حضرة العمدة‮ ‬يتناول مواضيع تربّى الناس على أخطائها

حضرة العمدة‮ ‬يتناول مواضيع تربّى الناس على أخطائها

ميونخ‮ – ‬نهاية إسماعيل بادي‮ – ‬هيثم نافل والي
في‮ ‬أجواء عربية‮ ‬غاية في‮ ‬الكذب،‮ ‬والنفاق؛‮ ‬يفوح منها التناقض البغيض بشكل لا‮ ‬يطاق،‮ ‬وأقل ما نصفها بأن المعجب بك هناك أول من تنتظر في‮ ‬الظهر طعنته‮! ‬وإذا أردنا أن نصف أكثرهم إيماناً‮ ‬كما‮ ‬يدعي،‮ ‬نجده‮ ‬يحمل صفات‮ ( ‬خارون‮ ).. ‬ذلك الشخص الخرافي‮ ‬في‮ ‬الأسطورة الإغريقية الذي‮ ‬يستقبل الموتى الواصلين إلى باب جهنم فيغبر بهم في‮ ‬قارب إلى العذاب الأبدي‮.. ‬في‮ ‬حين تسحق الغيرة الأغلبية،‮ ‬ويذلهم اليأس من ذلك الواقع المريض الذي‮ ‬يحيون فيه بإرادة‮ ‬غير واعية تفتقد اليقظة في‮ ‬أغلب الأحيان،‮ ‬وكما لا‮ ‬يخفى لثمرة الجنون ضحايا‮! ‬في‮ ‬هذه الأجواء‮ ‬يبصر النور،‮ ‬شعاع من الأمل،‮ ‬سيدة وقورة تسندها وتستقدمها الرأسمالية المسيطرة لتخدم مصالحهم كما كانوا‮ ‬يخططون ويتوهمون‮.. ‬العمدة الذي‮ ‬سيغير قواعد لعبتهم التي‮ ‬بها‮ ‬يتباهون ويفتخرون‮.. ‬فأليكم الحكاية من البداية‮: ‬فاجئنا مسلسل‮ (‬حضرة العمدة‮) ‬الذي‮ ‬لم نعتد على هكذا عمل في‮ ‬زمننا الراهن،‮ ‬فأجبرنا للحديث عنه لروعته ودقة وجرأة معالجاته الاجتماعية حتى‮ ‬يمكننا وصفه بأنه بلا ريب عمل متكامل،‮ ‬ثقافي،‮ ‬تربوي‮ ‬من العيار الثقيل لِما‮ ‬يحمل من كم هائل من الرسائل لواقع كساه بغفلة رداء الخزيان والنسيان والناس منه وبأمره وبأمرهم جاهلون‮!‬
تهنا وضعنا من كثرة تناوله لمواضيع عدة قاهرة تربى الناس على أخطائها وعاشوا في‮ ‬ضلالها حتى جاء هذا العمل وظهر بذكاء قوة معالجاته الجذرية التي‮ ‬شعرنا وكأننا تحت رجة كهربائية كوننا نواجه مجتمع نخرته آفات العادات والتقاليد التي‮ ‬عفا الدهر عنها وغسل‮ ‬يده منها‮! ‬لكننا مازلنا نمارسها مفتخرين بوجودها وهي‮ ‬سبب تخلفنا،‮ ‬جهلنا مرضنا،‮ ‬فقرنا وتراجعنا الذي‮ ‬يسحبنا لمتاهات تشويه هوية الإنسان وجعله مسخاً‮ ‬الخرافة‮.‬
اغتيال أحاسيس ذلك الكائن بطرق‮ ‬غير شرعية وهمية جعلته لا‮ ‬يشعر بفروق مظاهر الحياة أو حتى أن‮ ‬يتذوق طعمها،‮ ‬وإلا لماذا نحيا؟‮! ‬فهل الحياة لا تعاش إلا من خلال المرور بطريق الموت؟ هكذا هم‮ ‬يفكرون وفي‮ ‬ذات الوقت‮ ‬ينزعون منهم رداء أخلاق الأجداد من شهامة،‮ ‬نخوة،‮ ‬تسامح،‮ ‬وتضحية فأصبحنا شبه عارين منها ولا‮ ‬ينقصهم بعد سوى ريشة فوق رؤوسهم كيلا‮ ‬يتحركون‮! ‬تضارب صارخ واضح في‮ ‬كل شيء فإلى أي‮ ‬منحدر نحن منزلقون؟‮ ‬
نعترف بأن بعضها دس لنا مع العسل،‮ ‬هضمناه فأمسى جزءاً‮ ‬منا،‮ ‬لا‮ ‬ينفصل عنا كالدماء التي‮ ‬تسري‮ ‬في‮ ‬عروقنا‮! ‬الصدق‮ ‬غلفه الكذب،‮ ‬طواه الزيف تحت ذريعة الخداع‮. ‬الحب بات لا‮ ‬يختمر إلا مرادف لرمز الأنانية والمصالح الشخصية‮. ‬والتضحية لا معنى لها سوى جمع المال وملئ الجيوب‮.. ‬هذا هو واقعنا وما آلت إليه حياتنا تحت حماية وأنظار الفاسدين الذين‮ ‬ينشرون الغرور الأعمى على أنه الحقيقة الربانية التي‮ ‬لا نقاش فيها رغم جهلهم المطبق بعلم الحياة‮! ‬يمكننا بسهولة بعد تفكير عميق أن نطلق على