حديث عن وحيد الدين بهاء الدين

حديث عن وحيد الدين بهاء الدين

وجوه تركمانية في رحاب الثقافة والأدب

شكيب كاظم

تعود علاقتي الثقافية والمعرفية مع الأديب العراقي التركماني الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين (1929- ) إلى سنوات بعيدات، إذ كانت تمتعني قراءة ما يكتب هذا الرجل، أسلوب أنيق رشيق، ولغة عالية مكتنزة بالبهاء والرواء، ومازال عالقا في ذهني عنوان كتابه الذي خصصه للحديث عن الدكتور مصطفى جواد ـ رحمه الله ـ الذي وجدته معروضا في واجهة المكتبة العصرية في شارع الكتب، شارع المتنبي ببغداد، وعنوانه (مصطفى جواد: فيلسوف اللغة العربية وخططي بغداد الفرد)، المطبوع بمطبعة النعمان بالنجف عام 1971، والخَطَطْ: لمن لا يعرفها، العلم الذي يعتني بصورة مدينة ما، وما كانت تحتويه من مبان ومنشآت ومقابر ومدارس، ودراستها وتبيان ما طرأ عليها من تغيرات خلال مسيرة الزمن.

أي محاولة تقديم صورة عن حال مدينة ما للأجيال الجديدة، وبقيت اقرأ ما يكتب هذا الأديب الكاتب، الذي لم التقه أو أتعرف إليه أسفاً، ومازلت احتفظ ضمن أرشيفي الورقي المستل من الصحف والمجلات، بعديد مقالاته ودراساته، فضلا عن مقالات العديد من الأدباء والباحثين والنقاد في العراق مثل: الدكتور علي جواد الطاهر، حارث طه الرواي، عبد المجيد الشاوي، عبد الحميد الرشودي، الشيخ جلال الحنفي البغدادي، الباحث المتمكن الدكتور كامل مصطفى الشيبي الأديب عبد المجيد لطفي وغيرهم.

ولقد أعارني صديقي الشاعر الغِرّيد عبد الخالق فريد، وقد استذكرنا الأديب وحيد الدين بهاء الدين، أعارني كتابه الذي أهداه إليه والموسوم بـ(وجوه تركمانية في رحاب الثقافة والصحافة)، الصادرة طبعته الأولى سنة 2008 وهو من إصدارات نادي الإخاء التركماني nالمركز العام- بغداد، واشتمل على دراسات عن شخصيات ثقافية عراقية، وظواهر ثقافية، ولقد تحدث الأستاذ المنشئ الأنيق وحيد الدين بهاء الدين بكل الشكر والعرفان عن عدد من أساتذته أيام الدراسة المتوسطة والثانوية، مما أعاد إلى ذاكرتي الكتاب الرائع الجميل، الذي نشره أستاذي الدكتور علي جواد الطاهر، وتحدث من خلاله عن أساتذته، سواء الذين درّسوه حقا ومنهم: الدكتور مصطفى جواد، الدكتور محمد مهدي البصير، فقيه النحو الأستاذ طه الراوي، والأستاذ محمد احمد المهنا أو أولئك الذين درس مؤلفاتهم وكتبهم، فأصبحوا والحالة هذه أساتذة له، ومنهم: الدكتور طه حسين، محمد غنيمي هلال، والباحث الرائع الذي لم يأخذ حقه من سيرورة الذكر، الأستاذ طه احمد إبراهيم، صاحب الكتاب الرائع والوحيد (تاريخ النقد الأدبي عند العرب) محمد صقر خفاجة، والناقد مصطفى عبد اللطيف السحرتي وغيرهم، نشر أستاذي الطاهر هذه المقالات على صفحة (آفاق) جريدة (الجمهورية) وكانت صفحة (آفاق) تتمتع ببعض حرية منتصف العقد الثمانيني من القرن العشرين، وأعاد نشرها بكتاب عنوانه: (أساتذتي. ومقالات أخرى) نشرته له بطبعته الأولى دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1987.

حديث الكتاب

الأستاذ الأديب وحيد الدين بهاء الدين، يتحدث في كتابه عن بعض أساتذته – كما قلت- ومنهم أستاذه قاسم مصطفى الصالحي، فضلا عن العديد من الأدباء والكتاب منهم: موسى زكي مصطفى، ذلك المربي الأديب، وياسين عبدالكريم نابغة من تلعفر، والسيد إبراهيم السيد احمد ويرسم صورة قلمية بلا إطار لخورشيد كاظم البياتي وجمال عزالدين عبر حطام الذكريات، ومحمد مهدي خليل كما عرفته، وعبد القادر سليمان أصالة ونبالة، وعبد المجيد القطب، والمذيع والأستاذ الجامعي سنان سعيد والأديب الكاتب قحطان الهرمزي.

