ست إطروحات حول حقوق الإنسان
محمد قاسم الياسري
ما زال المفكر والباحث والناشط والقانوني الكبير الأستاذ عبد الحسين شعبان يتحف المكتبة العربية بالذخائر الحية، وهو يتراوح بين الفكر الماركسي والمتجدد دوماً على يديه بين الفكر الليبرالي الحديث، مستدمجاً معه كل العقبات الثقافية التي يجدها هامة لأنظاج منظومة متشابكة من العلاقات التي تؤكد تحذير الإيطالي جيما تيستافيكو 1668 ــ 1744 من أن التاريخ البشري يصنعه البشر .
ومن خلال السيرة الذاتية للدكتور عبد الحسين شعبان وكذلك بتوسطية كتاباته ومؤلفاته التي ربت على الستين كتاباً من مختلف العلوم الإنسانية، فهمنا إن المثقف لا يريد مجتمعاً يتعامل مع كل شيء بلغة المصالح والأهداف التجارية المربحة، بما فيها السياسة والماضي، وإنما يثمن المثقف قدرة البقاء على قيد الحياة والدعم كل أسباب هذا البقاء بشرف وكرامة وسط فوضى عارمة داخلية وخارجية، عاش منها المناضل عبد الحسين شعبان منذ بداية حياته الفكرية وابتلى بها جيله والأجيال التي لحقته أو التي ستلحقه. هل يمكن العمل بنصيحة الفرنسي ستندال ، تدشين الدخول إلى المجتمع بمبارزة؟ .
هذا ما فعله الرومانسي الطيب والمثقف المهموم عبد الحسين شعبان عندما نزل إلى ساحة النزال لأول مرة وفي رأسه موضوعة رئيسة مفادها إن تحرر العالم من الأوهام معناه أن تدخل رأساً لجيّة الحداثة. وتحصيل الحداثة لا يأتي إلا من خلال التمفصل مع احداث اطروحات الميديا واشتراطات الفكر الصاحي، وأول صدمات الحداثة عندما أطلع على أحدث مؤشرات التنمية البشرية الخاصة بالأمم المتحدة، والذي جمع بين اجراءات مثل الإلمام والقراءة والكتابة والتحصيل العلمي وطول العمر، والمتعة المستفادة من الدخل الوطني، أظهر بوضوح مدى اتساع الهوّة بين التجربة الحياتية لمن يعيشون في دول تقع على قمة هذا المقياس مثل هكذا وتلك التابعة في اسفله مثل غينيا وأغلب الدول العربية في كتابية المتبحرين المجتمع المدني سيرة وسيرورة و الشعب يريد… تأملات فكرية في الربيع العربي اللذان صدرا حديثاً أن يثبت صحة فرضيات عدة كان قد أطلقها في بعض مؤلفاته السابقة وقد نجح في ذلك من خلال استبصار نافذ وقراءة معمقة لمجريات الأحداث والوقائع التي توصف على الساحتين العربية والعالمية، وقد استعمل اللغة ذاتها التي تتميز بالثقل الأنطولوجي، لغته التي تشكل بصمته وعلامته المائزة بأسلوب رشيق يتوجه نحو القارئ المتخصص والقارئ متوسط الثقافة سواء بسواء، ويفتيهما على قدر استيعابهما لطروحاته الثرة، المتشعبة، فالأسلوب هو الإنسان ــ على حد اعتقاد المؤرخ الفرنسي بودون لكن بعض البلاغيين يعتبر الأسلوب تأويلاً شخصياً للغة في حين يرى جاك دريدا إن الأسلوب ليس نشر العالم إنما هو نقش الخصوصية في الكتابة .
لقد طور شعبان منذ بداياته الأول أسلوباً يعتمد على بلاغة المقاومة، فحيثما تكون السلطة ثمة مقاومة هذه الصيغة الفوكوية نسبة إلى الفرنسي ميشيل فوكو هي التي معظم كتابات اليسار العالمي، يسار ما بعد الكولونيالية وما بعد الأتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية المنهارة.
