جوع القلب والعزف على تنويعات إنسانية عند محمد الجمل
الخروج من معطف تشيخوف إلى رداء فلاح مصري
شوقى بدر يوسف
تمتاز قصص محمد الجمل القصيرة بأنها تخرج من معطف وعباءة القصة المتضمنة أبعادا وجوانب إنسانية، تأثر بها من خلال إطلاعه على تراث القصة القصيرة العالمية والمحلية، وعبر تجربة سردية خاصة تعتمد فى تشكيلها وصياغتها على رؤى فكرية، وإبداعية متنوعة تأخذ من الواقع والجوانب الإنسانية المتباينة محاور كتابتها، كما إنها تعتمد على شرائح متنوعة من الحياة ترتكز على تأصيل خطوطها، وإبراز نواح محددة من الشخصيات، والمواقف، والمشاهد، والأحداث الواقعية المأزومة، والمهترئة لذا نجد إن مؤثرات تشيكوف بأبعاده الإنسانية تتواجد بشقائها ومآسيها فى العديد من قصصه، كما نجد أيضا أن هناك ثمة مؤثرات لجى دى موباسان بقصصه التى تحاور الواقع وترصده رصدا إيحائيا، وسومرست موم بقصصه الواقعية المعبرة عن الإنسان والإنسانية، وغيرهم من كتّاب القصة القصيرة تواجدوا بإلحاح شديد داخل نصوصه القصصية من خلال هذا الزخم الإنسانى الشديد الحضور فى نسيج هذه القصص الواضح فيه معالجته واحتفائه بالإنسان فى واقعه المعيش، وضغوط الحياة المادية الواقعة على كاهله، كما نجد أيضا أن هناك مؤثرات محلية وافدة من أعمال يوسف إدريس ونجيب محفوظ ومحمود البدوى وسعد مكاوى وغيرهم من كتّاب القصة الذين أصلوا هذا الفن وبعثوا فيه من الروح ما جعله عند كثير من الكتّاب الذين جاءوا من بعدهم، ومنهم محمد الجمل يتبلور وتتحدد ملامحه الواقعية فى شكل جديد أطلق عليه بعد ذلك الواقعية الجديدة كناية على هذا التيار القصصى الذى ظهر فى العديد من الأعمال القصصية والروائية، المتغلغل فى مجريات التحول الذى طرأ على الواقع الإجتماعى والسياسى والثقافى، ومن ثم انعكس ذلك على الأدب بصفة عامة وعلى القصة القصيرة والرواية بصفة خاصة، فارتبطت الرواية بتجسيد واقع الحياة والمجتمع بشرائحه وقضاياه المختلفة، بينما ارتبطت القصة القصيرة بالتعبير عن الفرد وواقعه، وكما يقول فرانك أوكونور فى كتابه الصوت المنفرد ص7 .. الرواية هى صوت المجتمع، فى حين أن القصة القصيرة هى صوت الفرد . ومن ثم كانت القصة القصيرة هى الفن الأمثل لتكثيف المشاعر الإنسانية فى لحظات وومضات كاشفة تبلور الموقف وتحدد من الحدث رؤية الكاتب تجاه الموقف الذى يعبر عنه فى هذه الومضات السريعة النافذة واللاقطة لمجريات الواقع. لذا نجد أن محمد الجمل فى مجموعته قبل رحيل القطار التى صدرت عام 1979 والتى تمثل بواكير أعماله القصصية الأولى يحتفى بأزمة الإنسان المعاصر وصراعه مع قوى أقوى وأعتى من إمكانياته الذاتية، لذا نجد فى هذه المجموعة وكأن هناك صراعا ممتدا، ومعقدا بين شخوص ربما تكون علاقتهم هى أقرب إلى الحميمية منها إلى الصراع الدائر بينهم، كما إنه يستلهم أيضا من المواقف والأحداث البسيطة أعمالا إبداعية يتفاعل فيها الفن مع الأحساس بوطأة الحياة وتعقيداتها فى شتى مناحيها.
