
مكاشفات نقدية للكاتب كريم شلال
دلالية التجربة وفنيتها في تتبع الأثر
عبد الهادي والي
يتفق أغلب النقاد الكبار ، على إن النقد في أفضل حالاته ، هو صورة ناطقة وخفية للنرجسية ، وخلق صورة مطابقة ، لتحكم الذوق ، والرأي الذاتي والثقافي للناقد . لقد لجأ الكاتب كريم شلال ، في كتابه النقدي : ( مكاشفات نقدية ) إلى إطلاق الحكم على النصوص ، والأثر الأدبي المنقود ، وإضفاء القيمة على النص واستقراء السياقات الاجتماعية والتاريخية والنفسية ، في تتبع الأثر المقروء ، مبتعداً عن تلك المناهج الإحصائية ، والشكلية ، التي سجنت النص الأدبي في قفص التجريبية ، وأغفلت قيمته ، وتوجهت نحو التطبيق الآتي لما يسمى بالمناهج البنيوية ، ولم يعر أدنى اهتمام لجودة أو رداءة النص . فهي مناهج لا تصحح ولا تدل على مواقع المستقبل ، بل تتابع ما هو منقوش على ظاهر الصورة فقط ، دون البحث عن خلفياتها ومسبباتها ، وقد أجاد الكاتب كريم شلال ، في تحليل النصوص الأدبية المطروحة ، التي تناولها بالبحث ، مستجلياً وفاحصاً مدلولاتها اللغوية ، ومنطلقاتها البيئية ، مشيراً إلى مواضع القوة فيها ، وتأشير بعض الهنات ، التي تعتور البعض منها ، بأسلوب يقود إلى التعريف بها ، وكشف دلالاتها ومضامينها. يقول باختين : من أعماق التحليل توجد قناعة راسخة ، بان كل عمل أدبي اجتماعي بالضرورة ، وإن تلك الاجتماعية داخلية ، بالنسبة للعمل ، ومحفورة بعمق فيه. لقد تناول الكاتب الكثير من النصوص ، والمجموعات الشعرية والقصصية ، فقد تناول بالبحث والتدقيق سيرة الشاعرة العراقية المغتربة نادية عزيز ، وتطرق إلى الإبداع بين مطرقة وسندانة الاغتراب ، والحنين في القصيدة العراقية وأفاض في الكتابة عن الغربة في الشعر العراقي ، وقد أختار بعضاً من شعر الدكتور أحمد الوائلي أنموذجا ، وتناول بالشرح السخرية والمفارقة في لافتات الشاعر أحمد مطر السردية ، وعن الشاعر عقيل علي ، تناوله كشاعر إشكالي ، والشاعر قيس لفتة مراد ، كوجدان مرهف ، وحس موجع دائماً ، متطرقاً في كتابه النقدي ، عن القصيدة الإسلامية وتوظيف الخيال في قصائد كمال سبتي . وفي مكاشفاته النقدية تناول الصدى القاهر للصدى المقهور ، للشاعر مصطفى جمال الدين ، كما تناول رائحة مجدولين للشاعرة العراقية المغتربة نادية عزيزة ، وقراءة في قصيدة ضياع عبيلة والنياق ودارها ، للشاعر المصري مصطفى الجزار ، وعن ليالي شهرزاد قدم دراسة وافية لقصيدة الشاعرة التونسية أمان الله الغربي . وكتب أيضاً عن زفرات من أنين البذور ، وهي قراءة في ديوان : دمية عالقة في أسلاك شائكة لابتهال بليبل ، وتناول الشاعر العراقي حسن عبد الغني الحمادي ، مستجلياً بعض نصوص ديوانه الشعري : وتر من قيثارة الألم . وقد كتب عن بعض الملاحظات : ( تبقى مجموعة : وتر من قيثارة الألم للشاعر حسن عبد الغني الحمادي ، بدية طيبة لشاعر لديه الكثير ، حيث تمكن من ترجمة معاناة حقيقية ، تشعر بها ، بل تستلذها الذائقة العراقية وهي : ( مسحة الحزن ) التي أطرها الشاعر ، وإن كانت قاسية على المتلقي نتمنى أن تشرق شمس الأمل على مبدعنا ) . أما مكاشفاته في حقل القصة القصيرة فقد تناول في كتابه القاص والناقد العراقي عبد الهادي والي ، في مجموعته القصصية : (امرأة وكائنات أخرى ) ، كذلك تناول القاص إبراهيم سبتي في قصصه القصيرة جداً : ( بائع الضحك ) .