والأسلوب الواثق من نفسه، والمعتد بنقشه وإمضائه، وهو الواثق من معرفته، والمتمكن من أدوات هذه المعرفة. فإن تعرف شيئاً معناه أن تمتلك السلطة عليه، والعكس صحيح، أن تمتلك السلطة يعني أن تكون قادراً على معرفة العالم وفق شروطه، والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان يعرف جيداً أن سلطة الثقافة ليست أقل من سلطة الدولة، لأن الضمير الوطني المثابر، الذي نجا بجسده من كل الإذلالات الفاشية، وحارب بقوة ضد حماقات طوطمية جمة هو المؤهل للتعدي لأقوى المسأليات والمشكليات التي تعصف في عالمنا العربي، وهذا ما تصدى له في كتابيه آنفي الذكر، وما وظفه فيهما تخريجات وأفكار وحلول وبدائل ومسلمات جمة، ولا يوجد لدينا ما نضيفه، لكننا اقترحنا ست اطروحات حول حقوق الإنسان في العراق الراهن عسى أن تلفت نظرة الكريم ويختصها بإنماءات فكرية ونقد ــ ثقافية، ربما ستكون محور كتاب قادم سيتحفنا به، هذا ما نتمناه منه وعيه. وسنجدول الاطروحات على الشكل الآتي
ـ تعريف اجرائي ورهان أنطولوجي
يتفق معظم الليبرالين العرب على مفهوم حقوق الانسان كونهم يلتقون بأختلاف مشاربهم وروافدهم على أنه حزمة من الحقوق المتكاملة، وهي مطلوبة وضرورية ولا غنى عنها في عملية التحديث، وفي الدفاع عن الحريات والتعددية السياسية والثقافية ودولة الحق والقانون.
وحقوق الإنسان في أبسط التعريف لها هي المواطنين، كل المواطنين في التعليم والعمل والسكن والعلاج الطبي. وضرورة وضع خطة جادة على المستوى الوطني للقضاء على الفقر، ورفع الحد الأدنى للأجور وربطها بالسوق من خلال المراقبة العارمة لأسعار السلع والخدمات ومحاربة البطالة والخلق المستمر لفرص عمل جديدة، ومواجهة التدهور في خدمات التعليم والصحة ومشاكل السكن في المدن والأرياف والاهتمام بتوفير المياه الصحية ومياه ري المزروعات والمواشي، ورفض خصخصة الخدمات العامة كالكهرباء والماء والمجاري وبيع المصارف الوطنية وشركات النقل الجوي وسكك الحديد، وبيع القطاع النفطي من حفر واستخراج وتصفية المنتوجات النفطية.
ثم العمل على الحد من تضخم الفوارق بين الطبقات وإعادة توزيع الدخل القومي لصالح الطبقة الفقيرة، وتنشيط دور الدولة كفاعل رئيسي في تحقيق مثل هذه العدالة الاجتماعية، فالعدل الاجتماعي هو أساس لأي تقدم ورفاهية وتنمية، وبالتالي أساس لأي استقلال وطني. ولا يأتي العدل الاجتماعي كمنة أو كعطف من فوق إلى طبقات الدنيا المحرومة، بل انطلاقاً من حق القوى الشعبية المنتجة في قطف ثمار ما تنتجه من خيرات، وحقها في التوزيع العادل للثروة، وحقها في تكافؤ الفرص كأساس للمساواة وحقها في السكن اللائق في العمل وفي التعليم والتدريب والتأهيل، وفي العلاج وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ومن واجبات النخب السياسية التي تصل إلى سادة الحكم عن طريق صناديق الاقتراع الوقوف ضد كل محاولات لرده التي تقوم بها قوى الردة بمساندة الأجندات الأجنبية الطامعة والمفرضة لأجل كدس المكتسبات الاجتماعية التي تحققت على مدى أجيال من النضالات وكفاح العمال والفقراء ومتوسطي الدخل والفلاحين وحتى مكتسبات الطبقة الوسطى العراقية، طبقة موظفي القطاع العام من سكنة المدن.
والتأكيد على استقلال الحركة العمالية وتحريرها من كل القيود الإدارية والأهلية والحزبية والطائفية والمليشاوية والتضييقية، لأن تنامي تلك الحركة وتطورها وتزايد وعيها الطبقي هو مفتاح أساس لعملية التغيير الاجتماعي والتاريخي في العراق.