كما نجده أيضا فى مجموعته الثانية والتى جاءت تحت عنوان هناك خطأ ما والصادرة عام 1980 يعتمد فيها على الغوص داخل أعماق الإنسان ليستخرج منها لمسات إنسانية كاشفة لعالم داخلى يتسم بالتعبيرية والمشاعر الإنسانية المتضاربة من خلال لحظات المعاناة النفسية المتولدة عن التوتر والهواجس الذاتية المأزومة وغير ذلك من العلاقات المتردية داخل النفس البشرية بهمومها وقضاياها وتجربتها التى تبدو ممزقة فى بعض الأحيان، حيث جيشان العواطف، وفورة المشاعر هى الصفة الغالبة على معظم قصص المجموعة.
معالم إنسانية
كما نجده أيضا فى مجموعته الثالثة داخل الكابينة التى صدرت عام 1981 يصور الواقع ويجسد فيه معالم إنسانية متمردة على رتابة الحياة، وإيقاعها الخانق البطئ، وطغيان المادة على المشاعر والعواطف الإنسانية الأمر الذى يوّلد نوعا من الإثرة والإنانية فى جنبات المجتمع ، وهو أمر ظهر فى نسيج قصص هذه المجموعة واضحا جليا من خلال المفارقات والمتناقضات التى تغلف الممارسات الواقعية للإنسان، بتوجهاته المادية والإنسانية المتباينة.
وفى مجموعته الرابعة كوكتيل الصادرة عام 1985 يتوغل محمد الجمل فى أبعاد الزمن ولحظات الإنسان الخاصة ومواقفه الحياتية فى شاعرية إنسانية ليستخرج لنا منها ومضات قصصية محملة بخلجات وأبعاد إنسانية متشعبة ومتداخلة، يكشف لنا فيها مواقف من الحياة محملة بالانفعالات والمشاعر الإنسانية المتضاربة والمتداخلة والتى جاءت من خلاصة تجارب إنسانية فرضها الواقع بكل ما فيه من تعقيدات، وجوانب سلبية حاكمة.
وفى مجموعتيه قارئ الفنجان التى صدرت عام 1987، و كعب الخير الصادرة عام 1996 يعزف محمد الجمل على نفس الوتر ونفس التنويعات التى سبق أن عزف عليها فى مجموعاته السابقة حين جسد نفس الممارسات الإنسانية، ونفس الصدامات مع الواقع والحياة، فنجد ثمة مظاهر من الصخب واللوحة الواقعية المكثفة والتى تعتنى بنفس المضمون الإنسانى الخصب، والنموذج الواقعى المعبر عن أفكار وإنفعالات متباينة عاكسة لممارسات الإنسان ومتناقضاته الذاتية. وهى نفس التنويعات التى عزف عليها محمد الجمل فى مجموعاته القصصية السابقة ولكن من خلال منظور آخر أحتفى فيه بنفس العلاقات المتصادمة بين الإنسان والواقع من خلال البطل الذى يعيش لحظات السقوط والصعود، ويعانى من الهزيمة والبحث عن الزمن المفقود والضائع حوله.
ولعل مجموعته القصصية الأخيرة التى صدرت تحت عنوان جوع القلب 2003 تأتى هى الأخرى محققة للعديد من التوجهات التى حققها الكاتب فى مجاميعه السابقة، من خلال العزف على أبعاد إنسانية، وجوانب واقعية تطول الإنسان فى كل مراحل حياته، وفى كل صداماته وارتطامه الشديد بواقعه المعيش الصاخب والمأزوم فى معظم حالاته. فهو فى قصص هذه المجموعة، كما هو فى قصص مجموعاته السابقة ينتقى من الواقع لحظات حرجة وحادة يكشف من خلالها عما يدور داخل النفس البشرية من تأزمات، وتفاعل متبادل، كما ينتقى بنفس الرهافة والحساسية فى التناول لحظات بسيطة وومضات فنية ليحيك منها مواقف وإبداعات غاية فى الإنسانية تنم عن موهبة كاشفة ولاقطة لما تحويه الحياة من مشاعر إنسانية تعبر وتجسد واقع الإنسان فى شتى صوره وتحولاته.
