رقص في مهب الريح لعبد الحسين الحكيم

رقص في مهب الريح لعبد الحسين الحكيم

شفافية لعبة الحلم عند المرأة

عبد الكريم حسن مراد

إن لعبة الحلم عند المرأة  في أحايين كثيرة تجعلها تعيش حالة توهان، محلقة في فضاءات ملونة لا تحدوها نهايات مرسومة لأن في ذلك الحلم تكسر رتابة الحياة وسلطوية العائلة، الراسمة لخطواتها مساحات ضيقة لابد أن تعيش وجودها، فالمرأة كيان عائم وحالم وشفاف، ينكسر زجاج روحها لأقل ردة فعل قوية من هبوب رياح عاتية، تحاول أن تقلع غمار وجودها ككائن يعشق الحياة، قد يترآى ويشغل ذلك بال عدة من المتلقبن، ويدفعهم الفضول لمعرفة نوعية هذه المرأة، أهي حقيقية أم إفتراضية يحاول البعض أن يختلقها في كتاباته، وقد يدخل ذلك في صراع مع المتلقي الذي قد لا يقنع بوجود هكذا كائن إلا في مخيلة المؤلف، لكن الحقيقة غير ذلك، فلهذه المرأة وجود بطلة رئيسة في رواية (رقص في مهب الريح) للكاتب د. عبد الحسين الحكيم، وهي تجربته الروائية الرابعة، فبطلة الرواية إمرأة رومانسية، تعيش لحظات الحب لرجل شرقي (طالب بعثة في ألمانيا)، لقد وجدت فيه حلم الشرق وسحره، الذي قرأت عنه من حكايات ألف ليلة وليلة وحكايات مصباح علاء الدين وحكايات أخرى، فرومانسيتها ومساحة الحرية التي تمتلكها رسمت لدى البطل صورة مغايرة لما كان يحلم به، فتعنته وتمسكه بالتقاليد والعادات الشرقية والخضوع للبيئة التي يعيش فيها قوضت مساحة أحلامه ورسمت أسواراً عالية صعب إختراقها من قبل الآخر (المرأة) التي كانت تعيش لحظات الحلم والوجع والحلم بالرحيل نحو مدن الشرق والعيش في عبقها ووصفها لإنهزامية البطل (أنس)، إسم الرجل الذي تعشقه، الذي كان يعيش حالة إزدواجية ما بين الرضوخ  لقلبه أو التمسك بالتقاليد، الرافض لإنفتاح المرأة على العالم وعلاقتها بالآخرين، رافضا إنتهاك عذريتها (الشرف لدى الشرقيين) الممثل في فض البكارة، لابد أن ترضخ لتعاليم وقوانين صحيحة، الممثلة بورقة الزواج، لا أن تطأ من قبل آخرين بالتناوب. في لعبة الرغبة قد تصل إلى درجة القهر عندما تسقط في فخ الحب الكاذب، لكن كل هذه الصفات لا تنطبق على بطلة الرواية برغم تربيتها وتعليمها وعيشها في مجتمع غربي، بل عشقها (لأنس) فتحت مع الآخرين جبهات قتال وصراع والممثلة بأمها التي كانت ترفض إرتباطها برجل شرقي لأنها لا تريدها أن تذهب بعيدة عنها، لذا كانت تتشاجر معها في كل مرة من أجل أن تبعد صورة ذلك الرجل عن مخيلتها لكن بدون جدوى، فالبطلة كانت تعيش صراعا دائما مع كل الذين يرفضون تلك العلاقة، فالأب برغم وجوده لكنه كان ثملاً لا يعي حقيقة إبنته، فكان منبوذاً من قبل زوجته التي كانت على علاقة مع صاحب العمل الذي تعمل عنده، فالصراع الذي تعيشه كان يحملها لتنزوي مع ذاتها، لتكتب وعبر دفتر مذكراتها يومياتها مع حبيبها الذي كان يتقوقع على ذاته تارة وأخرى يهرب بعيدا ليشغل نفسه في أمور بلده ومناسباته الوطنية، فقد كان قوميا حد النخاع فتربيته الدينية مزقت صورة الغرب لديه والتي تراءت له صورة للعهر