ثم هناك تأكيد مبدأ أولوية المواطنة، وحق المواطنة للجميع، بعيداً عن التمييزات الطائفية والعرفية والقومية، فالوطن للجميع، والتدين هو قبل كل شيء هم فردي يربط بين المتدين وخالقه مندرجاً في باب وحدي مع الله وحده دون إكراه أو ازدراء أو تميز من أحد ضد أحد أو فئة ضد أخرى.
هناك الدفاع عن حرية الثقافة والابداع الفني والأدبي، ورفع القيود المفروضة على قطاعات السينما والمسرح والموسيقى والنوادي الثقافية والاجتماعية وكل من شأنه أن يقف بوجه الإيديولوجيات الغيبية والخرافية التي تشوه الوعي الجماهيري وتسطح التفكير وتبلد الأحاسيس وتحبط الآمال وتعمم غسقاً قيماياً ليست له نهاية.
لنصل إلى الخطاب الأهم تشبيع كل ما هو عراقي من الإنتاج الصناعي والزراعي، وحتى الأغنية العراقية، والاحتفال بالأنتصارات العراقية التي تحقق خارجياً على المستوى الفكري أو الرياضي، وزرع بذرة حب الوطن وشعبهوأفهام الجميع على إن الشعبي قوي وعظيم، ومحاربة كل احباط وتسفيه وتسخيف للشأن المحلي، لأن العراق ارض ميزوبوتاميا هو المبتدى وهو المنتهى، هذا ما قالته كل المدونات التاريخية والإسطورية القديمة، وما تقوله الآن كتابات الراهن العاصف بالأزمات والأمن، والعراقي أياً كان هو مركز شرف العالم وكرامته، ولولا العراق لما كان هناك عالم قديم وعالم جديد وتبلبل الألسن بدأ في بابل وإذا أردت أن تسحق على شرف العالم فيجب أن تسحق على أرض بابل هذا ما قاله كورش الأخميني في العام الأسود 535 ق. م .
إذن لا يمكن أن يوجد عالم بدون العراق، ومن الممكن وجود عراق من دون العالم.
ينبغي إفهام الأجيال الحالية واللاحقة إن وطنهم هو الوطن المفضل لسكن الألهة والأنبياء والرسل والأئمة والحكماء وكل العظماء والبواسل الذين بنوا العالم وأعطوه تصوره والمعمول به راهناً، فالعالم ما هو إلا إرادة وفكرة صاغها العراقيون أولاً وإلى الأبد. والعراق ليس جغرافياً سياسة فقط، وليس تأريخاً محفوراً في أدمغة العراقيين وفي جيناتهم، إنه صرح حضاري صنعه القدر العراقي، وما القدر العراقي إلا سماء تظلل في رموزيتها كل سطوح القهر والذل والتبعية والامتثال التي سننتها حتى وإن طال الزمن. فالرجل العراقي حصراً والمرأة العراقية، والذي يجمعهما سيولد انبجاسات عراقية أصيلة لا يمكن أن يغفلها الحاقدون والمتآمرون وشياطين المحنة وجيران السوء.
ـ التنمية وحقوق الإنسان
هناك ربط وثيق بين حقوق الإنسان والتنمية، وإن العلاقة بينهما تفاعلية، فالتحسن النسبي في استمتاع المواطن بحقوقه هو جزء من عملية التنمية البشرية التي تعد شرطاً ضرورياً لزيادة قدرة هذا الفرد على المشاركة في تحمل إعباء التنمية، وكلما ارتفعت معدلات التنمية ومؤشراتها المختلفة صاحب هذا الارتفاع بالضرورة تحسن في حقوق الإنسان وغياب التنمية يؤثر سلباً على حقوق الإنسان وانتهاكات حقوق الإنسان تؤثر سلباً على التنمية، ولا نفضل إن هناك متغير هام جداً يعتور هذه العلاقة، إن متغير الفساد لذلك غدا من الضرورة مكافحة الفساد بل من المفيد قطعاً اعتبار مكافحة الفساد أولوية كبرى من برامج الإصلاح التشريعي والإداري والسياسي.
وذلك سبب الارتباط الوثيق بين مكافحة الفساد وحماية حقوق الإنسان والمجتمع معاً في التنمية، بما يتضمن ذلك من أهمية إعلاء وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وقواعد تعارض المصالح بالنسبة لمن توكل إليهم مسؤوليات واختصاصات حكومية وسياسية.
