سياسة  السيرك في اللعب على الحبال – أحمد جاسم الزبيدي

سياسة  السيرك في اللعب على الحبال – أحمد جاسم الزبيدي

كلما تقدم بي العمر، أكتشف مفارقة غريبة: الزمن يمشي إلى الأمام… وأنا أعود إلى الخلف، ولكن ليس في الحكمة  فقط ، بل في النشاط والحيوية وحب الحياة، وكأنني أتدرّب سرًا لتناول اكسير الحياة  رغم ما مرّ بي من غربة وخيبات أمل، وقلة من الأصدقاء الذين كانوا «أنعم من الحرير»… قبل أن يتبيّن أنهم صنف  جودليات من أكياس بالية !

مدينتي الصغيرة، تلك التي جمعت من مذاهب وأديان وأحزاب، كانت أشبه بحديقة سياسية: الشيوعي بجانب البعثي، والإسلامي بجوار القومي، والجميع يتعايشون… إلى أن تبدأ حفلة التحولات!

فقد رأيت بعيني—ولست بحاجة إلى نظارات—رفيقًا شيوعيًا يتحول إلى بعثي، ثم يغيّر جلده مرة أخرى ليصبح متأسلما متطرفا ، وكأننا أمام تطبيق حديث: «حدّث فكرك بضغطة زر!» وآخر يقفز من حزب إلى حزب كما يقفز لاعب جمباز محترف بين الحبال، دون أن يسقط… أو ربما سقط، لكننا نحن الذين اعتدنا المشهد!

وهنا تذكّرت طرفة رواها لي صديقي الأوزبكي، وهي تستحق أن تُدرّس في كليات العلوم السياسية بدل النظريات المعقّدة.

يُقال إن كوريًا أعجبه كرم جاره المسلم، خصوصًا في مواسم الإفطار والاعياد والولائم وذبائح الخراف، فقرّر—بدافع «روحي غذائي»—أن يعتنق الإسلام وطلب من جاره ان يأخذه إلى امام الجامع  ، فنطق الشهادة، ووضعه الشيخ تحت عباءته وخفق بها ثلاث مرات ، ليخرج بعدها “مسلمًا رسميًا” معتمدًا، وتُقام له الولائم تكريمًا!

لكن صاحبنا الكوري لم يكن غبيًا… فقد اكتشف أن العملية مربحة، فصار يدخل تحت العباءة كل يوم تقريبًا، يخرج مسلمًا جديدًا، ويأكل وليمة جديدة!

إلى أن جاء اليوم الذي تعب فيه من لحم الخروف، واشتاق إلى «موروثه الثقافي»—لحم الكلب.

فماذا فعل؟ أمسك كلبًا، وضعه تحت العباءة، وبدأ يتمتم: “كان خروفًا… فأصبح «كلبًا» !  واعادها عدة مرات ، ثم ذبحه وطبخ اكلته المفضلة  «كوكسي» بكل براءة عقائدية!

وهنا، دعوني أسأل—وأنا أرفع العباءة قليلًا لا أكثر:

كم من «الخراف» تحوّلت إلى «كلاب»، وكم من «الكلاب» أصبحت «خرافًا»، فقط لأنها مرّت من تحت عباءة السياسة أو الدين؟

واقعنا اليوم، خصوصًا في ظل التوترات الأخيرة والحروب التي تُطبخ على نار دولية—إيرانية، أمريكية، أو حتى «محلية الصنع»—أصبح مسرحًا مفتوحًا لهذا النوع من الجمباز.

المواقف تتبدّل أسرع من تبدّل إشارات المرور، والمبادئ تُلبس وتُخلع كما تُلبس المعاطف في الشتاء، والعباءة… ما زالت تؤدي دورها التاريخي في «إعادة التأهيل الفوري»!

باختصار، لم نعد بحاجة إلى دراسة الأيديــــــــولوجيات بل يكفي أن نتقن فن لعبة الجمباز ، ونحفظ طريقنا إلى أقرب عباءة!