ما أردت الحديث عنه، المستوى العلمي في العراق، قبل ان تضربه الانقلابات وتحطمه، وقبل كارثة الزحف سنة 1958، حيث نقل كل الطلاب الراسبين في العام الدراسي 1957-1958 إلى صف أعلى أسوة بالنابهين والجادين، فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، في سابقة خطرة ضربت العملية العلمية والتدريسية في العراق، في الصميم كما ضربت تأميمات عبد السلام عارف المرتجلة الاقتصاد العراقي بقرار التأميم الصادر يوم 14/تموز/1964، واذاعها من شاشة التلفاز العراقي الدكتور خير الدين حسيب.

من المعروف للدارسين، ان المدارس ما كانت منتشرة أواخر العهد العثماني، إذ كان (الملا) يتولى تعليم بعض الأطفال القراءة والكتابة، وإذ انشئت الدولة العراقية في 23/آب/1921، كانت الحاجة ماسة إلى من يشغل الوظائف الجديدة، فأصبح الاختبار يجرى لمن يعرف القراءة والكتابة وخضوعه لامتحان الدراسة الابتدائية الوزاري كي ينال شهادة الدراسة الابتدائية، ومنهم المرحوم أبي، الذي دخل الامتحان الوزاري منتصف العقد الثلاثيني من القرن العشرين، ونجح ليعين موظفا سنة 1939 في الموصل، الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين يحدثنا حديثا ضافيا وصافيا عن أستاذ اللغة العربية، قاسم مصطفى الصالحي، في ثانوية كركوك للبنين، كان أستاذاً له يوم كان وحيد الدين في الصف الأول المتوسط، ثم نهل العلم على يديه في الدراسة الإعدادية، وأخيراً في دورة اعداد المعلمين، يزورهم المفتش الاختصاصي بوزارة المعارف الدكتور خالد الهاشمي، فيجد الأستاذ قاسم مصطفى الصالحي منهمكا في تدريسهم مبحث (الفاعل) لقد اعجب خالد الهاشمي بما شهد ولمس من اصالة الاستاذ قاسم مصطفى الصالحي وتضلعه في مادته، ولم يجد ما يعقب عليه او ينبه وغادر الصف رافعا يمناه ملوحا بانشراح قائلا: أشكرك، أشكرك كانوا يسألونه، الطلاب يسألونه في مسائل نحوية عويصة ويجدون عند قاسم مصطفى الصالحي الجواب، هذا الرجل الذي لم يدرس في كلية أو معهد أو دار معلمين، يسألونه عن إعراب (بسم الله الرحمن الرحيم) وعبارة (جيد جدا) و(أعرب ما يأتي) و(القلب والوعـد) و(صباح الخير وغير ذلك.

ثناء علامة

هذا الأستاذ الضليع الذي ما درس في كلية أو معهد ينال ثناء العلامة الشيخ محمد بهجة الأثري، الذي كان يزور محاضراته، يوم كان الأثري مفتشا اختصاصيا للغة العربية بديوان وزارة المعارف، هؤلاء الأساتذة الأجلاء، على الرغم من علميتهم وإمكاناتهم، كان يجرى اختبار لهم، لكن من الذي كان يختبرهم؟! ولنقرأ الأسماء، ولنَزْهُ فرحا، ولنبك على حال العلم والمستوى الدراسي الآن في العراق، أرى طلبة الجامعة، جامعة بغداد، وما رأيت احدهم يحمل كتابا، كنا نباهي ونفخر بحمل الكتب، ونزهو، أراهم يحملون وريقات، ملازم بائسة واعابثهم مرات وأشاكسهم، ما هذا؟ مقارنا بمستوانا العلمي، لكنهم nغالبا- يعللون الأمر، بالحال الذي آل إليه البلد، حروب وحصار وهجرة العقول… و.. و.. لقد كان يختبره والآخرين من زملائه في المدرسة يختبره، عز الدين آل ياسين في علم النحو، وعبد الرزاق محيي الدين في البلاغة، وهما، ما هما عليه من علم وإخلاص، وبهذه العقول بني العراق وتقدم وتألق، وبذهاب هذه العقول واقصائها ذر الجهل قرنه وساد.

إنها صور للعظة والاعتبار، من زمن ما أحسنا إليه كما أحسن إلينا فأذهبه الانقلاب الخمسيني الأول، فذهب الخير والعدل والعلم و.. و..بذهابه.