حرب الخليج الثانية عام 1991 جعلت تركيا للمرة الأولي عنصراً أساساً في أزمة الشرق الأوسط

حرب الخليج الثانية عام 1991 جعلت تركيا للمرة الأولي عنصراً أساساً في أزمة الشرق الأوسط
التوازن إزاء اليونان أهم أوراق أنقرة التاريخية في اللعب مع أوربا
د. محمد ياس خضير الغريري
تتابع الدراسة سياسة تركيا مع العالم الغربي والامريكي، ودورها في الشرق الأوسط:
حاولت تركيا تصحيح هذا الاختلال عن طريق تشجيع الاستثمارات الامريكية اذ بلغ حجم الاستثمارات الامريكية في تركيا من عام 1990 حتي عام 1999 حوالي 2240.08 مليون دولار فضلا علي تنشيط قطاع السياحة في تركيا. اذ ازداد عدد السياح الامريكيين بنسب كبيرة.
تعتبر الاستثمارات الامريكية في تركيا من الاستثمارات الكبيرة اذا ما قورنت بالدول الاخري، اذ بلغت نسبة هذه الاستثمارات في عام 2007 حوالي 3.3 بالمئة من استثماراتها الكلية، بينما كانت حجم استثمارات بريطانيا 2.0 بالمئة اما اليابان فكانت 3.2 بالمئة.
وبعد احداث 11 ايلول »سبتمبر« لم يتغير الوضع كثيرا بقدر ما تعمقت العلاقات الاقتصادية واثبتت تركيا اهميتها عن طريق مشاركتها في الحرب علي الارهاب.
من ذلكاستطاعت تركيا الي حد ما ان تطور علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة واستطاعت في الوقت نفسه عن طريق المساعدات والاستثمارات والقروض، ان تحسن اداءها الاقتصادي. وعن طريق الدعم الامريكي. استطاعت تركيا ان تطور قاعدة صناعية مهمة، فضلا علي انشاء الكثير من المشاريع. وتوجه عدد كبير من الشركات الامريكية الي الاستثمارات في تركيا، فكان احد اهداف تركيا من علاقاتها مع الولايات المتحدة هو الحصول علي الدعم الاقتصادي.
3 ــ كسب الدعم الامريكي في الانضمام الي الاتحاد الاوروبي
التوازن مع اليونان
لاشك في ان من اهم الاهداف الاستراتيجية لتركيا هو انجاز مسألة الانضمام الي الاتحاد الاوروبي التي شكلت ومازالت »حلم الاتراك« فقد كرست سياساتها للبحث عن السبل التي تكفل لها تحقيق هذا الطموح.
تعول تركيا كثيرا علي الدعم الامريكي في هذه المسألة بما للاخير من نفوذ وتأثير في دول الاتحاد الاوروبي. فضلا علي تحالف تركيا مع الولايات المتحدة الذي يوصف بالتحالف الاستراتيجي الذي يدعم توجه تركيا. ويذكر وزير الخارجية الامريكي الاسبق كولن باول ان تركيا صديق جيد وحليف جيد ونتمتلك شراكة جيدة معها،، وانا واثق انها سوف تستمر هذه الشراكة بالنمو والتطور في السنوات القادمة.
وقد اكد الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش»الاب« خلال زيارته الي انقرة في تموز / يوليو 1991 ان »تركيا بعد مرور عقد علي تبنيها لحكومة حرة اصبحت نجما صاعدا فياوروبا وهي بلد متحول اقتصاديا وسياسيا لذلك لا ينبغي ان تثار الشكوك حول استحقاق دخولها الاتحاد الاوروبي واتحاد غرب اوروبا. وانها يمكن ان تعتمد علي التأييد القوي للولايات المتحدة في هذا الشأن«.
يضاف الي ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية تستطيع التأثير في دول الاتحاد الاوروبي نتيجة العلاقات الاستراتيجية التي تربطه بهذه الدول التي ترسخت خلال حقبة الحرب الباردة اذ تميزت هذه العلاقات خلال تلك الفترة بانها علاقاتها معقدة علي المستويات السياسية والامنية في اطار حلف شمال الاطلسي، واقتصادية في اطار ما تقدمه الولايات المتحدة الامريكية لهذه الدول من مساعدات اقتصادية، وعن طريق مشاريع اعمار اوروبا. وبعد انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفياتي حاولت الدول الاوروبية ان تنتهج سياسة مستقلة بالاعتماد علي الامكانات السياسية والاقتصادية الذاتية لدول الاتحاد الاوروبي اذ دعا اغلب القادة الاوروبيين الي انه من الضروري ان يكون للاتحاد الاوروبي دور فاعل في السياسة الدولية وظهر ذلك عقب التطورات التي حدثت بعد احداث 11 سبتمبر 2001 وخصوصا بعد الاستجابة الكبيرة لدول الاتحاد الاوروبي في مساعدتها في حربها التي اطلقتها علي ما سمي بالارهاب.
