حين يبتسم الضفدع.. المعنى الأدبي للسرد
إن مقومات العصر داخل المعنى الأدبي، تسعى إلى حضور موقفها ما بعد الحداثي، وذلك يشمل جميع الأجناس الأدبية السردية والشعرية والفنون أيضا، بل إن الفن التشكيلي كان سباقاً في تحقيق ذلك المقصد، وفي الأجناس السردية، نلاحظ أن الرواية تقدمت من بعد ثقافي إلى آخر، واستمر نشاط تقدمها تكنيكيا، والقصة أيضا، والدليل على أن القصة تقدمت فنيا، وجود جنس جديد منها سمي بالقصة القصيرة جدا، وذلك ليس دليلا على إن القصة القصيرة قد نضبت، أو بلغت آخر حدود الإمكانية، وعدم قدرتها في التواصل، بل إن القصة قصيرة جنس أدبي متميز، وهو حيوي اجتماعيا أيضا، لكن روح العصر تحتاج إلى سرعة أكثر توافقا، وكانت في القصة القصيرة جدا. بل إن المسألة تعدت تلك الحدود، وصار النشاط الأدبي أكثر راديكالية، فكان أن يكون بين جنسي القصة، وجود افتراضي بمسمى جديد وهو (النص السردي).
وقد استوقفتني كثيراً مجموعة نصوص سردية “حين يبتسم الضفدع” لمهدي علي اِزبيِّن، والتي هي مضمون كتابي بمستويين، الأول منهما يرتبط بالمعطى الفكري الاجتماعي داخل النص السردي، وثاني المستويين يرتبط بتقنية الكتابة، والتي ارتبطت بمفترضية الإشارة (نصوص سردية)، حيث المتن السردي يتناوب بين قص قصير وقص قصير جدا، وأعتقد أن القاص هدف إلى الجمع بين الجنسين بمفترض إشاري جعله على غلاف المجموعة، وطبعا المفترض الإشاري أدى وظيفته عبر مقصده الأساس، والذي يؤكد أن النصوص هي مادة كتابية سردية، وهذا لعب دوراً إيجابياً في خلق متعة قصصية من جهة وضربة ساخرة من جهة أخرى، والمتعة القصصية شملت الجنسين، لكن الضربة أو المفاجأة غير المتوقعة، كانت في حدود جنس القصة القصيرة جداً، ولا بد هنا من تصنيف القصص، وقراءتها عبر ذلك التصنيف، لوجود فوارق في البناء الفني بين الجنسين، وتلك الفوارق الفنية لابد من أن لها وظائف في معمارية الجنس، والذي صار مفترضاً كتابياً، بما يكون فيه ذائقة جمالية أوسع وكيان أمتع مما هو عليه.
في البداية أتوقف أمام العنوان الرئيس للمجموعة، وأبحث في دلالته، وعلى وجه الخصوص أنه عنوان لأحد قصص المجموعة، وهي تقريباً قد وقعت في منتصف المجموعة، وذلك العنوان فيه إيحاء، وفي البداية أتوافق مع القاص، في أن العنوان يقترب إلى حد ما شكل الواقع داخل كيان النص من جهة، ومن أخرى يتوافق مع شكل الواقع الاجتماعي أيضا، لكن إن كان أيحاء قصص قصيرة، فإن إيقاعه سيكون حاداً ومتطرفاً، وأما إذا كان إيحاء قصص قصيرة جداً، فهو يتوافق تماماً مع طبيعة القصة القصيرة جدا، في تجاوز المألوف الاجتماعي بالضربة الأخيرة، وكسر القاعدة العامة للحياة بما يعاكس طبيعتها المسرودة، وهناك إيحاء ثانوي يرتبط به العنوان، حيث ابتداءً يبدو كما عنوان لمجموعة قصص اطفال، والنتيجة التي خرجنا بها، هي لصالح تسميته الابتكارية الحساسة التي اقترحها القاص، حيث إن عنوان مجموعة يأخذ مساحة إشارية أو دلالية بأكثر من اتجاه، ودون تأثير يفقده أحد مميزاته، فذلك أمر إيجابي وله اعتبار أيضا.
