حدث يشبه الصاعقة – خالد عبد الغني

السرد السينمائي في مثلث الموت

حدث يشبه الصاعقة – خالد عبد الغني

مثلث الموت لـ على لفتة سعيد رواية تحكي أحداثها مغامرة أربعة صحفيين وهم منتظر وسلام وأحمد وخضير؛ الذين ركبوا مغامرة البحث عن الخبر من مصدره؛ في ظروف سياسية خطيرة ومعقدة في العراق حيث القتل على الهُوية؛ بأوامر من رجال الدين الذين يفسرون الدين على هواهم ورجال السياسة الذين يصنعون الأحداث لمصالحهم الذاتية لنستخلص الحكمة الأخيرة وهي “لا تثق برجل الدين ولا السياسة” فالسارد يقول عن منتظر:” ولا يريد أن يكون كبش فداءٍ لانتقاده الحكومة بعدم حماية أرواح الناس من الخطف والقتل، في الطريق الذي شهد خلال سنوات ماضية عمليات قتل على الهوية ما لم تشهده الطرق الأخرى في العراق.(ص 337).

         والرواية في شكلها الأولي أكثر تعقيدا من حيث تركيبها الهيكلي، وهي تتعامل مع التجارب البشرية لرجل الدين والسياسة والإعلام من خلال سلسلة من الأحداث يقدمها عدد من الأشخاص في زمان ومكان معين، ولا يقف الحد على أن أحداثها متشعبة وكثيرة إلا أنها تقدم مواضيع عدة تعكس أنواعها والرواية مليئة بالحالة العاطفية، والدينية والتاريخية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية،… الخ، وبالرغم من واقعيتها على أحداث قد تكون تمت في العراق إلا أنها بطبيعتها وموضوعاتها قد تكون تنتمي كفن قومي للمنطقة العربية كلها، بمعني أنها من أبرز التعبيرات الفنية عن نضج الإحساس بالشخصية القومية العربية المتميزة.

       ولكن بالرغم من تلك الواقعية – في الزمان والمكان والشخوص والقضايا – وهذا ما قد اهتم به كثير من النقاد فتولوا تحليل الرواية في تلك الأبعاد ، بيد أن ما لفتنا في الشكل الفني للرواية هي اعتمادها على طريقة السرد السينمائي (السيناريو)، وما أحسب أن المؤلف قد حدد ذلك عن قصد فتجربة الإبداع في بعدها اللاشعوري منبثقة في جانب كبير منها من اللاشعور ومن الإلهام هذا بالطبع إلى جانب التخطيط والدقة والتنظيم …إلخ .

معنى السرد

والسرد السينمائي  مرادف لمعنى السرد في الفن  الروائي أو القصصي فهو البناء الذي تصب فيه “وحدة الموضوع” أو “حبكة القصة” .. ومجموعة الإشارات التي تُترجِم الحركة المُتخيَّـلة إلى مجموعة من المَشاهد المكتوبة على صفحات السيناريو .. ففي النص الروائي – يكون التعبير الظاهري عن الأحداث والشخصيات قائما على مبدأين هما : المقروء ، المتخيل ) .. بمعنى أنه يعتمد على القراءة أولا لفهم المضمون ومن ثم التخيل لوضع الصورة الشكلية لهذا المضمون .. أما في النص السينمائي فإن ترجمة التعبير تكون ظاهرة في ركائز ثلاثة هي المرئي ، المسموع ، المتحرك .. بمعنى أن يكون التعبير عن الحدث ظاهرا في توفير الدلالة البصرية ، الصورة بكل أشكالها والسمعية الحوارات والمؤثرات الصوتية .. والحركية تفاعل الصورة مع المضمون والذي ينتج عنه شفرات ومدلولات المَشاهد والأحداث.. وهذا التطور الذي صاحب عملية كتابة السيناريو السينمائي وفصله عن عملية الإخراج وجعله مستقلا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به قد مر بمراحل عديدة .. حيث استمر النص السينمائي لفترة طويلة كمجموعة ورقات لا تـُكتب إلاَّ لإثبات خطوات الفيلم وأحداثه وحبكته القصصية حيث كان يخضع لمعايير الإخراج التي تعتمد على توفير الجمالية التصويرية .. هذا الأمر الذي بدأ – تحديدا – منذ السينمائي الكبير ديفيد غريفيث الذي ابتكر أساسيات اللغة السينمائية باعتماده على رواية القصص عبر ترتيب اللقطات والمَشاهد بلغتها التصويرية بدلا من الكلمات .. واستمر على ذلك رائد فن الجمال السينمائي الروسي آيزنستاين الذي كان  ينظر الى السينما ليس كفـن درامي وإنما كفـن ملحمـي .. من حيث البناء الفني .. ومن هنا فانه كان ينظر للفيلم السينمائي ككل متجانس .. وبالتالي فانه كان يسعى للابتعاد بالفيلم السينمائي من ساحة “الأدب” وأشكاله الفنية. واثقا بغنى ” اللغة السينمائية”  التي تخلق جمالية الصورة .. إلا أن النقاد والكتاب والسينمائيين الذين أتوا من بعده بدؤوا يدركون أهمية السيناريو السينمائي وأهمية تفرده بأساليبه السردية التي يجب أن تكون ظاهرة في بناء الفيلم .. إلى أن دخل الصوت في السينما فجعل السيناريو ركنا أساسيا لا يقبل الجدل .. حيث تفرد حينها بخصوصيته التي أصبح يقوم على أساسها الفيلم السينمائي ورغم ذلك التوافق – الضمني – بين النص الأدبي والسينمائي في تعريف السرد .. إلا أن عملية السرد في النص السينمائي تتميز على النص الروائي بالمساحات الشاسعة التي يمنحها النص السينمائي بجمعه لجميع الفنون الإنسانية ونقله لها من أُطُرها المعرفية التعبيرية الخاصة بها إلى كونها أدوات وعناصر تساهم في تكوين اللغة السينمائية .. بمعنى أنه صقلها وأعطاها شكلا سينمائيا ذا خصوصية .. مما منح عملية السرد مساحة حرة كافية لتشكيل كيفيتها وأشكالها بما يكفل لها الخروج بصيغة نهائية متكاملة