لهذا فان تركيا تعتمد علي حد ما علي ذلك الدعم فضلا علي جهودها الذاتية في اجراء الاصلحات استجابة لشروط العضوية في الاتحاد الاوروبي.
كما ان من اهم العوامل التي حكمت التوجه التركي حيال الولايات المتحدة منذ فترة طويلة هو سعي تركيا الي الابقاء علي حالة التوازن في الصراع مع اليونان. فقد كان احد اهداف تركيا الاساسية هو منع اليونان من سب حلفاء جدد علي حساب تركيا، وخصوصا كسب تأييد الولايات المتحدة فالاخيرة تؤدي منذ فترة طويلة دور الموازن في هذه العلاقة المعقدة. لذلك سعت تركيا الي كسب تأييد الولايات المتحدة وتوطيد علاقاتها علي اكثر من صعيد فقد اعتبرت تركيا هذا الامر مصلحة حيوية لها وخصوصا بعد ان وطدت اليونان علاقاتها مع الولايات المتحدة.
تحقيق المصالح التركية في منطقة الشرق الاوسط
لقد ادركت تركيا منذ فترة الحرب الباردة ان اليونان دولة لها مكانتها عند دول اوروبا والولايات المتحدة الامريكية فهي تحظي بتأييد شعبي عند الجمهور الامريكي وهي بهذه المكانة تتفوق علي تركيا لذا كان من مصلح تركيا الاستراتيجية ان تقدم الكثير من التنازلات من اجل كسب حلفاء يضمنون حالة التوازن مع عدو تركيا التاريخي وساعد تركيا في ذلك مكانتها الاستراتيجية عند الولايات المتحدة عن طريق الادوار التي تقوم بها.
اتخذت العلاقات التركية مع دول الشرق الاوسط مسارا ديناميا قلما نجد له مثيلا في التاريخ وهذا يرجع الي التأثر الثقافي والسياسي عن طريق الخلفية التاريخية التي اثرت ومازالت في علاقات الطرفين فضلا علي مصالحهم يضاف الي ذلك انه كان للقرب الجغرافي الاثر البالغ في التأثير في طبيعة توجهاتهم.
ان سياسة تركيا حيال هذه المنطقة تتمحور حول ضرورة احتفاظها بموقع يؤهلها تأدية دور فاعل في هذه المنطقة. وبما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها. كالولايات المتحدة التي تنظر الي تركيا في اطار استرتيجيتها العالمية، وكوظيفة تؤديها ضمن هذه الاستراتيجيا، وخصوصا في ما يتعلق بالشرق الاوسط ولان تركيا وصفت بانها دولة مهمة من الناحية الجيواستراتيجية. فتناسق الاهداف والاستراتيجيات بينها وبين منطقة الشرق الاوسط سهل هذا الامر، وعزز وجهات النظر هذه التي تري ان بيئة تركيا هي ذات اهمية جيواستراتيجية، وهي الاهمية التي توليها الولايات المتحدة لهذه المنطقة.
وقد ادي زوال البنية الجامدة ذات القطبين لمرحلة الحرب الباردة الي تغيير راديكالي في سياسة الحوض القاري القريب من تركيا في مثلث الشرق الاوسط ــ القوقاز ــ البلقان. وكانت تركيا تسعي منذ الحرب العالمية الاولي الي عدم الانغماس التام في شؤون منطقة الشرق الاوسط. الا انها وجدت نفسها في خضم تفاعلات هذه المنطقة، وحولتت سياسة تركيا »عدم الانحياز« التي بدأت بالحرب العراقية ــ الايرنية عام 1980 الي سياسة فاعلة وطرف تدخل في اطار التدخل في شمال العراق، والتوتر مع روسيا والتعاون الاستراتيجي مع اسرائيل.
