في السرد المعاصر لإحسان بن صادق اللواتي
روايات التجاوز العُمانية .. أسماء وإبداعات
فيصل عبد الحسن
الأدب العُماني السردي المعاصر ظل مجهولاً لدى باقي الجمهور العربي لعقود من السنوات، لأسباب موضوعية تتعلق بالجغرافية، والأوضاع السياسية في البلدان العربية، ولأسباب ذاتية، وهو ما يتعلق بالسرد العُماني وتناوله لبيئة غير معروفة وغير مكتشفة من القارىء العربي
وربما كانت هناك أسباب أخرى تتعلق بأنغلاق المجتمع العماني على نفسه، وشعور أدبائه أنهم بعيدون فكرياً وذوقياً عما يدور من محاولات ناجحة وفاشلة في السرد العربي، لذلك بقوا يأخذون دور المراقب لتجارب السرد العربي والمتعلم من تجارب الساردين في مصر ولبنان والعراق وسوريا بعد أن سافر الكثيرون من الأدباء والدارسين للأداب الى هذه الأقطار للتعلم في جامعاتها ومعاهدها والألتقاء بأدبائها ومتعلميها. لقد ساهمت أيضا المنشورات الثقافية كمجلة نزوى العُمانية والصفحات الثقافية في الصحافة العُمانية إلى توصيل صوت السارد العُماني الى زملائهم من الساردين العرب في مختلف الأقطار العربية.
ستة محاور كتاب ” في السرد العُماني المعاصر ” للناقد د. إحسان بن الصادق اللواتي وفر للدارس رؤية بانورامية للسرد العُماني المعاصر، وأنار بعض تجارب السرد العُماني للقارىء العربي، الذي يهمه أن يتعرف على التجارب السردية في هذا البلد، وتهمه معرفة تجارب الإبداع السردي، وهذه المعرفة توطئة مهمة لفهم المجتمع العُماني، وفهم كيف يعيش أولئك الناس في ذلك الجزء البعيد من دول الخليج العربي النفطية. اشتمل الكتاب على مجموعة من الدراسات المتنوعة التي عرضت نماذج من الآدب العُماني المعاصر وقد توخى الكاتب في كتابته عن تلك التجارب النقد التطبيقي التحليلي، لمقاربة تجليات النصوص الأدبية في مجالي القصة القصيرة والرواية.
وقد قسم الناقد كتابه الى ستة محاور درس فيها ” السرد بضمير المتكلم في نماذج من القصة القصيرة العُمانية في التسعينات ” وفي المحور الثاني تناول ” من ملامح لقاء الغرب في القصة القصيرة العُمانية المعاصرة ” وفي المحور الثالث ” مدينة ــ مطرح ـــ في ثلاث قصص عُمانية معاصرة ” وفي المحور الرابع ” إشكالية النوع السردي في ــ لا يجب أن تبدو كرواية ــ ” وفي المحور الخامس تناول الناقد ” إشكالية العلاقة بين الحلم والواقع في ــ منامات ــ جوخة الحارثي ” وفي المحور السادس تناول ” التجاوز في روايات عُمانية معاصرة “. تناول الكاتب في المحور الاول تعريف السرد معتمداً على ما جاء في النقد الغربي من تعريفات متفاوتة بين ناقد وآخر، وخلص إلى أن ” السرد هو الكيفية التي تُروى بها القصة عن طريق هذه القناة نفسهاــ يقصد القناة التي تصل بين الراوي والمروي له ” ص13 وقارن ذلك بما كتبه القصاصان العُمانيان ” علي المعمري ” و ” محمد اليحيائي ” وما جاء في مجموعتيهما القصصيتين ” مفاجأة الأحبة ” و” خرزة المشي “. وتساءل الناقد حول أسباب استخدام الكاتبين تقنية ضمير المتكلم في السرد، مستنتجاً أن ضمير المتكلم في هذه القصص ليس الكاتب ذاته بل هو ” صوت يختبىء خلفه الكاتب “. ص15 الراوي العليم
ونقلنا الناقد إلى بديهيات السرد الأدبي بقوله ” إذا كان من المتفق عليه أن الأدب ــ في أبسط تعريفاته ــ هو التعبير الجمالي عن تجربة شعورية، فإن هذا يستدعي أن يكون الأديب حريصاً كل الحرص على توخي كل الوسائل والسبل الكفيلة بإيصال مشاعره إلى القارىء كما هي في الواقع: دافقة ، وصادقة، ووجود هذه المشاعر في حد ذاته ليس كافياً لمنح الأدب فرادته وقيمته، ما لم يتمكن الأديب من التعبير عنه جمالياً ويضع التجربة الشعورية بين يدي القارىء كما عاشها الأديب أو كما أرادها أن تصل إلى قارئه . ” ص 17