ملامح السيناريو

 تتجاوز الرواية عدد الكلمات 61431 وتقع في 341 صفحة وتضم 44 فصلا ، وكل فصل مقسم على الاقل على ثلاثة أو أربعة مشاهد لنكون أمام 160 مشهدا كحد أدني ، وهذا الشكل الفني من التقطيع والمشاهد يصل بنا إلى أننا امام سيناريو فيلم سينمائي بلا شك. وأما عن التصوير الفني لتلك المشاهد فيكفي أن نضع بعض المشاهد لتعذر ذكر الكثير منها لنرى كيف وصف المؤلف المشهد ليس كجزء من عمل أدبي روائي ولكن كسيناريوا وحوار بل وديكور وحركة ممثلين وموسيقى ..الخ من بقية أدوات السرد السينمائي ففي البداية مشهد أولى يقول المؤلف :”  شمول: الوثيقة التي عثر عليها في دائرة الاستخبارات،كانت قد شكلّت ما يشبه الصاعقة التي أربكت كل الثوابت وجعلت الفوضى في الأفكار تدب في هيجان غير محمود..الوثيقة المكونة من خمس صفحاتٍ هي جزءٌ من ملفٍ مبعثرٍ كان قد حمله لأنه وجد فيه أسماء وعناوين وتقارير موجعة.. قال في حينها لعله يفيد في يوم ما حين يتعرف على من وردت أسماؤهم فيها) (ص 7). وبقية المشهد موجودة في متن الرواية لنرى فيه المكان والموسيقى والمؤثرات الصوتية ..الخ.        وهذه بداية مشهد اخر :” كانت الحديقة الطولية في نقابة المعلّمين التي تقع وسط المدينة قد امتلأت بالحاضرين..خليط من أدباء ومثقفين ومسؤولين سابقين وصحفيين ) (ص 9).    وهذا مشهد معبر عن حركة ومشاعر نفسية وتناقضات وجدانية :

    ”  كان عليه أن يصلّي فجراً هذه المرة..شاكراً وحامداً ربه لأنه استجاب لدعائه وأنقذه من قتلٍ محقق..ورغم غمزات المسلحين من أنه توضأ ليصلى الفجر ربما لأول مرة في حياته.. وأنه لجأ الى الله حين كان في ضيق، إلّا أنه تركهم يصطفون في الباحة الأمامية يؤمهم أبو عبد الله فيما راح هو يصلي وحده في الغرفة، سابلاً يديه، رافعاً راحتيه المفتوحتين في نهاية الصلاة ليرتل الشكر..كان قبلها خائفاً ألّا يقبلون بصلاته ويعدونها مخالفة لهم وللدين فكان أسرع منهم ..مانحاً نفسه دقائق معدودة ليتحرك بحرية لم يعهدها منذ أكثر من 20 ساعة . (ص (323   حوار مبكر لنجد الرواية في طولها وعرضها مليئة بالحوارات كأحد أدوات

 السرد السنمائي

“كان سلام يرقب بعينٍ مفتوحةٍ وأخرى متفحصة كلّ هذه الجموع التي يراها..إلتفت إلى زميله منتظر الذي سبق له أن جاء إلى هنا، وهو يحاول إيجاد مكانٍ لترك سيارته،دون التعرض إلى الممنوع ويتم سحبها ومصادرتها من قبل الشرطة الراجلة أو سيارات النجدة أو رجال الحمايات المنتشرين في كل مكان.