المسلسل بأنه صرخة ألم ووجع ضد ما أصابنا من تدهور أرجعنا إلى عصور لا ننوي‮ ‬الحديث عنها كونها معتمة،‮ ‬داكنة لها مرارة الظلم‮! ‬مسلسل معالجته سهلة،‮ ‬وأدواته بسيطة‮ ‬غير معقدة،‮ ‬يفهمها من‮ ‬يحرث الأرض بمعوله،‮ ‬لا‮ ‬يعرف إلا ترابها وطينها لوقعها المؤثر في‮ ‬الروح،‮ ‬فتلهم وتجعل الحجر‮ ‬يئن ثم‮ ‬يتفاعل معه‮. ‬تصريح صريح لثورة نفس الإنسان لتنصرها على ذاته المريضة بداء مستفحل نهش أخلاقه،‮ ‬ونخر عقله قبل قلبه وقاده لدهاليز مظلمة،‮ ‬حتى جاء ذلك العمل الذي‮ ‬يجعلنا نرفع القبعة له لينير دروب ذلك الكائن الذي‮ ‬عاش في‮ ‬حيز ضيق جداً‮ ‬من المعرفة،‮ ‬فلم‮ ‬ير نورها،‮ ‬ولم‮ ‬يلمس حروفها‮. ‬
‮ ‬بطلة مسلسل‮ (‬حضرة العمدة‮) ‬الممثلة القدير الشابة التي‮ ‬نكن لأدوارها كل تقدير واحترام‮ (‬روبي‮) ‬أجادت وبرعت بتوصيل كل تلك الرسائل من خلال دورها فيه‮. ‬نادت بأهداف سامية‮ ‬غاب عن الكثيرين منا نتيجة صخب مغريات الحياة‮. ‬حثت على التغير وفعلته‮. ‬سلطت الضوء على كواليس معاناة من لا صوت لهم‮! ‬لم‮ ‬يناد أحدٌ‮ ‬من قبلها،‮ ‬بأن‮ ‬يمكن للمرأة العربية أن تكون رئيساً‮ ‬لدولة‮. ‬فرضت العقاب على شيخ الدين وقتما‮ ‬يمارس التحرش ولحيته بطول‮ ‬يده‮! ‬رفضت إجبار الفتيات على لبس الحجاب لغير المسلمات‮! ‬رفعت شعار من‮ ‬يزرع‮ ‬يأكل،‮ ‬فخالفت قوانين الرأسمالية التي‮ ‬أتت بها فحاربوها خوفاً‮ ‬على مصالحهم من الانهيار نتيجة التنوير الذي‮ ‬كانت تقوم به بكل جرأة‮. ‬ندموا لأنها كانت وطنية حتى القاع والنخاع‮! ‬تحب أهلها وتربتها وماء وطنها وتعمل من أجلهم‮..‬
كيلا نبخص حق أحد الأبطال الذين لا‮ ‬يقلون أهمية في‮ ‬ظهور هذا المسلسل والذي‮ ‬سيكون أرشيف لا‮ ‬يستهان به‮. ‬مدرسة تعلم المدارس الأخرى كأعمال الزمن الجميل من الدراما المصرية‮. ‬
لسنا هنا بصدد الوقوف لتقيم أبطال هذا العمل الذي‮ ‬بقدر إظهار دور تلك المعالجة الدرامية الرائعة محاولين دق ناقوس الاهتمام والمتابعة لهكذا مسلسلات جادة لتغير راهن وضعنا والغوص بأغواره العميقة لأننا أصبحنا مهمشين،‮ ‬سطحيين نجري‮ ‬وراء‮ ‬غرائز التسلية والفكاهة التي‮ ‬لا تغني‮ ‬مجتمعاتنا،‮ ‬لا تقف عند محاولة تغير الإنسان بجرد ذاته والعودة لصوت ضميره الذي‮ ‬اغتاله بتطور واه،‮ ‬كاذب وغير حقيقي‮! ‬
أصبحنا نتهافت لصنع الرذيلة من خلال احتيال الكذب على الصدق،‮ ‬التسابق في‮ ‬صعود الترند بمستواه الهابط والتباهي‮ ‬بتعميم الخصوصية التي‮ ‬كانت منذ وقت قريب سورنا المنيع نحو عالم صحي‮ ‬حر متفتح،‮ ‬يرفض الظلم وينهي‮ ‬على الاعتداء الذي‮ ‬بات وسيلة من وسائل الصعود على الاكتاف‮! ‬كشف عن تفكك العلاقات البشرية التي‮ ‬لم‮ ‬يسبق لها مثيل وكأنها واقع مسلم به منذ القدم‮. ‬توحدنا بقصر النظر،‮ ‬وأصبح التبجيل والتصفيق بما‮ ‬يطرح من مسلسلات تشبع رغباتنا وترضي‮ ‬غرائزنا في‮ ‬سوق ليس له ذيل ولا رأس تحت مسمى الفن التجاري،‮ ‬فجاء حضرة العمدة ليضع حداً‮ ‬لهذا التجاوز على القيمة النفيسة التي‮ ‬تدعى الإنسان وما‮ ‬يقدر على إبداعه،‮ ‬فظهر كالرعد الهادر،‮ ‬والبرق الناصع وهو‮ ‬ينشئ ثقافة جديدة لم نعتد عليها بعد‮.‬