رواية سلالم الصحو.. إسقاطات الواقع وتداعياته
رسم دقيق للشخصية المحورية
لسارد جابر محمد جابر رسم لنا في روايته أبعاد شخصية البطل خالد بدقة , ماذا كان يشعر ؟ وماهي الأحاسيس التي كانت تعتريه؟ وعكس لنا أبعاداً قصية لاختلاجات الذات البشرية .. الهاجس الذي يؤرّقه بأنه سوف يموت لامحالة , ليدع لنا المجال في تخيل هذا الشخص البطل خالد وما يعانيه من يده اليسرى التي بدأت تتعطل في طريقها للتوقف , أدخلنا السارد إلى أعماق اللاوعي ، فلقد كان الحوار الداخلي يعكس لنا صراع الإنسان المتنصر في إعماق اللاوعي المرتبطة بخيوط عرفانية في مسيرته الحياتية ، فالسردية الوصفية ترسم لنا اللوحة الصورية للبطل خالد بالهاجس الذي يراوده وإخفاء السر عن زوجته .
” لم يشأ أن يخير أحداً من أفراد أسرته , عن الهاجس الذي يؤرقه .. وأسقط النوم من حساباته ، فكر في كل شيء , أراد أن يتدبر أمره .. فيما لو حصل له ما يتوقعه فعلاً..! ” ص9
يقول الشاعر الفرنسي رامبو ( أخيراً وجدتْ فوضى روحي شيئاً مقدساً )
خالد يوبخ يده اليسرى ويتكلم معها ويضربها إذا ما مسكت ورقة أو قامت بأي عمل آخر , ينعتها بأنها شبه عاطلة هذه دلالات بان خالد سوف يصاب بجلطة دماغية أو أزمة قلبية ، لكنه لن يتخلى عن كتابة روايته فالبطل خالد يعيش صراعات أبطال روايته .
” صفع يده اليسرى مرة أخرى , لأنها تدخلت بفعل لا إرادي في التقاط ورقة سقطت من على المنضدة، مهدداً إياها بعقوبة أشد قسوة إن حاولت مرة أخرى التدخل في شؤونه الخاصة ..” ص19
تعرض السيد خالد إلى أزمة قلبية , ونقل في سيارة الإسعاف , تواجد أبناء المنطقة في المشفى لأنه طيب القلب يساعد المحتاج ويزور المرضى , أنتقل السارد إلى شخصية العم صبحي الذي هو رجل أرمل في الخامسة والخمسين من العمر الذي توطدت علاقة خالد بصبحي من خلال متابعة صدور مجموعته القصصية الثالثة حيث كان صبحي محباً للأدب يحفظ الكثير من الشعر العربي القديم والحديث .. بعدها يسترجع السارد فلاش باك علاقة صبحي بابنة الجيران ( بديعة ) يوم كان طالباً في الصف الخامس الأدبي ومغامراته العاطفية بالنيل من بديعة وإقامة علاقة معها ضبط فخري شقيق بديعة أخته مع صبحي وحدث شجار رقد على اثرها صبحي في المشفى لأقل من شهر وسجن فخري أكثر من شهر , حسم النزاع عشائرياً بمنح بديعة زوجة لصبحي مقابل تنازل صبحي عن كافة حقوقه القانونية وإبطال الدعوة ضد فخري على إثرها ترك فخري البيت مغادراً المدينة .