لذلك وكما يرى الناقد أن استخدام ضمير المتكلم ” يحقق هذا الهدف السردي لكاتب القصة” ص19، ويعطي أمثلة على ذلك من قصة من قصص القاص العُماني سليمان بن علي المعمري، بعنوان ” كم أحسدك يا جابر ” ص20. وينتقل الكاتب إلى الراوي العليم في القصة والرواية معتبراً، برأي تودوروف أن ذلك الراوي العليم راوٍ سيء: ” لأن الراوي الذي يعرف كل شيء، أو الكلي المعرفة، هو الكاتب الذي فشل في أن يظهر بمظهر عدم التدخل أو بمظهر الوسيط الذي ينقل أو يروي عن الآخرين. ” ص21 ثم ينتقل الناقد معرفاً بتجربة القاص يحيى بن سلام المنذري من خلال دراسة الأختزال والتكثيف والأقتصار على اللمحات الدالة في قصصه، ومن تلك القصص ” هنا الليل ” ص 25. وفي المحور الثاني أظهر الناقد بعض التمظهرات الغربية في القصص العربي أولا ًوالعُماني كتحصيل حاصل، مستشهداً بتأثرات أدباء من الرعيل الأول العربي بهذه التأثيرات المدينية، كتأثر رفاعة رافع الطهطاوي سنة 1834م بكتابته كتابه الشهير ” تخليص الإبريز في تلخيص باريز ” ورواية ” زينب ” لمحمد حسين هيكل و ” قنديل أم هاشم ” ليحيى حقي وغيرهم ص35.
وتناول في هذا السياق مفهوم العودة الى الوطن من الخارج كما في قصص القصاصين العُمانيين “علي الكلباني خليفة العبري، يونس الأخزمي، حمد بن رشيد، وأحمد بن بلال. ” ص37. وفي المحور الثالث تناول الناقد المدينة في السرد العربي والعُماني وتناول مدينة ” مطرح ” العُمانية في نصوص سردية، كما في ” قناديل مطرح ” ليونس بن خلفان الأخزمي، و” يوم صمت في مطرح ” للكاتب الأخزمي أيضاً، و” بوابات المدينة ” لمحمد بن سيف الرحبي . ص 59.روايات التجاوز
وفي المحور الرابع والخامس والسادس تناول الناقد مفاهيم أدبية حول الفصل بين الأنواع والأجناس الأدبية، كما ورد في مسألة الفصل بين” الترجيديا والكوميديا في مسرح وليم شكسبير” ولكن هناك نظريات جمالية للإيطالي لبنيدتوكروشه تؤكد رفضه للأجناس الأدبية ” مؤكداً على أنه لا يوجد فرق جوهري بين القصة القصيرة والرواية وحتى بين النثروالشعر”. ص77.
ووضع دراسة نقدية عن إشكالية العلاقة بين الحلم والواقع المعاش، كما ورد في رواية ” منامات ” للكاتب العُماني جوخة الحارثي، وربما أهم المحاور التي تناولها الباحث هي في المحور الآخير من الدراسة الذي عنونه ب” التجاوز في روايات عُمانية معاصرة ” فقد تحدث فيه عن الأدب وروح التغيير التي يحملها هذا الأدب للمجتمع المكتوب عنه، واتخذ من الروايات العُمانية التالية نموذجاً لهذا التجاوز للواقع المكتوبة عنه، ” كرواية ” الشيخ ” لسعود المظفر التي صدرت عام 1991 ورواية ” شارع الفراهيدي ” لمبارك العامري التي صدرت عام 1997 ورواية ” المعلقة الأخيرة ” لحسين العبري التي صدرت عام 2006. ” ص122
أن كتاب ” في السرد العُماني المعاصر ” للدكتور إحسان بن صادق هو أحد أهم المصادر النقدية الحديثة عن الأدب العُماني المعاصر، الذي أضاف إلى مكتبة النقد العربي فهماً نوعياً ممتازاً للإبداع العُماني المعاصر وأشر سلبياته وأيجابياته ودور رواية التجاوز العُمانية في التأثير في الواقع العُماني على أمل تغييره نحو الأحسن .
{” في السرد العُماني المعاصر ” د. إحسان بن صادق/ كتاب نزوى / مؤسسة عُمان للصحافة / الإصدار العشرون /عام 2013 / الوادي الكبير ــ سلطنة عُمان / 155 صفحة من القطع المتوسط.

