لذلك نجد إن الخطاب الحقوقي العالمي يحاول دمج مفهومي التنمية وحقوق الإنسان أو ترسيخ مفهوم التنمية القائمة على منهج حقوق الإنسان وهو مفهوم حديث نسبياً لم يتحقق له بعد الاستقرار أو استيعاب التام من قبل الجهات التنموية كافة أو مؤسسات المجتمع المدني أو الجهات الممولة أو منظمات ألأمم المتحدة، فضلا على أن المفهوم في حد ذاته لا يخلو من صعاب وتعقيد.
جاء الإعلان العالمي للحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان في العام 1986 على الرغم من تحفظ بعد الدول الرأسمالية يؤكد إنه حق من حقوق الإنسان وليس مجرد التماس أو طلب من الافراد يجوز للحكومات أن تستجيب له أو ترفضه وإن الإنسان يشكل الموضوع الرئيسي ومحور عملية التنمية وإنه يجمع بين المشاركة فيها والاستفادة منها أي إن الوسيلة والغاية لعملية التنمية برمتها، غير إن الواقع لم يشهد تحقق انجاز كبير يذكر في أعمال الحق في التنمية على مرتكزات حقوق الإنسان حتى بداية التسعينيات من القرن المنعدم حين انعقد عدد من المؤتمرات والقمم الدولية سعت جميعها للتأكيد على الحق في التنمية على اعتبارها حقاً من حقوق الإنسان غير قابل للانتقاص بالنسبة للأفراد والجماعات، وما رافق ذلك من ظهور مفاهيم جديدة مثل التنمية البشرية والتنمية المستدامة، وتطور العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان وأبعادها المعروفة.
ــ أزمة النظم
الليبرالية الوليدة
تصنف حقوق الإنسان بالنظر لطبيعتها إلى حقوق فردية وهي مجموعة الحقوق والحريات المرتبطة بالوجود الإنساني للفرد في ذاته واللازمة للحفاظ على حياته وصون كرامته كإنسان، فضلاً عن تمكينه من مباشرة حياته الخاصة، وكذلك ضمان مشاركته في الحياة العامة لمجتمعه، وهي الحقوق والحريات التي تعرف بالحقوق المدنية والسياسية ، وحقوق جماعية وهي مجموعة الحقوق والحريات التي يشار إليها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وحقوق مختلطة وهي مجموعة الحقوق التي تجمع بين وصفي الحقوق الفردية والحقوق الجماعية والتي يشار إليه بحقوق الجيل الثالث لحقوق الإنسان كالحق في التنمية والحق في بيئة نظيفة، والحق في الأمن والسلام .
إن التمتع بالحقوق السياسية والمدنية يقود بالنتيجة إلى التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعكس أيضاً صحيح، هذا الطرح سيجرنا إلى جملة أسئلة فرضها الراهن العراقي منها
هل الحق في التصويت أو التعبير عن الرأي أو التظاهر السلمي أو تكوين الجمعيات وإصدار الصحف والمجلات والمنشورات الأخرى أهم من الحق الحياة الكريمة والتعليم وفرص العمل؟ وكيف يستفيد الإنسان من حقوقه السياسية والمدنية وهو لا يجد قوت يومي، ويجهل كيفية ممارستها لأنه لم يتلقى التعليم والتأهيل اللازمين لذلك؟
وهنا تبرز أزمة النظم اللبرالية الوليدة، والتي سارعت في التفضل عن الاشتراكية وإنجازاتها وهرولة في أخذها بالمناهج الليبرالية لدرجة أفقدتها الإحساس بالمواطن البسيط واحتياجاته الأكثر بساطة في قوت يومي وممارسة الحياة كالإنسان ليس إلا بدعوة إطلاق الحريات وعدم المساس بها.