تراكم اثر
وقد كتب الناقد عنها بعض ملاحظاته : ( تراكمت إثر سنين عجاف أثقلت كاهل العراق ، حيث الظلم والحيف والتغييب ممزوجة بقسوة الأيام وشراستها ، كلها كانت عبئاً ثقيلاً ، جعل قلب القاص يتفجع حرصاً على بلاده التي أحبها ، لينطق بالحق ، بعد اشتعال جذوة حرصه وهو يرى صورة قاتمة ، تبعث على القلق (النار تحرق كل شيء / القصة / أهل البلاد ) ص 48 ، وهو حرص عهدناه من قبل عند أخيه الشاعر الراحل كمال سبتي ، ليتباين لنا قله وصوته العالي ، الذي لم يغيبه ستار الخوف والتملق على ما يرى ( حيث رائحة البارود القوية ، التي ما لبثت أن دخلت إلى الدار وانتشرت في فضاء الشارع والجيران ) القصة / خضرة الحرب / ص 98 . وقد تناول الناقد أيضا مجموعة القاص العراقي علي السباعي : ( زليخات يوسف ) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 2005 م ، ذاكراً بعض ملاحظاته عنها : (( ويبقى أسلوب القاص علي السباعي جاداً وملتزماً ، ضمن سياحاته في فضاءات واسعة ، في محاولات لاستنطاق تلك الموروثات ، ضمن تقاربات بالاتكاء على رموز ودلالات ( قطام / رمز وجب الخيانة ) في توظيف مخيلته ، وما يملكه من رصيد معرفي ، لتبقى مجموعته ، تشع مع الأيام ، هذيانات واعية ، تمكنه من مزج الشعر في قلب القصة ، ليعشق القصة القصيرة ، فهو لديه المكانية في منح متلقيه فرصة المشاركة ، والتخيل ، والتأويل ، فالتفاتاته المثيولوجية الجميلة ، تلك الشخوص المسحوقة ، والحكايات المتوارثة ، ليستقي من زفراتهم وآهاتهم زاده المعرفي والثقافي ، حيث غوره العميق فيها ، مثل : ( أبو طبيلة / ص 58 / ياحوتة هديه / ص 64 / الشميطرة / ص 112 / الكنين / ص 118 / سنة لوعة . . . ) . وقد تعرض الكاتب للمجموعة القصصية : ( نهايات ) للقاص إياد خضير ، معلقاً عليها : ( وتبقى مجموعة ( النهايات ) القصصية للقاص إياد خضير إضافة جديدة لأدبياتنا ، لما لها من رؤية رائعة لتداعيات اجتماعية ، عاشها الكاتب ، ووثيقة لفترة عاشها وشهد أحداثها إذ حفرت عميقاً في ذاكرته جروحاً ، ربما لا تندمل ، بعد . يلوذ منها بالنسيان ، كعنوان قصته : (نعمة النسيان) وحرقت كل ما حرقت معها كل الأحداث ، كل الذي جرى لي ، إن أنسى لأن النسيان نعمة .
معالم فكر
وفي الدراسات تناول كتاباً في معالم الفكر السياسي في الإسلام للشيخ محمد باقر الناصري ، وقراءة في كتاب الأمام علي نموذج الإنسانية للكاتب صباح محسن كاظم ، وأطل على نافذة في كتاب : الناصرية تاريخ ورجال ، للمؤلف عبد الحليم ألحصيني . لقد كان جهداً مثمراً ما قام به كاتبنا كريم شلال ، من تقديم وتفسير وتحليل وتأويل للنصوص ، وإثراء لمفهوم القراءة ، واغنائه بالطريقة التي تصبح فيها القراءة النقدية ، سياحة نافعة في حقول متنوعة الزروع ، حافلة بالممتع والمفيد ، مستخلصاً من بحثه النقدي ثمرة ثقافية ، تكون زاداً نافعاً لروح الإنسان ، في تعرضه لقضاياه الجوهرية ، وفي كشفه عن جماليات النصوص ورؤاها ، واعتمادها مبدأ القصدية ، منحازاً لقيم السمو والرفعة فيها ، والبحث عن المضمون ، الذي يرفد الحياة ، بكل ما يسهم في رقي الإنسان ، ويدعم فكرته ومساعيه ، في حياة ترتفع به كثيراً في مضمار الحضارة والتقدم .
























