سارتر وحماقة السياسة الأمريكية

سارتر وحماقة السياسة الأمريكية

 

معتصم السنوي

 

بغداد

 

وجهت جامعة كورنيل الأمريكية الدعوة (لجان بول سارتر)، في عام 1955، لإلقاء بعض محاضراته بها. وقبل سارتر الدعوة في أول الأمر ولكنه، بعد ذلك، رفض الدعوة، وفي عدد أول نوفمير عام 1965 نشرت مجلة نوفيل أوبزفارتر الفرنسية حديثاً مع سارتر بعنوان لماذا أرفض الذهاب إلى الولايات المتحدة؟. قال سارتر: أن جامعة (كورنيل) قد وجهت إليّ الدعوة منذ عام، أنها من أعرق الجامعات في الولايات المتحدة وأكثرها جدّية ولو أنني لبيت الدعوة لكنت قد التقيت هناك بأصدقاء كثيرين، فإن أساتذة جامعة (كورنيل) هم الذين بعثوا برسالة مفتوحة إلى الرئيس (جونسون) يستنكرون فيها سياسته في (فيتنام).

 

 ثم نظموا بعد ذلك مظاهرة أحتجاج ضد الحرب الفيتنامية. لقد قبلت الدعوة، في بادئ الأمر، بسبب هذه الخصائص التي تتوافر في هذه الجامعة، وكذلك لأنني لاحظت أن (ثمة أقلية من العقلاء بدأت تظهر في الولايات المتحدة لتشترك إلى جانب الملونين، في النضال ضد التفرقة العنصرية) وصحيح أنني قبلت الدعوة في وقت كانت الولايات المتحدة تخوض فيه، بالفعل، حرباً في فيتنام ولكن الحرب لم تكن قد أتخذت صورتها الحالية وطابعها المتوحش. أن العدوان على فيتنام الشمالية وصناعاتها أدى إلى تغيير طابع هذه الحرب أنه يمثل قفزة كيفية في سير العمليات العسكرية. ويبرهن على أن نظام المجتمع الأمريكي يقوم على الأستعمار، وقبل ذلك كان الموقف في فيتنام يتخذ طابعاً سياسياً ومعنوياً أيجابياً، أي أن قوات الفيت كونج كانت تقترب من النصر، بينما كان موقف الأمريكيين يزداد حرجاً. وكان من الممكن بالنسبة لرجل مثلي أن يتوجه لزيارة الولايات المتحدة بعد أن تملكني شعور بأن فترة الجذر الأستعماري قد بدأت وبأن (الأمريكيين شرعوا يدركون حمقهم السياسي). ولكن ضرب فيتنام الشمالية بالقنابل أدى إلى تغيير كل شيء وأتضح لي أن الأمريكيين لم يتعلموا شيئاًُ وأنه ليس في الأمكان أن توجد لغة مشتركة بينهم وبيننا. أنهم يقولون لي: لماذا لا تأتي لتجري مناقشات معنا؟ وأنا أقول لهم: لا مجال لمناقشة بيننا إذا لم تقبلوا، أولاً وقبل كل شيء طرح السياسة الأستعمارية، برمتها لتكون موضع نقاش وهذا ما لا يفعله كثيرون في صفوف اليسار الأمريكي نفسه، فالسياسة الأمبريالية الأمريكية (لا توجد في فيتنام وحدها، بل وفي أمريكا الجنوبية وفي كوريا وفي العالم الثالث كله وخاصة المنطقة العربية !! والدعم اللامحدود للكيان الصهيوني في احتلاله للأراضي وعدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني. وأقول لهم أيضاً: أنه لا مجال لهذه المناقشة إذا لم تعترفوا بأنه لا يمكن تغيير هذه السياسة الأمبرالية إلا عن طريق (أحداث أنقلاب كامل في تركيب وبناء المجتمع الأمريكي) لقد أصبح من المستحيل اليوم أن يتمكن (المثقف الأوربي – الذي يتضامن مع العالم الثالث – من طلب تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة). وإذا حدث واستطاع المرء الذهاب إلى الولايات المتحدة فأن العالم الثالث سوف يندد بهذا الزائر. مهما قال هناك في أمريكا من تصريحات، لأن المرء (لا يذهب إلى عدو). أن رد الفعل – لدى أصدقائي الكوبيين – بالنسبة لمسألة زيارتي للولايات المتحدة له مغزاه ودلالته. فقد قالوا لي منذ بضعة شهور: أذهب إلى الولايات المتحدة وتحدث عن كوبا. وعندما ضربت الولايات المتحدة، بقنابلها، فيتنام الشمالية أصبح الكوبيين يقولون لي ترى ما الذي ستفعله بذهابك هناك؟. ومن جانبنا. من الخطأ أن تعتبر أمريكا مركزاً للعالم. أنها ليست كذلك بأي حال. لابد أن نوجه أنظارنا إلى العالم الثالث ونتضامن مع جميع الفيتناميين والكوبيين والأفريقيين وكافة أصدقاء هذا العالم الثالث. أن جان بول سارتر. بتبنى شعارات الحرية والأخاء والمساواة بعد أن تخلت عنها البورجوازية. فهذه الطبقة التي كانت في مرحلة صعودها الثوري، تشق طريق التقدم الاجتماعي قد ألقت رايات الحرية والديمقراطية في الوحل. وقد التقط جان بول سارتر الرايات واستكمل التراث المجيد للثقافة الحرة الديمقراطية في بلاده أنه واصل الدور الذي سبقه إليه ديدرو وفولتير وروسو. وفي مرحلة عصيبة من تاريخ العالم عندما تتلفت الإنسانية بحثاً عن أبنائها المخلصين فأن سارتر يتقدم الصفوف وقد حمل على كاهله مأساة الشعوب المضطهدة وأبطاله الذين يلعبون هناك دور أداة الحقد ويصبحون هنا أداة التاريخ. ثم يدركون بالوعي حركة هذا التاريخ وعندما يوجه سارتر النقد فأنه لا يجامل ولا يرحم أنه النقد الذي ينبع من الحب والحقد الحب للبشر الذين يناضلون في سبيل الحرية والحقد على أعداء الإنسانية.