وهنا يبرز الفارق الكبير بين الحرية والفوضى، فالحرية لا تعني غياب القواعد والأطر الحاكمة لحركة الفرد والمجتمع، ولا تعني تحلل الدول مسؤولياتها وواجباتها بدعوة إطلاق الحريات وتعميم الديمقراطية، فأية دولة يجب أن يكون لديها رؤية لمستقبل أبناءها، وهي مسؤولة عن توفير الحياة الكريمة بكل ما تضمنه من رعاية صحية وتعليم وتوفير فرص عمل مناسبة لقدرات مواطنيها وكفاءاتهم، والنظام السلطوي الذي يفشل في تأمين حاضر مواطنيه ومستقبلهم لا يستحق الاستمرار مهما كانت دعاوي الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يطلقها ويحرص على التطييل لها، فالديمقراطية من هذا المنظور رفاهية لا يحتاجها الجائع العاري المريض والمعطوب.
ــ ثقافة القابلية لانتهاك حقوق الإنسان
يمكن القول إن الدولة العراقية منذ تأسيسها ولحد الآن هي أقرب إلى دولة الجباية الريعية وفرض الواجبات على مواطنيها دون إقرار حقهم وحرياتهم، فالدولة العراقية المختصرة في شخوص حكامها، مازالت بمنأى عن دولة الحق والعدل، إنها دولة جابية متعسفة، دولة تبحث عن الغنائم وأثقال كاهل مواطنيها بالتكاليف والمغارم بدلاً عن منحهم حقوقهم وحريتهم، وبالمقابل ترى أن المواطن العراقي قد تمثل ثقافة القابلية لانتهاك حقوقه وحرياته، ويبدو إنه وصل إلى مرحلة الزهد في الحصول على هذه الحقوق والحريات، حيث استسلم لأجراءات القمع والعسف والانتهاك وعدها قدراً ميتافيزيقياً لابد من تحمله، لقد جاء هذا التخاذل الجمعوي والاستسلام المخزي إلى خلط بين مفهومي الابتلاء والقضاء والقدر من ناحية، وبين تقصير البشر والحكومات المتعاقبة من ناحية أخرى، بمعنى عدم التفريق بين ابتلاء السماء وتقصير الأرض تقصير الحكام ، وتكون المحصلة النهائية معاناة مستمرة، وانتهاك لحقوق الحريات تحت دعوة الابتلاء، ومن ثم ينجوا الحكام من المحاسبة والمسائلة بالرغم من دورهم المباشر في كل الانتهاكات.
ثم هناك استشراء ثقافة التعايش مع الواقع رغم سوءه، حيث يتم السكوت على ارتكابات الراهن بالرغم من قسوته، وكذا الهروب من تغيير الواقع السيئ الذي ينتهك الحقوق والحريات باتجاه التفكير في الماضي الأسوأ الذي عاش منه العراقيون أيام حكم صدام حسين، وما قبله عبد السلام عارف، وما قبله حكومات نوري السعيد، وما قبلها الاستعمار العثماني والفترات المظلمة، الخ… .
وتكون المحصلة لهذه الثقافة ذيوع حالة التبلد والاستكانة لدى الأغلبية من العراقيين، بحيث يفتقر الكثير منهم برد الفعل حينما تنتهك حقوقهم وحرياتهم.
فضلاً عن ذلك، هناك وجود تربية اجتماعية ترتكن إلى ثقافة التخويف والتركيز على ثقافة الطاعة العمياء والصبر على الظلم والاستبداد، والنظر إلى الحاكم على أنه بمثابة إن للجميع يتعين طاعته والامتثال لأوامره والخضوع لحكومته درءاً للفتنة وتوقيراً للأبوة السياسية التي تشكل صمام الأمان للوحدة الوطنية، لاسيما وإن المجتمع العراقي هو خليط من قوميات وأعراف وطوائف عدة لا يمكن جمعها تحت راية واحدة وقائد واحد وحكومة واحدة إلا بتنازل الجميع لمستبد واحد، ويقبض على كل السلطات بيد قوية قاهرة بعيداً عن فكرة العقد أو التقاعد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.
على الرغم من الحضور التاريخي للهوية العراقية العامة المشتركة، إلا أن التاريخ العراقي يومي إلى أن ثمة غياباً تاريخيا وانطلوجياً لمفهوم الدولة العادلة، التي تقر الحقوق وتحمي الحريات، خاصة في التاريخ الوسيط والمعاصر، في مقابل حضور الدولة الريعية الجابية، فارضته الواجبات والعباء المتزايدة على مواطنيها، مبددة للثروات النفطية والمعدنية في حروب داخلية وخارجية مزمنة.