تتميز القصة القصيرة جداً بتقنية تختلف في الإطار الفني عن القصة القصيرة، عبر تلازم القصة وحكايتها من تأهيل الطارئ، حيث الثالوث المعهود كإطار عضوي للقص في ترتيبه تسعى القصة القصيرة جداً إلى تحديد ملامح لحظة اجتماعية محددة بنهاية لا نمطية ولا مرتبطة بسياق الحركة الدلالية للحكاية، ولكنها تنتهي بما يلغي إلى حد ما تلك الملامح، دون أدنى إخبار أو إشارة ولا حتى سياق دلالي، حيث تعتمد دائماً حكايتها مستوى الإخبار المتواصل يشبه إلى حد ما مفهوم (وحدة الصورة)، لكنه في النهاية يهشم تلك الوحدة بما هو غير محسوب أصلاً، وكأن السرد لجأ إلى تسريع إيقاعه السردي؛ فوسع رقعة وحدة الزمن، ليتمكن الفعل، قصة/ حكاية/ سرد، يمر بتعديل تفرضه طبيعة حركة السرد السريع جداً بهدف تشكل القصة أو تخلقها، أن لغة القص في القصة القصيرة جدا تهتم بالمظهر السردي، وتمظهر الحكاية فعلاً أجتماعياً تام ظاهرياً، ولا يحتاج إلى توضيح مضمر أو غير مشهود، لأن الحكاية في القصة القصيرة جدا تامة، وهي واضحة أيضاً عبر كيان اللغة، واللغة تعتبر هنا نوعاً من التعامل الآجتماعي، فهي في نظامها في وصف ما قبل أن تكون علماً، وذلك يندرج في كونها محددة و بدقة متناهية.
ولغة القص في نصوص سرد “حين يبتسم الضفدع” هي لغة مقتصدة مكثفة وحيوية في ذات الوقت، وتنمو بتدرج نحو اكتمال نوعي، ومن ثم تبدأ من جديد، وحددت اللغة السردية طبيعة السرد، حيث أغلب القصص القصص هناك سرد ذاتي، وهناك أيضا صفة راوٍ عليم تمنح السرد الذاتي دعماً وتحديداً، فمثلاً قصة (حلم ساخن في يوم بارد) تؤكد وجود راوٍ عليم يرسم ملامح تفاصيل المشهود ويتخيل له أن تعلو النباتات التي توهم تحملها سيارة حمل محاذية، وأيضاً قصة (شهادة مع وقف التنفيذ) حيث تكون شخصية القاص موجودة داخل كيان القصة، لكن دون هيمنة لها قد تؤثر بتسيير الحدث لصالحها، وكذلك قصص أخرى مثل (مضادات حياتية)، والشخصية الاجمالية أو الراوي العليم، لايتيح له القاص مهدي علي ازبين أن يهيمن على روح الحدث، حيث تمكن القاص من فرض مفترقات، أو تفاصيل جانبية تخفف من هيمنة الراوي العليم وتبهتت هالته، وذلك مهم كإجراء فني، والقاص يراعي متعة قصته، وبروح السخرية التي تبدأ من العنوانات أو إيقونة النص، تجد القاص يسعى إلى متعة قصصية تقابلها جهة تلقي أدبي وأخرى اجتماعي، حيث أعطى انطباعاً جمالياً عن جو قصته عبر التقنية الفنية، وانطباع اعتباري في الإطار الاجتماعي.
ومن أجمل قصص المجموعة كانت التي حملت ذات عنوان المجموعة، فهي قصة متقدمة في الثيمة على مألوف القص، وسعت إلى قلب الحدث تماماً، وأكثر ما يميزها هو وجود ضفدع داخل بطن الشخصية الاعتبارية، والشخصية تقدمت من البعد الآرسطي لها إلى مستوى النموذج، أي صارت شخصية اعتبارية، حيث هي من جانب لحم ودم تتطرق إلى ظاهرة غريبة تقارب المستحيل، ولكن لأن الفكرة القديمة تغيرت، وصار الواقع أغرب من الخيال، كنا نقف أمام شخصية غاية في تدرجها نحو أفق الأنموذج، وبلغت عبر الأنموذج أن تكون شخصية كارتونية، وإلا لو كانت تقليدية، لكان توهماً ولم يكن حقيقة وجود ضفدع داخل بطن شخصية القصة.
إن قصص”حين يبتسم الضفدع” لمهدي علي ازبين تجربة جديدة وحيوية وغنية في قيمتها الفنية بدءاً من العنوان المثير إلى الثيمة الطرية والممتعة، والسرد الذاتي وطبيعة اللغة الابتكارية لجمل قصار يتسارع فيها الإيقاع ومن ثم يتغير رنينه، وما أمتع القصص بنوعيها القصيرة والقصيرة جدا، وما أجمل النهايات المبتكرة لحدث يصب في اتجاه آخر.
………………
*”حين يبتسم الضفدع” مجموعة نصوص سردية لمهدي علي اِزبيِّن، دار ومكتبة عدنان2013
























