رصد حمض نووي بشري في التراب والماء أداة جديدة للتتبّع

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تتبّع‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحليل‭ ‬البصمة‭ ‬الوراثية‭ ‬التي‭ ‬زرعوها‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬سيصبح‭ ‬ممكناً‭ ‬يوماً‭ ‬ما،‭ ‬بحسب‭ ‬علماء‭ ‬أعلنوا‭ ‬رصد‭ ‬حمض‭ ‬نووي‭ ‬بشري‭ ‬في‭ ‬الرمال‭ ‬والماء‭ ‬وحتى‭ ‬الهواء،‭ ‬لكنّهم‭ ‬حذروا‭ ‬من‭ ‬إمكان‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬لغايات‭ ‬خبيثة‭.‬

وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬إلى‭ ‬تطبيقات‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬أو‭ ‬البيئة‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬الطب‭ ‬الشرعي‭. ‬لكنّه‭ ‬يطرح‭ ‬مشكلة‭ ‬أخلاقية،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬السهولة‭ ‬التي‭ ‬جُمعت‭ ‬فيها‭ ‬آثار‭ ‬للحياة‭ ‬البشرية،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬حذر‭ ‬معدو‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬الاثنين‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭ ‬إيكولوجي‭ ‬أند‭ ‬إيفوليوشن‭”‬،‭ ‬والذين‭ ‬فوجئوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬بنتائج‭ ‬عملهم،‭ ‬ودعوا‭ ‬إلى‭ “‬ضمانات‭” ‬تقي‭ ‬من‭ ‬إمكان‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬بهدف‭ ‬التعدي‭ ‬على‭ ‬الخصوصية‭.‬

وقد‭ ‬طُورت‭ ‬تقنية‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البيئي‭ ‬أخيراً‭ ‬لتتبّع‭ ‬الأنواع‭ ‬البرية‭ ‬وفهم‭ ‬التنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭. ‬وهي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أخذ‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬البيئات‭ ‬الطبيعية‭ ‬للحيوانات‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬آثاراً‭ ‬وراثية‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬عبر‭ ‬الخلايا‭ (‬في‭ ‬الجلد،‭ ‬والشعر،‭ ‬والحراشف‭…) ‬تفقدها‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭.‬

وليس‭ ‬البشر‭ ‬استثناءً‭ ‬لهذه‭ ‬القاعدة،‭ ‬إذ‭ ‬ينشرون‭ ‬أينما‭ ‬ذهبوا‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬الناقل‭ ‬للمعلومات‭ ‬الوراثية‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬فرد،‭ ‬سواء‭ ‬خلال‭ ‬المشي‭ ‬على‭ ‬الشاطئ،‭ ‬أو‭ ‬الاستحمام،‭ ‬أو‭ ‬السعال،‭ ‬أو‭ ‬نثر‭ ‬الرذاذ‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬شطف‭ ‬المرحاض‭…‬

هذه‭ ‬الآثار‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬خفية،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقع‭ ‬العلماء‭ ‬التقاطها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬بهذا‭ ‬الاتساع،‭ ‬وفق‭ ‬الدراسة‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ “‬غير‭ ‬المقصودة‭ ‬للمجين‭ ‬البشري‭” ‬في‭ ‬مختبر‭ ‬ويتني‭ ‬للتنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فلوريدا‭ ‬الأميركية،‭ ‬باستخدام‭ ‬مسحات‭ ‬من‭ ‬الرمال‭ ‬لدراسة‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البيئي‭ ‬للسلاحف‭ ‬البحرية‭.‬

وكان‭ ‬الباحثون‭ ‬يتوقعون‭ ‬بالفعل‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬العينات،‭ ‬والتي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬متأتية‭ ‬من‭ ‬أشخاص‭ ‬يتعاملون‭ ‬معها‭. ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يتوقعوا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بهذه‭ ‬الكمية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وبالنوعية‭ “‬شبه‭ ‬الموازية‭ ‬لتلك‭ ‬العائدة‭ ‬لعينة‭ ‬مسحوبة‭ ‬من‭ ‬شخص‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬الأخصائي‭ ‬في‭ ‬الأمراض‭ ‬الوراثية‭ ‬لدى‭ ‬الحيوانات‭ ‬البرية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فلوريدا‭ ‬ديفيد‭ ‬دافي‭ ‬الذي‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭.‬