إن الدولة العراقية هي أقرب إلى دولة انتهاك الحقوق والحريات، دولة تختزل في شخوص حكامها دولة ضعيفة، مذعورة تجاه الأغيار والغزاة ومستأسرة وقمعية ومستبدة تجاه الداخل وتجاه موانيها، ولذا يبدو إن المواطن العراقي لا يعول كثيراً على دولته، ولا يراها مقره للحقوق والمحزن إمه فقد الإحساس بالألم. لقد تكيف مع العيش في ظل دولة منتفعة لحقوقه ومنتهكة لحرياته، لذلك تراه يلجأ إلى نشدان الخلاص على يد مخلص منتظر، أو الموت لإدراك عالم آخر يجد فيه السعادة والشبع والأمان، هو بالتأكيد غير هذا العالم القاسي.
لهذا نجد إن من أهم تجليات الاستبداد ذيوع ثقافة الخوف السياسي والنفسي وانتشار ثقافة التخفي السياسي التقية السياسية وما تستبطنه من بلاغات واستعارات كابوسيته مرعبة نجدها بارزة في أغلب نتاجات المبدعين العراقيين.
النخبوية وحقوق الإنسان
إن النخبوية في مؤسسات حقوق الإنسان العراقية والتي تقتصر على بعض مؤسسات المجتمع المدني، فضلاً عن أجنحة وزارة حقوق الإنسان، قد انعكست على فعالية تلك المؤسسات وقدرتها التمثيلية لكافة فئات وشرائح المجتمع العراقي، ومن ثم طال هذا الانعكاس شرعيتها ووجودها في العقل الجمعوي الوطني، ويمكننا مراجعة عدد أعضاء هذه المؤسسات لندرك الفجوة بينها وبين المجتمع العراقي، وتغدو تقاريرها وبياناتها واستبياناتها وحواراتها مجرد حوارات صالونات غالباً ما تذهب نتائجها سدى وبالرغم من وجود قنوات تتيح لتلك المجالس قدرات هائلة على التأثير إيجابياً على مسار حقوق الإنسان إلا أن نخبويتها تصنف من فاعليتها وشرعيتها لدى المجتمع.
ليس معنى ذلك أن وجود هذه المؤسسات الوطنية بما تطوره من منظومات وآليات غير هام لعملية النحو الديمقراطي التي ابتدأت بالعراق، فتلك المؤسسات تقود عملية تعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مفعم بالحراك السياسي والاتصالي، ومن المهم أن تدرك تلك المؤسسات أنها جزء من هذه المعلية الحراكية، فيجب أن تتكيف مع القوى الاجتماعية المختلفة، ولا تقتصر على الاعتماد النخبة المثقفة التقليدية، لأن هناك قوى جديدة آخذة بالظهور تستغل هامش الحرية المتاح على شبكة الإنترنت لدفاع عن حقوق الإنسان ولتعبئة الجماهير، وإذا استطاعت المؤسسات الوطنية التواصل مع تلك لقوى الجديدة، فسيقضي هذا مزيداً من الديناميكية على منظورها وستتحول إلى أحدى آليات استبدال ودعم الديمقراطية وبدلاً من أن تظل في هامش المناورة الضيق، مما قد ينذر بتدهورها وعدم فاعليتها في التحول الديمقراطي الذي لا رجوع عنه لأنه صار خياراً مصيرياً دفع في سبيل تحقيق الغالي والنفيس.
ــ حقوق الإنسان ونظم التقييم المهني
الدعوة إلى إدراج ثقافة حقوق الإنسان في المناهج التربوية والتعليمية، وفي كل المراحل الدراسية المتوسطة والإعدادية والمعاهد التقنية والكليات كافة وحتى في مناهج الدراسات العلي، ونؤكد دعوتنا في إدراج ثقافة حقوق الإنسان في مناهج طلبة كليات الشرطة والكليات العسكرية وتكثيفها ضمن برامج التدريب الخاصة بالضباط، والعمل على ادراج معايير احترام حقوق الإنسان ضمن نظم التقييم المهني الدوري المتعارف عليها لرجال الشرطة والجيش والأمن الوطني.
كاتب وناقد عراقي
/4/2012 Issue 4187 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4187 التاريخ 30»4»2012
AZP07






















