حلم بمحكمة عربية لحقوق الإنسان

في إستذكارية الفقيه الدستوري حسين جميل

 

حلم بمحكمة عربية لحقوق الإنسان

 

 

عبد الحسين شعبان

 

 

بعد تحضيرات طويلة واجتماعات مكثّفة إلتأم مؤخراً مؤتمرضمّ عدداً من الخبراء والقضاة الدوليين والمؤسسات الوطنية والعديد من منظمات المجتمع المدني بشأن تشكيل المحكمة العربية لحقوق الإنسان، وصدر عنه وثيقة مهمة، وهي التي ستُعرف باسم  إعلان البحرين. وناقش المؤتمر النظام الأساسي للمحكمة، وأصدر العديد من التوصيات المهمة بشأنها. وعلى الرغم من بعض الملاحظات والانتقادات التي تخلّلت جلسات المؤتمر وأعقبت انتهاءه، بما فيها الالتباس حول مسوّدة النظام الأساسي وبعض ما ورد فيه وعليه من تحفظات، الاّ إن ما تحقق يعتبر إنجازاً على طريق إيجاد هيئة قضائية للفصل في النزاعات المتعلقة بحقوق الإنسان، ولاسيّما الانتهاكات والخروقات والتجاوزات التي تقع على الأفراد أو المجتمع، ويمكن اللجوء إليها من جانب الأفراد أو المنظمات أو المؤسسات الوطنية أو غير ذلك من الجمعيات ذات الصفة الاعتبارية.وبهذه المناسبة، لا بدّ من استذكار بعض الروّاد في إطار الحركة العربية لحقوق الإنسان الذين ساهموا في التبشير بالفكرة والدعوة لانجازها منذ وقت مبكر، ومن هؤلاء حسين جميل (نقيب المحامين العراقيين الأسبق وأمين عام اتحاد المحامين العرب) الوزير والسفير والفقيه  الدستوري الواسع الاطلاع، الذي تميّز بالاستقامة والاستقلالية والكفاءة. اقترح حسين جميل في ندوة انعقدت في تونس نظمها المركز الفكري الريادي  مركز دراسات الوحدة العربية في 28 نيسان (ابريل) – 2 أيار (مايو) 1982 تأسيس محكمة خاصة بحقوق الإنسان، وذلك في إطار بحثه الموسوم  دور الجامعة العربية في إنشاء محكمة عربية لحماية حقوق الإنسان، ولاسيّما وأن الندوة الفكرية المعمّقة كانت قد انعقدت تحت عنوان جامعة الدول العربية: الواقع والطموح، وقد لحقتها ندوة أخرى انعقدت في بيروت بعنوان :  من أجل إصلاح جامعة الدول العربية  في العام 2003.

 

لم يكتفِ حسين جميل بطرح فكرة المحكمة، فقد أراد لها غطاءً نظرياً وذلك من خلال دعوته المبكّرة لإيجاد ميثاق عربي لحقوق الإنسان، لأن ميثاق جامعة الدول العربية التي تأسست في 22 آذار (مارس) العام 1945، افتقد أية إشارة إلى حقوق الإنسان، في حين أن ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر بعده بثلاثة أشهر  (26 حزيران /يونيو) من العام ذاته، جاء على ذكر حقوق الإنسان سبع مرّات، وهذا فارق كبير.

 

ويلتبس الأمر لدى البعض بين فكرة المحكمة العربية لحقوق الإنسان وبين محكمة العدل العربية، التي وردت في المادة 19 من ميثاق جامعة الدول العربية، ولذلك حاول حسين جميل التأكيد على أن اختصاص محكمة حقوق الإنسان، إنما هو اختصاص شبيه بالمحكمة الأوربية لحماية حقوق الإنسان المنبثقة عن مجلس أوربا أو المجلس الأوربي.

 

لم يتوقف حسين جميل عند عرض فكرته في الندوة، بل بادر إلى تطويرها ووضعها في كتاب له صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية أيضاً في العام 1986 والموسوم حقوق الإنسان في الوطن العربي، مستعرضاً تجارب دولية مهمة على هذا الصعيد، ففي العام 1949 شكّلت عشر دول أوربية غربية  مجلس أوربا وفي العام الذي تلاه 1950 أقرّ المجلس اتفاقية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتقرر تأسيس لجنة أوربية لحقوق الإنسان، ومحكمة أوربية لحقوق الإنسان.

 

وعندما تأسست منظمة الدول الأمريكية، كمنظمة إقليمية دولية في العام 1948، أصدرت في العام ذاته  الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته، وفي العام 1958 تأسست اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسانوأعدّت اتفاقية خاصة بذلك دخلت حيّز التنفيذ في العام 1969 وفي هذه الاتفاقية أنشئت المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان.