    قال منتظر :

  • من الأفضل أن نضعها قرب سيارة النجدة.

اقترب من رجال الشرطة الجالسين بداخلها :

  • السلام عليكم.

ردّ عليه ضابط المفرزة:

  • وعليك السلام.
  • أنا منتظر صحفي ولدي لقاء ومقابلة مع السيّد، وأريد ترك سيارتي هنا.

كان منتظر يقدم هويته الصحفية إلى الضابط ذي الرتبة الصغيرة الذي التفت إلى سلام هو الآخر:

  • هل أنت صحفي أيضا؟

أراد سلام ممازحة الضابط فرد وابتسامة ساخرة تعلو وجهه:

  • وما قولك أنت ..أليس في ملامحي ما يدل على إني صحفي؟.

لم يضحك الضابط وكأنه مجبر على التواجد هنا.

  • أرجوك أخي نحن هنا نعمل لحمايتكم .

أطلق تأففاً..ثم قال بهمس سمعه سلام:

  • لو أن كل رجل دينٍ أو مرجعيةٍ أو حزبٍ ينظم احتفالاً أو تجمعاً فلن نشهد الراحة أبداً.(ص .(14

 وهذا شكل من أشكال الحوار السينمائي لنجد من خلاله تفاصل الصورة والحركة والمؤثرات المختلفة  أيضا :

”   لكن أحد شيوخ الدين وهو قصير القامة تطير عباءته المائلة إلى الاصفرار خلفه، ويطير التراب من حركة حذائه الخاص برجال الدين المغلق من الأمام والمفتوح من خلفه بما يشبه النعال..سألهما:

  • إنْتمْ صحفيين)؟

رد عليه منتظر:

  • نعم.
  • هل جئتما للحصول على البركة والمبايعة أم لشيء آخر؟

     لم يبدأ بعد الإندهاش الكبير..وسلام يفكر بما يجري أمامه من هذه الأمور التي لم يدركها،ويتحدث عنها..خائفاً من مخاطرٍ تزداد كلما تحولت الأشياء من حالتها الطبيعية إلى شيءٍ مقدسٍ وحتمي،تصل إلى حد التضحية بالنفس.

قال منتظر.

عفوا شيخنا أنا أنتظر مجيء المصور وأطلب المساعدة في إجراء حوار أو مؤتمر صحفي لنبكر بإرسال التقارير إلى مؤسساتنا (ص  .(16-15  وهذه هو مشهد الختام  السينمائي / الروائي تظهر فيه ملامح السرد السينمائي كاملة الشخوص والحركة والألوان والتعبيرات الوجهية مثل الخوف والهلع والترقب والمكان والأريكة وضيق المساحة والسؤال الأخير أين اختفى سلام؟ ليصبح سلام رمزا على اختفاء السلام في العراق: “إلتفت المحافظ..رأى عينيه المتورمتين الحمراوين..كأن هرجاً ومرجاً تصارعا طوال الليل فأحال تجاعيد وجهه المعجونة بنعومة المسؤولية الى رجلٍ منهك..بانت لحيته التي لم يحلقها كما هي عادته يومياً..شاهد حزناً شديداً في عيني المحافظ..قال:

  • لا أرى إلا خبراً حزيناً.
  • بل قل كارثياً أيها الصحفي الهمام.

 لم يرد عليه..لكن المحافظ واصل الحديث.

  • أريدك أن تذهب الى المشرحة..وعليك تقع مسؤولية إبلاغ عائلتيهما..

      سقط منتظر على الأريكة..لكن المحافظ لم يبال.

  • مثلما نشرت خبر الإختفاء عليك نشر خبر العثور على جثتين واختفاء ثالثة. لم يعد المكان يتسع للإثنين..ثمة صورٌ مرعبةٌ تمر برأس منتظر، وهو يحاول الثبات على الأرض..متشبثاً ببقايا قوةٍ كي لا يسقط..مرتقياً حالةً من الهلع والخوف..ليست المشكلة بالنسبة له، إخبار العائلتين وليس نشر الخبر، فمثل هذه الأخبار تنتظرها الوكالات والفضائيات العالمية والعربية وحتى العراقية..لكن المشكلة..هي أين اختفى سلام؟. (ص 341).