عامر عبد الله: كلام في نقد كتاب
هند نوري عبيدين
قرأت كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان عن الشخصية الشيوعية العربية المعروفة عامر عبدالله والذي حمل عنوان “النار ومرارة الأمل” مع عنوان آخر “فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية”. وقد استوقفني الجزء الأخير من العنوان، لأنه يرتبط مع بعض المعطيات التي تكوّنت تاريخياً بخصوص الحركة الشيوعية في سوريا وبلدان المشرق. وتكوّنت لديّ بعض الملاحظات خارج نطاق الخلافات بين الشيوعيين العراقيين، وهي خلافات حادة وتسقيطية تصل إلى التجريم، لست معنية بها وإن كنت شخصياً أشعر بالأسف إزاءها، وهذه ظاهرة عراقية معروفة، ويمكن القول إنها أصبحت عربية أيضاً.
استوقفتني نقاط متعددة دفعتني للكتابة:
أولاً- وجدت في موقف الحزب الشيوعي العراقي من الوحدة العربية تميّزاً في العام 1956 وهو الجزء الذي نشره د.شعبان، وحبذا لو نشر كامل التقرير، وأرجو أن يحيلني إلى إمكانية الحصول على التقرير كاملاً، خصوصاً وقد إلتبس موقف الحركة الشيوعية من قضية الوحدة والعروبة، عند إتمام ترتيبات الوحدة السورية – المصرية في العام 1958، وانطبع في أذهان الجيل التالي موقف خالد بكداش، وهو الموقف الذي كوّن صورة الأحزاب الشيوعية وتصوّراتها من الوحدة. ولا أخفي استغرابي وجود تنظير وطرح بمثل هذا المستوى، لم نطّلع عليه، وخصوصاً من جانب تيارات وطنية تقدمية وليست حزبية، ولا أدري لماذا لا يتم نشره وتعميمه والبناء عليه، وهو موقف جديد بالنسبة لي كمتابعة، كما أنه يردّ على بعض الاتجاهات الخاطئة التي رافقت التجربة من داخلها ومن خصومها أيضاً.
وثانياً- الموقف من القضية الفلسطينية والمراجعة التي ذكرها الكاتب سواء ما جاء من إشارة لها في التقرير، أم موقف شعبان ذاته الذي نعرف مدى نقده لقرار التقسيم والاعتراف بدولة “إسرائيل” وتبرير وجودها، وكذلك دور الحركة الصهيونية اللاحق وهو ما قرأنا له سابقاً. وقد أفادنا كثيراً نشر موقف عامر عبد الله من حرب تشرين التحررية، ووقوف العراق إلى جانب شقيقته سوريا بكل شرف.
وقد وجدت في الكتاب ما يفيد القارئ للاطلاع عليه كرؤية جديدة أو مراجعة لرؤية قديمة من هذه القضية الأساسية في حياة العرب المركزية، وهي مفيدة للحركة الشيوعية قبل غيرها، كما أنها مفيدة لتخفيف العداء بين القوى التقدمية العربية، ولذلك فإن موقف عامر عبد الله يعزز قناعة السوريين الذين عرفوا الدور العراقي وهو الموقف الذي زاد من أواصر التلاحم بين الشعبين بغض النظر عن اختلاف الأنظمة.
وثالثاً- حاول د.شعبان إظهار الكارزمية القيادية لعامر عبد الله ودوره في الحركة الوطنية العراقية، لكنه لم يهمل نقده، خصوصاً ما أسماه طموحه الذي لا يتقدم عليه شيء، إضافة إلى بعض مواقفه في تأييد الاستعانة بالعنصر الخارجي أو التعويل على نظام العقوبات في إسقاط النظام السابق، وأعتقد أن هذا الموقف من جانب عامر عبد الله كان خاطئاً، وقد يكون اندفاعه إلى ذلك بسبب اليأس الذي أصابه والضغط الذي وقع عليه، بعد إقالته من قيادة الحزب الذي يجد نفسه أكثر جدارة من الآخرين فيها، وقرأت مرارته وحنقه، وأقدّر ذلك جداً.
رابعاً- تعاملت كما يبدو قيادة الحزب الشيوعي مع عامر عبد الله وعدد من القياديين بشكل يخلو من روح التضامن والكفاح، فنكّلت بهم لأن لهم مواقفاً مختلفة من الحرب العراقية – الإيرانية أو من تجربة النضال العسكري أو المسلح أو إزاء بعض القضايا الإدارية، وهذا أمر يستوجب قوله والاعتذار من عامر عبد الله أو ممن تمّ التنكيل بهم.
وأعتقد أن الاعتذار العلني واجب، خصوصاً لعامر عبد الله الذي ساهم في بناء الحركة الوطنية ولدوره التاريخي، فلا وجود لإنسان بلا أخطاء.
خامساً- كان عامر عبد الله مفكراً، وهو سياسي لامع، جمع بين النظرية والممارسة، ولهذا كان على الحزب توفير ما يستلزم له للقيام بمهماته دون دفعه إلى أتون الصراع الذي لا ينتج عنه سوى تدمير الذات والآخر. وعلى أحزابنا القومية والاشتراكية وحتى الإسلامية الاهتمام بهذا النمط من المناضلين وبرأي أن خسارتهم هي خسارة كبيرة، فالأشخاص لعبوا أدواراً هامة في تاريخ الحركات والأحزاب من الصعب إهمالها.
