فاتح عبدالسلام
ما خربه السياسيون العرب، لا يعد ولا يحصى، ويكفى أنهم أشاعوا وسائل العنف في الرد على الخصوم الذين قد يكونون غالباً من نفس طينتهم من دون أن يبرر ذلك فعلتهم. ولم يوقر السياسي المحتمي بسلطة صغيرة أو عظيمة أي أحد كبيراً أو صغيراً عالماً أو جاهلاً بسبب التحزب الضيق والنظر الى ما بعد الحزب أو الفئة أو التخندق على إنهم أعداء حاليون أو مشاريع أعداء. نرى السياسي نائباً أو وزيراً يلاحق صحافياً ليس له سوى الكلمة والرأي والإجتهاد كأنه يلاحق فريسة حان أوان قطف رأسها.
الرأي الآخر هو الركيزة التي يقوم عليها أي مجتمع يريد بناء نفسه وقبل ذلك يحترم نفسه ويتطلع الى تلقي احترام الآخرين له. الذين منعوا الاحتجاجات وجرموها في مصر أو العراق أو سوريا أو الجزائر، إنما شرعوا دساتير من دون أن يشعروا للعنف والعمل السري الذي تكون أولى صفاته حمل السلاح والعنف المضاد. كل ذلك هو نتيجة عدم القبول بالرأي الآخر، وهذا ليس أمراً هيناً لأنه قد يتطور الى استخدام السلاح الكيمياوي أو البراميل المتفجرة كما حدث في سوريا، وهذا المكان ليس لحديث التفاصيل الطويلة وإن كانت موجودة تحت اليد.
كان لي صديق عراقي يقيم في بلد عربي وله علاقة تعارف على الانترنت مع فتاة من دولة إسكندنافية، ثم تطورت العلاقة الى حب متبادل ولا أحد يدري ربما كانت ستتجه الى الزواج قبل أن تطلب الفتاة من حبيبها العراقي أن يزورها في بلدها ، لكنه أبلغها بتلقائية :المشكلة أنني عراقي. قالت :ثم ماذا ولتكن من أي جنسية؟
قال الشاب: لا أحد يمنحني فيزا. إندهشت بل صعقت الفتاة وسألته: بيد مَن منحها ؟. قال العراقي المتيم : بيد حكومتك طبعاً. وضحك في الهاتف كون الأمر صعباً.
قالت بيسر: بالعكس غداً أذهب الى خارجية بلدي. وذهبت فاكتشفت فعلاً أن هناك صعوبة وأسباباً لا تفهمها في منع حبيبها من زيارتها. قالت للخارجية ،لابأس. ثم أخبرت حبيبها العراقي ببساطتها الإسكندنافية المعهودة: أنها أخذت موعداً في الأسبوع المقبل لرؤية رئيس الوزراء ومناقشته بالخطأ الفظيع الذي تتسبب فيه حكومته، ربما من دون قصد في منع قلبين أن يلتقيا. ظنّ العراقي أن النكتة كبيرة الى درجة أن نبتت لها جلاجل فأطلق ضحكة كبيرة في الهاتف .
في الموعد المحدد قابلت الفتاة رئيس الحكومة ، وعلمت منه أن الأمر ليس بيده ولا يجوز منح حبيبها فيزا، فحال العراقي كما تعلمون غاطس في الوحل من زمان. وسألها رئيس الوزراء إنْ كان هناك سبب عملي أو دعوة من شركة أو مؤسسة تبرر منح الفيزا ، فقالت له بصراحة لا نعرف في بلداننا عنها شيئاً: لا، ليس لديه سبب سوى أنه اشتاق لرؤيتي واشتقت إليه.
ثم قالت له، وهي تشرب الشاي بالحليب في مكتبه :هل تعلم كم جعلت قلبي حزيناً وكيف ستكون الصدمة كبيرة على قلب حبيبي العراقي.
قال لها مبتسماً وبكل رقة :أنا آسف شديد الأسف إنه القانون وأتمنى أن نراجعه ونسد ثغراته يوماً. أرجو أن تبلغيه إعتذاري الشخصي.
أجابته بثقة وحزن وبقرار نهائي لا رجعة فيه : أنت بلا قلب.
ظل رئيس الوزراء يسمعها تكاد الدمعة تطفر من عينيه، مبتسماً ومعتذراً حتى غادرت مكتبه. وبالمناسبة فإن الفتاة تنتمي الى نفس حزب رئىس الوزراء ولم تنس أن تقول له قبل المغادرة لن أرتدي بعد اليوم الوردة التي قلدتني إياها قبل شهر،وأستقيل من الحزب.
وظل الرجل مبتسماً.
رئيس التحرير
لندن
























