عبدالرزاق الناصري صاحب النشء الجديد

عبدالرزاق الناصري صاحب النشء الجديد

رائد صحفي مفتون باللغة

عـلاء لازم العيـسى

عبد الرزاق الناصري ، أشهر صحفيي عصره ، وهو الإبن الأكبر للعلامة عبدالعزيز الناصري ، قدم ابوه من تكريت إلى البصرة أواخر الحكم العثماني ، واختار الإقامة في قرية حمدان في أبي الخصيب ، عاصر الشيخ محمّد أمين الشنقيطي  وأعجب به ، ولفضله وعلمه انتخب لتعليم قواعد اللغة العربيّة والدين في مدرسة ( تذكار الحريّة ) التي أسّسها سليمان فيضي سنة 1908م ، كما انتخب عضواً في ( الجمعيّة العلميّة الأدبيّة ) التي أسّسها  في البصرة لفيف من الأدباء والعلماء سنة 1910م ،  وفي سنة 1929م توفي العلّامة الناصري ، ودفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير ، وخلّف ثلاثة أولاد ، هم : عبدالرزّاق ، وعبدالكريم ، وعبدالسلام . ولد عبدالرزّاق في البصرة سنة 1907م ، تتلمذ على أبيه أولاً ، ثمّ دخل المدارس الرسميّة وتخرّج في دار المعلمين الابتدائية ، زاول مهنة التعليم في بغداد ثم تركها وعاد أدراجه إلى البصرة ، وعيّن مدرّساً للغة العربيّة في ثانوية البصرة ، ثمّ استقال وتفرّغ للصحافة فأصدر في البصرة مجلّة ( النشء الجديد ) الشهريّة ، أطلّ عددها الأول على القرّاء في الأول من شباط سنة 1927م وقد احتوى على ( 32 ) صفحة ، وأشارت في ترويستها إلى أنّها : ( مجلّة مدرسيّة علميّة أدبيّة شهريّة ) ، وبعد صدور العدد الرابع منها نقل الأستاذ الناصري إصدارها إلى بغداد وذلك سنة 1928م ، ثمّ عاد إلى البصرة بعد توقفها عن الصدور . كانت مجلة ( النشء الجديد ) التي طبعت في المطبعة الكاظمية في البصرة ، تنشر كلّ ما يزوّدها به الأدباء والشعراء من مقالات وقصائد  وتقبل الإعلانات لقاء أجرة معتدلة ، وكان لها باب خاص بالنساء ، وفيها نوقشت قضايا التعليم   وفي عددها الأول نشر الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي قصيدة له . أصدر الناصري بعد رجوعه إلى البصرة جريدة ( الأيّام ) وهي جريدة سياسيّة جامعة كان صدورها ثلاث مرّات في الأسبوع ، مديرها المسؤول المحامي عبدالجليل برتو ، وكانت كما يرى أحد الباحثين غنيّة بمادتها وكتبت للأدب ونشرت درر القصيد ، إضافة إلى ما عالجته من مشاكل على الصعيد السياسي المحلّي والعربي ، صدر عددها الأول في ( 4 / 1 / 1930م ) ،  واستمرت ثمانية أشهر ثمّ أوقفها صاحبها بإرادته . أصدر في بغداد سنة ( 1936م ) جريدة ( الأنباء ) ، ثمّ نقل محل إصدارها إلى البصرة ، وهي سياسيّة أدبيّة جامعة صدرت ثلاث مرّات في الأسبوع ، توقفت عن الصدور اثر تعيين صاحبها مدرّساً للّغة العربيّة في البصرة ، وبعد استقالته من الوظيفة عاد للعمل الصحفي ، وكانت عودته لإصدار ( الأنباء ) في البصرة بتاريخ ( 21 / 7 / 1940م ) ، وأشارت الأنباء إلى نفسها بأنها امتداد لإصدارها السابق ، وتضمّن عددها الأول ــ المؤشّر بالعدد 114 ــ مقالاً أشار إلى ( العودة إلى مسقط الرأس ) ، ثمّ توقفت اضطرارياً بعد حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة في مايس سنة ( 1941م ) ، وكان آخر عدد أصدرته جريدة الأنباء هو العدد  ( 197)  في ( 1 / 5 / 1941م ) وبه طوت اتجاهها الأول  وهو اتجاه مؤيّد للأماني الوطنيّة ، ويشايع حكومة الدفاع الوطني في حربها ضد الانكليز .أمّا الدور الثاني من إصدارها فكان في ( 28 / 5 / 1941م ) ، إذ أصدر الناصري العدد   ( 197 ) مكرّراً ، وأصبحت ( الأنباء ) بمثابة لسان حال قوّات الاحتلال ، وهاجمت ما أسمته  ( التمرّد والعصيان ) ، وطالبت بالضرب على أيدي من شارك بحركة مايس ، وكان العدد      ( 238 ) الصادر في ( 22 / 6 / 1941م ) هو العدد الأخير ، إذ انتهت به الجريدة إلى التعطيل ، كما أصدر ـــ قبل ذلك ـــ مجلة ( المناهل ) ، وهي مجلة أسبوعية مدرسيّة جامعة ، صدرت في بغداد بتاريخ ( 20 / 11 / 1937م ) . أمّا جريدة ( آخر ساعة ) فقد أصدرها الناصري في البصرة بعد جريدة ( الأنباء ) ، وهي يوميّة سياسيّة صدر عددها الأول في ( 13 / 8 / 1941م ) ، وقد صدر منها ( 631 ) عدداً لغاية ( 1945م ) ، وهو تاريخ وفاة صاحبها ، وبذلك ينتهي الإصدار الأول . وبعد انتقال الامتياز لورثة عبدالرزاق الناصري بعد وفاته ، تمّ الاتفاق بين السيّدة ( فاطمة حسين ) زوجة الناصري ، وبين جماعة (حزب الاستقلال ) قبل تأسيس الفرع في البصرة ، بإصدار الجريدة على أن يدفع المصدرون ( 15 ) دينارا شهريّاً للورثة ، فصدر العدد الجديد ـــ الذي يمكن عدّه إصداراً ثانياً ـــ بتاريخ ( 10 / 11 / 1946م ) ، وقد أشير إلى اسم صاحبة الامتياز ( فاطمة حسين ) ، وسكرتير التحرير عبدالعزيز بركات ، ومديرها المسؤول عبداللطيف عبدالوهاب ، واستمرت بالصدور لغاية ( 16 / 12 / 1946م ) ، حينما صدرت جريدة ( الناس ) التي ألزمت نفسها بأن تكون معبّرة عن أهداف الحزب المذكور وآرائه ، باعتبار أنّ صاحبها هو المعتمد الرسمي للحزب في البصرة .

