قوله، سواء كان ذلك يغضب الآخر أم لا، إذ إن هذه الشخصية تسقط اعتبارات ردود الفعل على هذا الخطاب الشعاري.
“- لماذا تسب الحكومة ؟ ألا تخاف أن يقتلوك؟
لقد قتلوني مرتين، ولا يجرؤ أحد على قتلي مرة ثالثة” “م.ن ص 47”.
إن جنون الشخصية في الواقع يدرك من خلال مخاطبته للكاتب “أنت تعلم أني لست مجنونا”، مما ينقل الحوار من إطاره الجنوني إلى محتواه الخطابي الإطاري بوصفه موقفا مناهضا ورافضا للنظام وسلطته الدكتاتورية، وهذا النص في إطاره العام لا يخرج كثيرا عن نص ” الدرس” أو نص “أمنية معلم” من المجموعة ذاتها، الذي يغادر الحياة وهو يحلم بامتلاك قطعة أرض، ولا تخرج أغلب قصص المجموعة في خطابها العام عن هذا السياق الرافض للواقع البائس ، ضمت هذه المجموعة “20” نصا قصصيا، كتبت كما يشير الكاتب في الصفحة السابعة ما بين ” 1984- 2014″ بمعنى “20” نصا في “30” عاما، وإذا نظرنا إلى ذلك بعين الانتاج نلمس الندرة فيه، نص واحد لكل سنة ونصف.
نص قصصي
هذا التأني في الكتابة لا يدل على ندرة الموضوعات التي يرصدها الكاتب أو التي تثير اهتمامه في الكتابة، وإنما تؤشر إلى مدى المسؤولية في التعامل مع النص القصصي، إذ لا يمكن أن يكون هذا النص مجرد تسطير مفردات وأسطر، وإنما هو حياة نابضة بموقف إنساني، إذ لايخلو نص من ذلك الموقف، فالكاتب في نصوصه هذه يعلن تمرده على النظام ورفضه لكل أشكال القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وهذا الأمر لا يتوقف عند حدود نظام دكتاتوري شمولي مرفوض، وإنما حتى في النظام الذي يفترض أن يكون ديمقراطيا لأنه جاء على أنقاض ذلك النظام.
لذلك نراه يقف في قصته “المعبر” من مجموعته الثانية “كوميديا العالم السفلي” عند أحدث مأساة إنسانية جراء وحشية وبدائية الإرهاب السلفي، حيث تتمركز المعاناة الإنسانية عند “معبر بزيبز”، مما يؤشر تواصل خطاب القاص في الموقف إلى جانب معاناة الإنسان العراقي في مختلف الظروف وفي مختلف الأزمنة، مما يعني أن الخطاب الفكري الجمالي للكاتب لم يتغير في السابق أو اللاحق من الأيام،إلا أن المتغير الوحيد أنه لم يكن يجرؤ إعلان نصوصه في المرحلة السابقة،لأنه يعرّض نفسه للتصفية، فيما يستطيع اليوم أن يعلن عن موقفه ولا يخفي نصوصه عقودا زمنية منتظرا الفرصة الملائمة للنشر.
إن نشر هذه الأعمال، الكتاب الأول في سوريا، والثاني في مصر، هو بمثابة إعلان خطاب خاص بالكاتب، إذ لو قام بنشرهما في داخل البلاد لكانت بمثابة موقف، والاختلاف واضح بين الموقف والخطاب، والقاص يدرك ذلك جيدا، وتحرك في ضوئه ليشكل لنفسه خطابا خاصا يختلف فيه عن مجايليه من كتاب القصة القصيرة، سواء في طريقة التفكير أو في أسلوب العرض لما تمتاز به جملته القصصية من بنائية شعرية خاصة، تغلب على معظم النصوص التي ضمّها في هذين الكتابين القصصيين.
