وهو يعلم أنه غير ذلك، فهو مسلوب الإرادة وذلك لخضوعه لمنطق و(حكم العشيرة) فمن خلال كتاباتها اليومية كانت تعيش لعبة الأمل والحلم في التقرب إلى الآخر (أنس) لعله يعود لنداء القلب. إن من تناقضاته كان يعيش مع المرأة لحظات النشوة الجسدية في خلواتهما، ملبيا بذلك رغبة الجسد ورافض في الوقت ذاته أن يرسم نهاية لهذه العلاقة، فمر أكثر من عام على تلك العلاقة  كانت كتابة (المذكرات) التنفيس الوحيد للمرأة والتي من خلال قصة حياتها مع رجل لا يعي ما هو الحب، فالشكوك التي كانت تراوده من قبل أقرب أصدقائه الذين كانوا يكنون للمرأة كل إحترام جعله يرسم صورة مغايرة لها. إن في لعبة الوجع التي قصتها علينا من خلال يومياتها رسمت لدينا إنطباعاً مدى دونية الشخصية  وأنانيته التي أضاعت حلماً كان بالإمكان أن يعيش رحلته بشوق ووئام ، فالقارئ حينما يقرأ في يوميات البطلة سيدرك مدى أنانيته (أنس) وشرقيته المنغلقة فهو قد إنكسر أمام ريح الغرب فلم يستطع أن يهزم الآخر فلقد كان مستلباً دوماً ولا يمتلك مصير نفسه لذا لم يصمد أمام صراحة البطلة وعشقها له فحمل شرقيته المأزومة  ليرحل تاركاً البطلة تعيش لحظات الإنتظار فحبيبها كان يعيش حالة فوبيا من قبل سلطة الآخرين (العائلة، المجتمع) لتكون نهاية الرواية مفتوحة، فلقد أجاد الكاتب في إدارة لعبته الروائية ومن خلال لغة الأنثى والتي أبدع فيها لأنه رسم لنا المكنونات الحقيقية لعوالم المرأة بكل صورها النفسية والجسدية، فالكتابة بلغة المرأة ومشاعرها وأحاسيسها لا يجيدها سوى القلة من الكتاب، فهذه هي المحاولة الرابعة بالنسبة للدكتور الذي جعل من البطلة الراوية العليمة والتي راحت ترسم صور الآخرين من خلال أحاديثهم معها وترسم صورا للصراع ما بين تلك الشخصيات ، فالكتابة بإحساس المرأة ولغتها صعب وقد سبقه في ذلك الروائي سعد سعيد في روايته “هسيس اليمام” وفوزي الهنداوي في روايته “دفاتر مفككة الأوراق” والروائي علي الحديثي في مخطوطته الروائية (وجه في كرة)، فاللغة الشعرية كانت طاغية على هيكلية الرواية وذلك لكون الكاتب  شاعراً. لقد وفق د. عبد الحسين الحكيم  في روايته “رقص في مهب الريح”، وقد أمتعتني أجواء الرواية.

ملحوظة: إن الكتابة لا تأتي عن فراغ ما لم يكن هناك ثمة منغصات أو وجع ألم بالكاتب، فالذاكرة الإنسانية تحمل من الصور الأليمة لحياة أصابها الهلع بفعل الأنظمة الديكتاتورية، فالكتابة وجع مستديم عند أولئك الذين يعيشون تجارب الحياة ويتعاطونه فلا شيئ يأتي من لا شيئ، أنا موقن أن هذه الترنيمة الموجعة لم تكتب إلا لتكون متنفسا عما يعتور قلب الكاتب وموقن كل اليقين ما هي إلا سيرة ذاتية لكاتبها ولكن راوغ القارئ ليكتبها بصوت المرأة ليخفي عنا آثار أحزانه عبر تواريخ أيامه وشهوره  دون الذكر للسنوات والتي بقيت في الذاكرة مخفية خوفاً من الحنين لها، لذا لم يذكر إسم البطلة إلا بأول حرف من إسمها (ب)، فهي رواية ذات حائرة.

{ رواية رقص في مهب الريح/عبد الحسين نوري مهدي/بغداد 2016/مكتبة توتة