ولم يكن الأستاذ عبدالرزاق هو العلم الوحيد في عائلته ، فقد كان أخوه الأستاذ عبدالكريم ، باحث ، وأديب ، ومترجم ، ولد في البصرة سنة 1918م ، وفيها أكمل الابتدائية والثانويّة ، وكان من المتفوّقين ، فأرسلته وزارة المعارف في بعثة إلى الجامعة الأمريكية ببيروت ليدرس الفيزياء ، وفي بيروت تعرّف على الدكتور ( شارل مالك ) أستاذ الفلسفة في تلك الجامعة ، فاستهوته الدراسات اللغويّة والفلسفيّة وعزف عن دراسة الفيزياء ، فعاد إلى بغداد دون أن يكمل الدرجة العلميّة ، وعيّن مترجماً في المصرف الصناعي . راسل بعض الصحف والمجلّات ، ونشر دراسات لغويّة رصينة ، وكانت له ردود على الأب إنستاس ماري الكرملي ، وتعقيبات على الشيخ عبدالله العلايلي ، وكان متفوّقاً في الترجمة من الانكليزيّة إلى العربيّة وبالعكس ، إلى جانب اهتماماته الأدبيّة ، إذ نشر شيئاً منها في مجلة ( الرسالة ) القاهريّة في سنة ( 1939م ) ، واستمر يكتب وينشر حتى وفاتهِ سنة  1966م وأعقب : القاصة المعروفة بُثينة الناصري .  ولدت ( بُثينة ) في بغداد سنة ( 1947م ) وفيها أكملت الابتدائية والثانويّة ، وحصلت على بكالوريوس اللغة الانكليزيّة من كليّة الآداب بجامعة بغداد سنة ( 1967م ) ، نشرت أول قصّة قصيرة لها بعنوان ( حدوة حصان ) في جريد ( الأنباء الجديدة ) في بغداد سنة ( 1966م ) ، ثمّ أصدرت بهذا الاسم مجموعة قصصيّة سنة ( 1974م ) ، تلتها عدداً من المجاميع القصصيّة ، منها : موت إله البحر ، ووطن آخر .

أمّا الاخ الأصغر للاستاذ الناصري فهو ( عبدالسلام ) من الرعيل الأول من الشيوعيين العراقيين ، ولد في البصرة سنة 1923م ، لم يكمل دراسته الأكاديميّة ، انتسب إلى الحزب الشيوعي سنة 1941م عندما كان يعمل كاتباً في ميناء البصرة ، رقّي إلى اللجنة المحليّة في البصرة ، ثمّ أصبح منظّم لجنة عمّال بغداد ، كان عضواً في جماعة ( راية الشغيلة ) التي انشقّت على قيادة ( بهاء الدين نوري ) سنة 1953م ، اختير سنة 1958م عضواً أصيلاً في اللجنة المركزيّة مسؤولاً عن تنظيم بغداد ، وعقب النكسة التي أصابت الحزب الشيوعي  بعد الإطاحة بحكم عبدالكريم قاسم في ( 8 شباط 1963م ) أقام في الإتحاد السوفيتي  وعند تشكيل ( لجنة تنظيم الخارج ) كان عضواً مهمّاً فيها ؛ إذ حاول الناصري أن يجمع حوله عناصر الحزب القيادية المغتربة في عدد من البلدان الأوربية ، لتكون مركزاً قياديّاً يوجّه تنظيمات الحزب المتبقيّة لقيادة  مناهضة لانقلاب (8 ) شباط المذكور ، وإعادة بناء الحزب ، وكان وقتئذ يتمتّع بتأييد الحزب الشيوعي السوفيتي الذين يدعمون ترشيحه لمنصب سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي . رفّع ( أنور مصطفى ) وهذا هو اسم عبدالسلام الحركي في تموز سنة 1964م إلى عضوية المكتب السياسي الذي يرأسه ( عزيز محمّد ) ، وفي العام التالي اختير عضواً في اللجنة المركزيّة ، لكنه اخرج منها سنة 1967م ، ليعاد انتخابه سنة 1976م ، وفي سنة 1984م استبعد من اللجنة المركزيّة ، عمل عبدالسلام الناصري في مختلف ميادين النشاط الحزبي ، ومنها ميدان التنظيم ، وفي صحافة الحزب أيضاً ، وظل مواظباً على عمله في جريدة ( طريق الشعب ) حتى إغلاقها سنة ( 1979م ) ، توفّي يوم الاثنين 28 / 3 / 2016م وخلّف بنتاً اسمها ( ميلاد ) .