حرب بنتائج غير مضمونة في مصر : 351 منطقة عشوائية في القاهرة

20160613120513reup--2016-06-13t120355z_1637035530_d1aetjqxypaa_rtrmadp_3_egypt-housing.hالقاهرة -(رويترز) – تبسم الحظ لبياضة محمد فلم تعد تحتاج لقطع رحلتها اليومية لمسافة ليست بالقصيرة حاملة أوعية بلاستيكية لملئها بالمياه ونقلها إلى بيتها المتهالك غير المتصل بشبكات المرافق.
أصبحت بياضة تفتح الصنبور فتتدفق المياه بعد أن انتقلت مع أسرتها في الآونة الأخيرة للعيش في شقة مجهزة بأثاث جديد في مجمع سكني حديث مكتمل المرافق بحي المقطم بالقاهرة.
“أحلى حاجة هنا إن في أصلا بق مية (رشفة ماء)” هكذا لخصت بياضة بالعامية المصرية النقلة الكبيرة في حياتها.
قبل ذلك كانت الأسرة تعيش في منزل قديم في حارة ضيقة غيرممهدة بمنطقة الدويقة العشوائية المقامة على صخور جبلية آيلة للسقوط والتي أصبحت الآن في طريقها للزوال.
في نهاية الشهر الماضي افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المجمع السكني الجديد المخصص لسكان المناطق العشوائية الخطرة ويحمل اسم مدينة (تحيا مصر) بمنطقة الأسمرات في حي المقطم بشرق القاهرة.
وأسرة بياضة واحدة من بين عشر أسر من منطقة الدويقة التابعة لحي منشأة ناصر بشرق القاهرة سلمها السيسي بنفسه عقود شقق جديدة بمنطقة الأسمرات ليبدأوا حياة جديدة هناك.
وقالت بياضة لرويترز وهي تجلس في شقتها الجديدة حديثة الطلاء والمزودة بأثاث منزلي جديد قدمته لها الحكومة وتطل شرفاتها على مساحات خضراء وملاعب “أنا كنت فين وبقيت فين!”
وروت بياضة تفاصيل معاناتها مع مشكلة المياه وكيف كانت تخشى على أبنائها من المنطقة غير الآمنة وعلى مستقبلهم التعليمي.
ويبلغ عدد المناطق العشوائية “الخطرة وغير الآمنة” ومن بينها الدويقة نحو 351 منطقة أغلبها في إقليم القاهرة الكبرى الذي يضم محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية ويعيش فيها 850 ألف شخص تقريبا.
وقتل أكثر من 130 شخصا عندما انهارت صخرة جبلية فوق منازل بالدويقة عام 2008 وتكررت الانهيارات الصخرية لكن دون سقوط قتلى نظرا لإخلاء المنازل القريبة من هذه الصخور قبل سقوطها.
وقال السيسي إن إزالة هذه المناطق وإعادة إسكان قاطنيها سيتكلف 14 مليار جنيه (1.58 مليار دولار). لكنه يأمل ألا تتحمل الحكومة وحدها هذه التكلفة وطالب المصريين بالمساهمة في هذه المشروعات.
وينقسم مشروع تحيا مصر المخصص بالكامل لسكان العشوائيات الخطرة إلى ثلاث مراحل واكتمل بناء المرحلتين الأولى والثانية في نحو 11 شهرا فقط وتضمن 12 ألف وحدة سكنية بتكلفة 1.5 مليار جنيه.
وستفتتح المرحلة الثالثة عام 2017 ليصل إجمالي عدد وحدات المشروع السكنية الجديدة إلى نحو 20 ألفا. وأسهم صندوق تحيا مصر الذي أسسه السيسي عام 2014 لدعم الاقتصاد في تمويل المشروع مع محافظة القاهرة وصندوق تطوير المناطق العشوائية.
ويتوقع أن يصل إجمالي عدد سكان المشروع إلى 100 ألف شخص بعد اكتماله.
وعدد محسن عادل نائب رئيس الجمعية المصرية للتمويل فوائد تطوير العشوائيات فقال لرويترز إنه يسهم في وقف إهدار موارد الدولة من كهرباء ومياه شرب وطرق وأراض فضلا عن أنه يسهم في ضبط عمليات التوزيع العمراني على مستوى الجمهورية بشكل مخطط ومنظم.
وتابع أن عملية التطوير توفر مساكن وأماكن إقامة لفئات غير قادرة ماليا “وهو ما يسهم في تحقيق السلام الاجتماعي ورفع مستوى معيشة المواطنين” وحماية أرواحهم لأن المباني العشوائية لا تلتزم بمعايير السلامة.

* “الشكل غير لائق لمصر”
ويشكو سكان بالدويقة من أن عملية تخصيص الوحدات السكنية في الأسمرات يشوبها قدر من المحسوبية لكن المهندس أسامة حسن عبد الساتر نائب مدير مديرية الإسكان بمحافظة القاهرة قال لرويترز إن العمل يجري منذ عامين بالتنسيق مع حي منشأة ناصر لتحديد الحالات المستحقة.
وقال إنه تجرى عملية “بحث كامل وشامل عن السكان بحيث كل واحد يسكن في هذه المنطقة يكون مستحق للسكن.” وأضاف أنه يجري نقل الأسر من الدويقة للأسمرات تباعا.
ووفقا لدراسة نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوم الثامن من يونيو حزيران تبلغ مساحة المناطق العشوائية 38.6 بالمئة من الكتلة العمرانية لمدن مصر.
وذكرت الدراسة أن المناطق العشوائية تنتشر في 226مدينة بجميع محافظات الجمهورية من إجمالي 423 مدينة. وتخلو ثماتي مدن فقط من العشوائيات في أربع محافظات.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن ما يتراوح بين مليون ونصف ومليوني شخص يعيشون في غرف وعشش ملحقة بمقابر القاهرة نظرا لفقرهم وعدم قدرتهم على إيجاد سكن.
ولفت رجب مجاهد عبد النبي الاستشاري العام لمدينة تحيا مصر إلى أن المشروع يضم مركز خدمة مجتمع وتدريب لتأهيل السكان بهدف الحفاظ على الشكل الحضاري للمنطقة.
وقال لرويترز “هذه الناس مرت بظروف صعبة وهم في حاجة لنوع من التنوير والتثقيف عشان يندمجوا أكتر في المجتمع ويحسوا أنهم ليسوا مهمشين.”
ويجري العمل على إزالة وتطوير المناطق العشوائية في وقت يواجه فيه السيسي ضغوطا متزايدة لإنعاش الاقتصاد المتعثر والسيطرة على الأسعار لتجنب أي احتجاجات شعبية كبيرة كتلك التي أطاحت برئيسين سابقين في 2011 و2013.
ورغم جهود الحكومة لمكافحة الظاهرة لا يزال البناء العشوائي مستمرا في أطراف العاصمة.
بينما تقترب الدويقة ومناطق أخرى من الإزالة كان أحمد بائع الخضراوات الشاب يشارك جيرانه في بناء منطقة عشوائية جديدة بعدما عجز عن سداد إيجار شقة متواضعة كانت تؤوي أسرته الصغيرة في منطقة عشوائية قديمة تابعة لحي حلوان بجنوب القاهرة.
وأطلق أحمد وجيرانه اسم عرب البراوي الجديدة على المنطقة التي بنوا فيها منازلهم الجديدة وذلك لقربها من منطقة عرب البراوي التي كانوا يعيشون فيها في السابق.
وقال لرويترز خارج منزله الجديد ذي الطابق الواحد “الإيجارات في عرب البراوي محدش يتحملها وأنا وعيالي كنا بنلم طوب من الجبل عشان نبني البيت.”
وتتراوح الإيجارات الشهرية في منطقة عرب البراوي وعدة مناطق عشوائية مجاورة بين 400 و600 جنيه للشقة السكنية المكونة من غرفتي نوم وصالة وهو مبلغ كبير مقارنة بدخل السكان.
وحين زارت رويترز منطقة البراوي الجديدة كانت جرافات يستأجرها الأهالي تمهد أراضي مفتوحة على أطراف المنطقة تمهيدا لبناء منازل جديدة بصورة عشوائية.
ولا يملك الأهالي هذه الأراضي ويبنون عليها بنظام وضع اليد. ولا توجد في المنطقة أي خدمات أو مرافق أو طرق ممهدة.

* الأموات يرفضون الدفن فيها!
ويأمل السكان الذين يحصلون على الكهرباء بطريقة غير مقننة من الشبكة العمومية ويستخدمون صنابير عمومية لسد حاجتهم من المياه أن تلتفت الحكومة يوما ما لهم وتوصل لهم المرافق والخدمات.
وقال أشرف عبد الجواد (55 عاما) وهو عامل طلاء “حلوان كلها بدأت زينا (مثلنا) واحنا مش مستعجلين وراضيين بقليله. إن شاء الله هيبصولنا بعنيهم والدنيا هتروق وتحلى.”
وعن أسباب استمرار ظهور المناطق العشوائية رغم ما تبذله الحكومة من جهود لمكافحتها قال محسن عادل نائب رئيس الجمعية المصرية للتمويل “لغاية ما تقدر انك توفر فرص عمل جديدة ومناطق جديدة توطن الطبقات الأقل دخلا فيها فمن المحتمل دائما أن تفضل تظهر عندك مناطق بهذا الشكل.”