“إنَّ أهم ما يتصل بالتقنيات السردية في الرواية المعاصرة تلك التي تنجم عما يسميه جيرارجينيت باللواحق ، كالارتداد والاسترجاع والاستذكار ، فهذه اللواحق في حقيقة الأمر تسهم في طي المسافات واختصار الأزمنة وفك الفجوات الناجمة عن عمل الكاتب وفي نفس الوقت تسهم في دفع السأم والملل عن القارئ وتكسب العمل الروائي حيوية وتجدد “. *1
كان لرقود خالد في المشفى فرصة لتزاور الأصدقاء وعوائلهم والسؤال عن صحته واستقبالهم من قبل السيدة نجوى له أثر كبير في حسابات خالد ..وكذلك الحديث عن دكتور محمد وعائلته شقيق خالد وإنها فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها بعد ان اصيبتْ علاقتهم بالبرود بسبب الميراث الذي تركته والدتهم .ثم العودة إلى السيد خالد في المشفى حينما يفيق من غيبوبته ، وتطرق السارد جابر محمد جابر إلى الفصْليّة والعادات العشائرية والثأر وهذه الأمور التي يعج بها المجتمع القبلي ، وهي كانت المتن الحكائي لمجموع الأحداث المتصلة فيما بينها والتي تكون مادة أولية للحكاية ..
هذه الفقرات بالحكي صعوداً واسترجاعاً جسدت عنونة الرواية سلالم الصحو .
سلالم صحو الضمير أو صحو العلاقات الكاذبة والخيانة وتداخل شخصية الراوي مع شخصية أبطاله ليعيش سلوكهم وتصرفاتهم ويخاطبهم ويتشاجر معهم .
” أنا صعلوك صحيح .. وقبيح لكنني أملك نصف ذاكرتك واحتفظ بأسرارك , ولأنني مفلس .. جئت لأعيد لك نصف ذاكرتك مقابل ثمن ..؟! ” ص110
” الحوار الروائي يؤدي عدة وظائف لكن وظيفته الأساسية تتمثل في الكشف عن خصائص الشخصية وطبيعتها ومستواها وتوصل الروائيون إلى لغة في الحوار قريبة من العامية تتمتع بشكل فصيح سميت باللغة الثالثة ونجد مثلاً عليها في روايات نجيب محفوظ , لكن روائيين آخرين مالوا نحو استخدام اللهجة العامية في الحوار بين الشخصيات التي لم تنل حظاً من التعليم : فلاح ، عامل .. الخ لزيادة الايهام بالواقعية ولتصوير البيئة والمناخ الذي تتحرك فيه الشخصيات ، التذكر والتداعي وتيار الوعي ياتي ممزوجاً مع تقنيات سردية عدة ” *2
” لا , دكتور ماكو شي بس ابني سلمان وجعان كلش .. وكلت بلكي الكه عدكم باراسيتول لان الصيدليات كلها معزله وخطية ديون من راسه , سودة علية .. ” ص33
تخلل السرد مقاطع من الكلام الشعبي ( لغة عامية )، لكن لو كان للسارد أن يبدل كلمة (براسيتول), بحبة وجع راس كانت أفضل لأن كلمة براسيتول ثقيلة بالنسبة للجارة أم عدنان المرأة البسيطة ..
” ان الرواية لا تكون مميزة فقط بمادتها ، ولكن أيضاً بواسطة هذه الخاصية الاساسية المتمثلة في أن يكون لها شكل ما ، بمعنى أن تكون لها بداية ووسط ونهاية ، والشكل هنا له معنى ، الطريقة التي تقدم بها القصة المحكية في الرواية ، إنه مجموع ما يختاره الراوي من وسائل وحيل لكي يقدم القصة للمروي له .” *3
كانت رواية سلالم الصحو نموذجاً يستحق القراءة لما حملته من معانٍ إنسانية تجسد الحياة الصعبة والتي تسحب القارئ ليكون جزءاً من النص ..
السارد كان ينقل لنا صراع البطل الروائي الذي أنهى الفصول الأربع من روايته ليستريح من عناء التعب من كتابة الأحزان والمعاناة التي مر بها والأحداث العصية التي تطرق اليها لتنتهي بإشراقة الشمس وهو الأمل ..
يذكر أن رواية سلالم الصحو 120 ص من الحجم المتوسط طبعت في دار بعل للطباعة والنشر سوريا 2016
*1ــ د. أحمد علي محمد / تقنية السرد وعناصر السرد .
*2 نفس المصدر .
*3 د. حميد الحمداني / بنية النص السردي من منظور النقد الادبي .
