ويوجز احمد داود اوغلو منظور دور تركيا في منطقة الشرق الاوسط بقوله: “ان عدم التوازن الموجود بين الكلفة الامنية والمصلحة الاقتصادية، هو من الخصائص الاساسية للعلاقات التي بنتها تركيا مع المعسكر الغربي، وهناك شكوك حول وجود نية لتركيا بعيدة عن المحصول الاقتصادي للاتحاد الاوروبي لسنوات طويلة، رغم حملها للعبء الامني في الجناح الجنوبي لحلف شمال الاطلسي في الماضي بعيدا من الموارد الاقتصادية، كما انها تتقاسم العبء الامني لاسرائيل والدول الغربية في الشرق الاوسط في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ان تتبني دور الشرطي الامني في المنطقة من دون امتلاك الكلمة بشكل او باخر في ما يخص الموارد الاقتصادية في الشرق الاوسط، ومحاولة تحقيق الامن الداخلي بهذه الطريقة، يظهر كلعبة سهلة، لكنها مجازفة خطيرة ويجب علي تركيا ان تتساءل حول سبب وضعها في المقدمة المسائل المتعلقة بالترتيبت الامنية بدلا من الساحات الاقتصادية في سياسة الشرق الاوسط الجديدة”.
برز هذا الامر عقب انتهاء الحرب الباردة التي عندها بدا الحديث عن تراجع اهمية تركيا نتيجة زوال التهديد للدول الغربي، ولكن اعادة بروز اهمية تركيا بعد حرب الخليج الثانية كما ذكرنا سابقا، افاد تركيا اكثر من عبر الماضي اذ كانت هذه المشاركة لتركيا بمثابة فرصة تاريخية لاعادة اثبات اهميتها. وكما يذكر رئيس الوزراء التركي الاسبق تورغت اوزال في شباط »فبراير« 1991 “من منطلق التصور القائل ان اهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة الي الغرب سوف تنخفض بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو اخذت اوروبا تضغط علي تركيا في مسائل قبرص وحقوق الانسان وغيرها، ولكن ازمة الخليج اتاحت فرصة لدحض هذا التصور غير الدقيق”.
ان حرب الخليج الثانية عام 1991 بظروفها والنتائج التي افرزتها جعلت تركيا لاول مرة منذ سبعين عاما عنصرا اساسيا وجزءا لا يتجزأ من لعبة الامم في الشرق الاوسط، وذلك عن طريق عاملي النف والامن القومي التركي المتأتيين من تغييب سلطة الحكومة العراقية عن مناطق شمال العراق ومن نشوء نواة كيان كردي في ما يمس مباشرة الوضع الاستراتيجي لتركيا”.
كما اشار نجيب تورماتي رئيس الاركان العامة السابق الي ان “ازمة الخليج عبرت بوضوح عن حساسية واهمية الوضع الجيوبوليتيكي والاستراتيجي لتركيا التي تواصل دورها الحيوي كعنصر استقرار في المنطقة، وستظل في وضع يمكنها من مواجهة التهديدات ضد حلف شمال الاطلسي في جناحه الحيوي وتركيا القوية عسكريا واقتصاديا، ولاسيما بعد ازمة الخليج سوف تؤدي دورا حيويا في التغلب علي المشكلات الجديدة. اذ سيواجه الحلف في المستقبل القريب مخار تتصل بـ »الارهاب« والمخدرات والتعصب الديني وانتشار اسلحة الدمار الشامل ويمكن لتركيا ان تؤدي دورا فاعلا في مواجهة معظم هذه المخاطر.
حاولت تركيا ان تحقق مصالحها في منطقة الشرق الاوسط من منطلق قوة عن طريق تحالفاتها مع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الامريكية فكانت لها مصالح في منطقة الشرق الاوسط حاولت تحقيقها، واهمها:
أ ــ قضية الاكراد
لقد كانت هذه المشكلة موجودة منذ اواخر العهد العثماني واستمرت مع العهد الجمهوري علي شكل »انتفاضات« ولكنها لم تشكل خطرا كما اصبحت عليه منذ فترة الثمانينيات من القرنالعشرين وتصاعدت حتي التسعينيات وما زالت الي الوقت الحاضر. فقد واجهت تركيا حزب العمال الكردستاني خلال الحرب العراقية ــ الايرانية اذ بدأت عمليات هذا الحزب تتصاعد نتيجة فراغ السلطة الذي ظهر في هذهالحرب في المناطق الشمالية للعراق وايران. فتركيا تحاول منع اقامة دولة كردية في شمال العراق، وتسعي الي الحفاظ علي الوضع القائم انطلاقا من مصلحتها الاستراتيجية التي تحاول الحفاظ علي امن محافظتها الجنوبية، فضلا علي تحقيق ومنع تهديد مصالحها في شمال العراق.