ميدانياً،‭ ‬وجد‭ ‬دافي‭ ‬وفريقه‭ ‬بصمات‭ ‬جينية‭ ‬بشرية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬تقريباً‭: ‬في‭ ‬المحيطات‭ ‬والأنهر‭ ‬حول‭ ‬المختبر،‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬الحضرية‭ ‬وفي‭ ‬الأماكن‭ ‬الأقل‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية،‭ ‬وعلى‭ ‬رمال‭ ‬الشواطئ‭ ‬المعزولة‭…‬

واختبر‭ ‬البروفيسور‭ ‬دافي‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬أكثر‭ ‬برودة‭ ‬في‭ ‬ايرلندا،‭ ‬موطنه‭ ‬الأصلي،‭ ‬وعثر‭ ‬على‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صعود‭ ‬مجرى‭ ‬النهر،‭ ‬باستثناء‭ ‬المنبع،‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬حضارة‭.‬

وقالت‭ ‬جامعة‭ ‬فلوريدا‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬إن‭ ‬جمع‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬الهواء‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬بيطري‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬حمض‭ ‬نووي‭ ‬مطابق‭ ‬لأعضاء‭ ‬الطاقم‭ ‬ولفيروسات‭ ‬حيوانية‭.‬

وقال‭ ‬مارك‭ ‬ماكولي،‭ ‬أحد‭ ‬المعدين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬للدراسة،‭ ‬إن‭ ‬تسلسلات‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬التي‭ ‬جُمعت‭ ‬كانت‭ ‬طويلة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتكون‭ “‬قابلة‭ ‬للقراءة‭”‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تحديد‭ ‬الطفرات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمراض،‭ ‬مثل‭ ‬مرض‭ ‬السكري،‭ ‬وتحديد‭ ‬السلالة‭ ‬الجينية‭.‬

حتى‭ ‬أنّ‭ ‬الباحثين‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬ترتيب‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬مجين‭ ‬المشاركين‭ ‬المتطوعين‭ ‬الذين‭ ‬وافقوا‭ ‬على‭ ‬أخذ‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬أقدامهم‭ ‬في‭ ‬الرمال‭.‬

وعلق‭ ‬مارك‭ ‬ماركولي‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحافي‭ “‬لأسباب‭ ‬أخلاقية،‭ ‬لم‭ ‬نراجع‭ ‬التسلسلات‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬حوزتنا‭ ‬بطريقة‭ ‬تمكّننا‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬أفراد‭ ‬معينين‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬ستحصل‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭. ‬والسؤال‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬متى‭ ‬سيحصل‭ ‬ذلك‭”.‬

في‭ ‬المستقبل،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ “‬يفيد‭ ‬جمع‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البشري‭ ‬البيئي‭ ‬المجتمع‭”‬،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الطفرات‭ ‬السرطانية‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي،‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬مشتبه‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭ ‬مثل‭ ‬اللعاب‭ ‬أو‭ ‬الدم،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مختبر‭ ‬ويتني‭.‬

لكن‭ ‬بقدر‭ ‬الآمال‭ ‬التي‭ ‬يبعثها،‭ ‬يثير‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ “‬مخاوف‭ ‬قوية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بحماية‭ ‬الخصوصية‭ ‬الجينية‭ ‬وبحدود‭ ‬عمل‭ ‬الشرطة‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬ناتالي‭ ‬رام،‭ ‬أستاذة‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ميريلاند،‭ ‬في‭ ‬تعليق‭ ‬مرفق‭ ‬بالدراسة‭ ‬أشارت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ “‬المراقبة‭ ‬الجينية‭ ‬الدائمة‭”.‬

وقد‭ ‬شاطرها‭ ‬معدو‭ ‬الدراسة‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف،‭ ‬مبدين‭ ‬خشيتهم‭ ‬من‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬التقنية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ “‬لتتبّع‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬أقليات‭ ‬عرقية‭ ‬معينة‭”. ‬وثمّة‭ ‬أيضاً‭ ‬إشكالية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ “‬تطفو‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬الهواء‭”‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬مارك‭ ‬ماكولي‭.‬

ويشدد‭ ‬البروفيسور‭ ‬دافي‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬هذا‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬ننبّه‭ ‬العلماء‭ ‬والمجتمع‭ ‬الآن‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬نتائجنا‭ ‬وتطوير‭ ‬القواعد‭ ‬اللازمة‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬البشري‭”.‬