شعراء يصنّفون حسب الأمزجة والحالات

الإتجاه النفسي في النقد

شعراء يصنّفون حسب الأمزجة والحالات

حنين علي

بغداد

ليس اهتمام النقد اليوم بالأتجاه النفسي في تحليل الاعمال الادبية وتقييمها امرا جديدا، فلقد كان في الوجود منذ ان وصم أفلاطون الفنان بالجنون، ونادى بأن الشعر يغذي العواطف وانه لذلك ذو اثر ضار اجتماعياً، ومنذ ان رد ارسطو على هذا الرأي بفكرة التطهير الذي يحدثه الفن في النفس البشرية. ولعل أول مبحث في الذاكرة والاحلام وهو كتاب(ارسطو عن النفس)، بل ان فن الشعر في مواضع لم يكن الا تطبيقا لتأملات ارسطو في النفس البشرية على الأدب والفن. ويكفي أن نذكر من آراء ارسطو في سيكولوجية الفن آراءه على الشرخ التراجيدي في شخصية البطل، والصدمة التي تعتريه عندما يتبدل الحال ، أو ان نذكر اراءه في مسألة التذوق الفني عند المتلقي. .عندما حاول تفسير التذوق في الفن على أساس التوحد والتعاطف بين الممثل والمتفرج بالمسرح مثلاً وبين الشاعر والمتلقي المستمع..أي أن ارسطو باختصار شغل بثلاثة أمور ما زالت حتى اليوم تشكل عصب المنهج النفسي في النقد وهي مسألة الخلق الفني، والأسس النفسية التي ينبني عليها العمل ذاته ، والتذوق الفني. ثم جاءت الدفعة الكبيرة لهذا الاتجاه النقدي التي مازالت تعيش بيننا اليوم عندما نشر فرويد عام1900 كتاب تفسير الأحلام ثم كتاب الذات والذات السفلى. .ولقد حدد نقطة الانطلاق الجديدة في المنهج النفسي في النقد فكرة التوتر الدائم بين وجهي الحياة النفسية ، بين الوعي واللاوعي او بين الذات والذات السفلى ، والذات السفلى هي مختزن الرغبات والنزعات والغرائز التي تريد أن تنطلق وتعبر عن نفسها في العالم الخارجي من خلال الحس والإدراك ….والاحتكاك بقوانين التاريخ البشري .ومن هنا كانت مهمة الذات أن تفرض نفوذ العالم الخارجي على الذات السفلى ..وان تكبح جماح شهوتها بحيث تحل فيها مبدأ النفسية،وبعكس التوترات الأساسية، او الانحرافات او الضغوط التي تحدث للطاقة النفسية او حالة التوازن بين طرق الجذب ، فالفنان كان شاعرا او كاتبا او ممثلاً لاشك يدرك الضغوط التي تتعرض لها الذات السفلى من الذات ، ولكنه يفرض على نفسه حالة الاسترخاء إراديا ، وبهذا يسمح للذات ان تخفف من قبضتها على الطاقة المنبعثة من الذات السفلى ، ،وصحيح ان هناك من بين المبدعين والمشهورين على مستوى الشهق ..لجأ الى مثيرات للخلق الشعري او الخلق المسرحي او الخلق الروائي فالفن خلق ، كالخمر والتدخين والمخدرات ، ومن شان هذه ا?شياء ان تضعف حساسية العقل الواعي ، او الرقيب الناقد ، وتحرر نشاط الذات السفلى. نحن لانقول هذا مقتصرين على مبدعي العالم الغربي فقط وليس فناني العرب هم من يرتدوا مسوح الراهب ليكتبوا .. بل ان هناك لكل منهم جوا ساكنا وان كان مكونا من دخان عيدان أفيون ،او شخصية مدنفون بوجودها تتمثل بالحبيبة او الزوجة او صديق مخلص…كل هذه الإثارة تساعدهم على اصطناع حالة الخلق في نفوسهم ، بينما لا يستطيع البعض الا ان يكتب في جو مليء بالضجيج كجو المقاهي مثلاً وهناك من يفضل الكتابة ليلاً وقت التأمل والأحلام وانطلاق اللاشعور، والبعض يفضل الكتابة في الصباح وقت اشراقة الطفولة .وانا اقول ان المبدع الذي يوط ذاته للعزم يستطيع ان يكتب في أي وقت. .لطالما الاتجاه النفسي في النقد قد اهتم بهذه الأمور من اجل محاولة الوصول الى حقيقة الشخصية الفنية المبدعة، وحقيقة عملية الابداع بأنواعه ضمن الشكل والمضمون غالشكل بمنهجية النفسية والمضمون بمستويانه المتعدده ، لهذا اهتم النقد النفسي بدراسة الشخصية دراسة سليمة صادقة نفسياً ، لذلك نجد بعض النقاد يشكون في قيمة مثل هذه الدراسة علمياً ، ويبنون رأيهم على أساس ان النقد لا ينطبق على النظريات النفسية الاجزئيا… فتيار الشعورية لدى اي كاتب او شاعر. ..ليس مهماً ان ييسترخي بنجيع اللا شعورية…وانه ليس مهما ان تدور امكانية عقله خارج نطاق الواقع، ما اردنا التوصل اليه هو ان السبيل الوحيد لكي يكون الفنان واضحا ومفهوما شاعرا كان أم كاتبا وقادرا على نقل التجربة ما هو احتواء شحنة الطاقة النفسية داخل إطار الشكل . فالشكل في حقــــيقته وسيـــلة لمنع شحنة الطاقة من الانطــــلاق بشكلها الخام الغامض المحدد.