لقد حاولت تركيا حل هذهالمسألة بشتي الوسائل، نتيجة الاثر السلبي في اقتصادها وامنها، فضلا علي علاقاتها الخارجية، وكما يذكر هنري ج، باركي الاستاذ في جامعة كولومبيا: “ان دولة لا تستطيع حل مشكلتها العرقية ليست بالحليف الذي يمكن ضمان الاستقرار وحماية عناصر التوازن،، ان النزع العرقي في تركيا هو بمثابة دعوة لها الي الانعزال عن علاقاتها بالغرب وهي بالتالي لا يمكن ان تكون العراب الاستراتيجي للولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في الشرق الاوسط”.
لذلك تسعي تركيا الي حل هذه المسألة حلا جذريا بشتي السبل وخصوصا باستخدام قواتها العسكرية للتدخل في الاراضي التي يمارس منها حزب العمال الكردستاني نشاطاتها،
ب ــ المشاركة فيعملية السلام في الشرق الاوسط
اثرت عملية السلام في الشرق الاوسط سلبا في علاقات تركيا بالدول العربية. هذا يرجع في بداية الامر الي عدم انغماس تركيا في احداث المنطقة في هذه المرحلة، وعدم دعوتها كعضو فاعل في الاجتماعات المتعلقة بالمجال الاقتصادي مما ادي الي ضعاف تأثير تركيا في المنطقة، فضلا علي قيام تركيا بتكثيف اتصالاتها وتحالفها مع اسرائيل، في الجانبين الامني والاستراتيجي وقد تبع ذلك الحديث عن اناء محور امني بين تركيا واسرائيل والاردن في منطقة الشرق الاوسط.
ويمكن تركيا ان تؤدي دورا كبيرا في عملية السلام في الشرق الاوسط بين العرب واسرائيل فهي تحظي بتأييد اسرائيلي وامريكي في الوقت نفسه ويعتبر شمعون بيريس ان »تركيا ايضا حليف مشترك لمواجهة الاصولية« وفي الوقت نفسه فان الولايات املتحدة تدعم تقوية علاقات بين تركيا واسرائيل التي حرصت علي تطويرها وهذا ما اكده تقرير الرئاسة الامريكية لعام 1997 الذي جاء بعنوان »الامن والسلام في الشرق الاوسط« اذ جاء في احدي فقراته انه في ما يتعلق بشؤون الشرق الاوسط يجب ان يكون واضحا الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للتعاون التركي ــ الاسرائيلي في مجالات الاقتصاد والدفاع التي ترجمت عن طريق خمس اتفاقيت وقعت عام 1996«.
لقد شاركت تركيا منذ عام 1992 في محادثات متعددة بشأن »العملية السلمية« في الشرق الاوسط، وخصوصا في المحادثات المتعلقة بالنمو الاقتصادي والمياه والحد من التسلح وبعد ان رفعت تمثيلها الدبلوماسي لدي كل من منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل الي مستوي السفراء في كانون الاول »ديسمبر« 1999 سعت انقرة الي اقامة علاقات اقتصادية وسياسية اوثق مع الفلسطينيين عن طريق العون في مجال الاسكان وغيره من البني التحتية فضلا علي ذلك فقد تبادلت تركيا والسلطة الفلسطينية زيارات ووفودا رسمية عالية المستوي كما شكل اتفاق اوسلو في ايلول سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل عامل دفع لعلاقات تركيا مع اسرائيل.
حاولت تركيا من سياستها تلك فرض حضورها في هذه المنطقة او اعادة احياء ادوارها السابقة كونها ذات تاريخ مشترك مع شعوب هذه المنطقة.
ج ــ قيادة دول منطقة الشرق الاوسط في ظل مشروع الشرق الاوسط الكبير
تستند الاستراتيجيا الاساسية لمشروع الشرق الاوسط الكبير الي منهج عسكري رغم وجهته السياسية وتعتبر حرب الخليج عام 1991 اول ممارسة علي ارض الواقع لهذا المشروع لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وقد هيأت هذه المرحلة ارضية لاحتلال العراق في الوقت الراهن. فضلاعلي ذلك قد كتبت مستشارة الامن القومي الامريكي ــ وقتئذ كوندوليزا رايس في 17 اب 2003 عن تغيير الشرق الاوسط كما تحدث بعد ذلك الرئيس الامريكي جورج دبلو بوش في 6 تشرين الثاني 2003 عن استراتيجية تحرير الشرق الاوسط.
/2/2012 Issue 4121 – Date 13- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4121 – التاريخ 13/2/2012
AZP07