 

يلاحظ أن المجلس الأوربي ومنظمة الدول الأمريكية تأسستا بعد جامعة الدول العربية، لكنهما خطتا خطوات مهمة وجذرية باتجاه احترام حقوق الإنسان ووضع قواعد قانونية وقضائية لتأمين ذلك، إضافة إلى مجالات التعاون الأخرى. ولعلّ الخلفية التي انطلق منها حسين جميل قبل ثلاثة عقود ونيّف من الزمان لتأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان، وحتى قبل حركة الاحتجاج الواسعة التي شهدتها العديد من البلدان العربية منذ العام 2011، إلى أن بعض البلدان العربية لم يكن له دستور للحكم وبعضها الآخر تُحكم بدساتير مؤقتة، وحتى من لديه دستور دائم، فالمسألة تتعلق بمدى القرب أو البعد من معايير الحكم الديمقراطي، وضمان حقوق الإنسان الفردية والجماعية، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.كما أن بعض البلدان كانت متحفّظة على الاعلان العالمي لحقوق الإنسان وبعضها الآخر وإن وافق عليه إلاّ إن ذلك لم يمنعها من الانتهاكات التي دأبت عليها، وحتى بعد أن انضم عدد من الدول العربية إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، لكن التفاوت ظلّ قائماً بينها والهوّة واسعة، الأمر الذي ترتفع درجة شكوى الانتهاكات بين هذا البلد أو ذاك، وهو الأمر الذي على جامعة الدول العربية آخذة بنظر الاعتبار، خصوصاً إذا تبنت مبادرة تأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان . وبالطبع فإن غياب ضمانات دستورية لحكم يستند إلى السيادة الشعبية المنتخبة بشكل حر هو الذي يدعو لإنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان، آخذين بنظر الاعتبار : الفصل بين السلطات وتشكيل محكمة دستورية عليا وقضاء إداري وتأكيد حق التنظيم السياسي والنقابي وصياغة القوانين الجنائية على قاعدة لا تنتقص من حقوق الإنسان. باختصار، فالأمر بحاجة إلى توفير ضمانات داخلية وكفالة لرعاية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولا شكّ أن تلك الضمانات ستتعزز بوجود محكمة عربية، تكون مرجعاً لأي انتهاء أو عند وقوع أي اعتداء على أي حق أو حرية. وقد حاولت بلورة ذلك لعرضه في كتابي الذي صدر عن حسين جميل الموسوم جذور التيار الديمقراطي  في العراق مع عنوان فرعي  هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟ الصادر في العام 2007.

 

والأمر يستند أيضاً، إلى ما بعد الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول (ديسمبر) العام 1948، أي إلى العهدين الدوليين، اللذان هما اتفاقيتان ملزمتان وشارعتان، أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها، وهذان العهدان صدرا في العام 1966 ودخلا حيّز التنفيذ في العام 1976.

 

لقد ترافقت الفكرة لتأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان بالدعوة التي وجهتها الأمم المتحدة بمناسبة مرور 20 عاماً على صدور الاعلان العالمي، وعقد مؤتمر طهران لحقوق الإنسان العام 1968، وتضمنت تلك الدعوة تأسيس لجان دائمة، وهنا تشكّلت  اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية، لكنها بقيت محصورة في إطار حقوق الشعب العربي الفلسطيني. وظلّت فكرة إنشاء ميثاق عربي لحقوق الإنسان تنام وتستيقظ من العام 1971 ولغاية العام 1994 حيث أقرّ مع تحفظات لسبع دول، لكن اتساع رصيد الفكرة دعا الدول العربية لإعادة مناقشة الميثاق وتعديله حتى أقرّ في العام 2004 ودخل حيّز التنفيذ في العام 2008.

 

إن إنجاز تأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان، سيكون خطوة مهمة وإيجابية على صعيد مستقبل احترام حقوق الإنسان في العالم العربي، ولهذا فقد أوصى إعلان البحرين الذي جمع نخبة من الخبراء ونشطاء المجتمع المدني والعاملين في المؤسسات الوطنية، إضافة إلى قضاة من المحكمة الأوروبية والأمريكية، بالسماح للأفراد والمنظمات غير الحكومية العاملة بصفة قانونية، والمؤسسات الوطنية، اللجوء إلى المحكمة العربية لحقوق الإنسان، وهذا يعتبر تطوّراً مهماً وستكون له تأثيرات مستقبلية كبيرة على حال حقوق الإنسان.

 

كما أوصى المؤتمر على حق المواطنين والمقيمين في اللجوء إلى المحكمة وهذا تطور آخر، إضافة إلى تأكيد استقلال المحكمة الكامل عن أية جهة حكومية، وعدم تجديد مدّة القضاة وتعيين قاضيات أيضاً، وأن تكون المرجعية القانونية هي القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهذا هو أهم نص يتم تثبيته، أي أن تكون الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هي الفيصل في الحكم والخلفية القانونية والفكرية التي ينبغي الاستناد إليها واعتمادها، إلى غير ذلك من شروط المحاكمة العادلة، مؤكدين ضرورة اتباع ستراتيجية عربية لحقوق الإنسان، تتشارك فيها الدولة مع مؤسسات المجتمع المدني، ونشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان.

 

إن إعلان البحرين والتوصيات التي صدرت عن مؤتمر المحكمة العربية لحقوق الإنسان، تصب بالاتجاه الصحيح، ولاسيّما إذا روعيت مطالبات مؤسسات المجتمع المدني وبعض تحفظاته، وستكون تلك خطوة تاريخية.