سادساً- لا بدّ من إعطاء المثقفين مساحة واسعة من الحرية دون إخضاعهم للضوابط الحديدية، فعامر عبد الله كان شخصية متمردةً كما تبدو سيرته، وكان لا بدّ من احتواء هذا التمرّد وعدم الإقدام على تنحيته من القيادة المركزية للحزب وهو أحد أقدم مؤسسيها. لاسيما وأنه عمل مع قائد الحزب سلام عادل ومع الأمين العام السابق عزيز محمد لسنوات طويلة.
المثقفون في أي مجتمع هم من يحمل لواء التغيير، خصوصاً باتحادهم مع قطاعات شعبية واسعة من الجماهير الكادحة صاحبة المصلحة الحقيقية.
وفي ذلك يقول الدكتور شعبان شارحاً سيرة عامر عبد الله “أنه أحد المثقفين الماركسيين العرب الذين امتلكوا فكراً جوّالاً عميقاً وخصوبة معرفية وثقافية واسعة، ولولا استغراقه في العمل السياسي والحزبي اليومي، لكنّا كسبنا مفكّراً أو أديباً، أضاف إلى المكتبة العربية بشكل عام والماركسية بشكل خاص رفوفاً من الكتب الرصينة” يلمس قارئ الكتاب انحياز الكاتب الشخصي والعاطفي نحو عامر عبدالله، صراحة مرّة وضمناً مرّات عديدة، وذلك من خلال تأييد بعض مواقفه وتبنيها أو من خلال معارضة آراء معارضيه، لكنه يقدّم ذلك كوجهة نظر، خارج نطاق التجريح والسبّ الذي اتبعه بعضهم ضد عامر عبد الله أو الكاتب بعد صدور الكتاب، وذلك مما قرأت واطلعت عليه.لقد عرفت من الكتاب ومن تفاصيل الحركة الشيوعية العراقية أن هناك الكثير من الكراهية والحقد ضد عامر عبد الله، وإن بعض أعضاء القيادة لا يغفرون لأي شخص يتناول عامر عبد الله موضوعياً، حتى وإن انتقده، لكنه لا ينبغي الاتيان على ذكر حسناته ومواقفه، خصوصاً موقفه من الحرب العراقية – الإيرانية وتجربة النضال العسكري في جبال كردستان شمال العراق والاصطدام بالجيش العراقي وانتقاداته في المذكرات التي نشرها د.شعبان في الكتاب لأساليب العمل البيروقراطية واللاشرعية، وهناك أوصاف كثيرة ذكرها عامر عبد الله بحق رفاقه، مثلما هم يردّون بذكر اتهامات ضده. على الرغم من أن مؤلف الكتاب حاول رسم صورة شخصية لعامر عبد الله في دينامكيته وحيويته كما يذكر، لكنه أثار الكثير من النقد ضد عامر عبد الله، وهو نقد مضمر، مثلما أثار النقد ضده، ربما لأنه كتب عن عامر عبد الله أو لأنهما حسبما يبدو كانا على تقارب في المواقف، وتلك مشكلة النقد في مجتمعاتنا العربية.
ما يهمني ليست الخلافات في الحزب الشيوعي وإن كانت مهمة، وليست إجراءات التنكيل أو محاولة تشويه كل فريق للآخر، بل بعض المواقف السياسية المختلف عليها، وهي بالأساس مشاكل فكرية مثل الحرب العراقية – الإيرانية والقضية الفلسطينية والوحدة العربية وأساليب النضال (العسكري أو المدني) وهل إن قضية الاشتراكية لا تزال مطروحة؟ وربط ذلك بقضايا المجتمع العربي دون الخروج من تاريخ المنطقة وسيكولوجيتها.
الكتاب يعرض أيضاً تجارب المنافي القاسية وتعامل الشيوعيين مع بعضهم ومع الآخر، كما ويتناول صفحات مهمة فيها لمسة إنسانية متميزة وهي الأساس الذي حاول تقديمه لشخصية عامر عبد الله بما لها وما عليها.
يعترف عبد الحسين شعبان أن ما كتبه لا يعتبر مسلمات غير قابلة للنقض أو الإضافة أو الحذف أو التعليق أو التعديل أو التصحيح… فالمسألة لا تمس من يؤيد أو يخالف، ففي الأولى قد تكون محاباة وفي الثانية قد تكون تحاملاً.
لقد وجدت الكتاب مفيداً وهو يحتاج إلى قراءات من أصحاب الشأن المباشر وليس من الشيوعيين المختلفين، بل من العراقيين الوطنيين، أما الإساءات فهي حجة لمن لا حجة له وليست ضد الآخر. كان على شعبان أن يعود إلى نشوء الحزب الشيوعي ويتناول بعض أخطائه الأولى وكيف استمرت ولماذا لم تعالج؟ ولماذا وصلت أمور الحزب إلى ما هي عليه الآن، خصوصاً موقفه من الاحتلال الأمريكي وذلك بعيداً عن تأدلجه السابق. وشعبان مثل غيره لا ينبغي أن يعفي نفسه مما حصل؟
كلمة أخيرة: الكتاب يعكس وفاءً نادراً وهي خصلة غائبة عن علاقات السياسيين، حيث سادت المصالح والمنافع. ويبقى بهذا مشكوراً سواءً قدّره الشيوعيون أم بعضهم أم انتقده أم سفّه ما جاء فيه، لكنه بكل الأحوال كان الكتاب في وقته إزاء شخصية شيوعية عربية بارزة. وسيبقى اسم عامر عبد الله مثيراً للجدل مثلما هو تاريخ الحركة الشيوعية في المشرق العربي بشكل خاص.






