ففى قصة جوع القلب تتجسد المفارقة الواقعة بين الواقع والخيال، بين الحلم والحقيقة، بين الوهم المسيطر على وعى الفنان التشكيلى من محاولته بيع لوحاته بأسعار مرتفعة ربما تتجاوز حد الخيال، وبين متطلبات أسرته الضرورية الغير متوفرة، ومن خلال الصدام الحتمى بينه وبين زوجته، يبرز جوع القلب وجوع البدن اللذان يصطدمان صداما يتحول معه الموقف إلى ما يشبه الصراع بين الروح والمادة، وبين الفن والخبز، وبين متطلبات الحياة المادية، وبين الطموحات الإنسانية المتغلغلة فى عمق الإنسان خاصة إذا كان هذا الإنسان فنانا يحمل حسا متوقدا ووعيا بالواقع الفنى يسيطر على مشاعره وإدراكه الإنسانى والفنى فى نفس الوقت.
وعلى الرغم من هذا التراكم الذى طرأ على لوحاته ثم أخذ يزحف ليحيل المكان إلى نوع من الصخب والعنفوان، والسطوة الطاغية على مقدرات ومفردات حياة أسرته الضرورية نجده فى النهاية يرضخ لما يمليه عليه الواقع، ولكن الأزمة تتفجر عندما يرتطم واقعه مع طموحاته، من خلال جوع القلب الذى فجر هذا الصراع داخله، فيتهاوى البطل وتتساقط محتوياته ويتحول مرسمه إلى حالة خانقة لا تطاق اللوحات تكثر وتتزايد. تعج بها الأركان. تزحف فوق الأرض. تتمدد كافعوان تبتلع الفراغ المحيط به. تحاصره. تحتويه. تضيق عليه الخناق. ترتفع لأعلى كالفيضان. ترتفع ثم ترتفع حتى تعانق سقف الحجرة . إن البعد الإنسانى الذى يحتويه النص يكمن فى معرفة هذا الفنان بطبيعة الحياة وطبيعة الواقع، لكن طموحاته الفنية تحتوى كل ما حولها وتغلق الطريق أمام كل ما يريده الواقع المأزوم. ولكنه حين يعى حجم الموقف يكون الطريق قد سد أمامه وأصبح الواقع خانق ومدمر وغير مطاق بالمرة.
السيدة العجوز
وفى قصة وداد يبرز هذا الجانب الإنسانى لشخصيتين نسائيتين تقابلتا فجأة وعلى غير إنتظار، ولكن طبيعة هاتين الشخصيتين المتناقضتين هى التى تحكمت فى المقابلة، وفى كل جزئياتها ومحتوياتها الذاتية. فهذه السيدة العجوز التى فقدت بحكم الزمن والسن الرؤية والنظرة والذاكرة تنظر إلى السيدة التى قابلتها من خلال بصيص ضعيف من نور الذاكرة، ولكنها لا تتعرف عليها تماما بحكم السن والوهن الذى أعترى إمكانياتها الجسدية. بينما وداد تتذكرها تماما. وتعرفها جيدا، وهى من خلال محاولة معابثتها تضع يدها على الجانب الإنسانى المفقود عند هذه السيدة العجوز، ولعل الحوار الأخير فى النص هو الذى حدد الموقف الإنسانى والبعد المفقود والضائع لماهية النص كله استعادت وداد هيئتها المعتادة. انتابتها لحظة إحباط مرة. حاولت أن تخفيها تحت سطح أعوامها الأربعين. تجسدت لها غربتها بعدما فقدت حماس اللقاء. استعدت لمواصلة طريقها عندما سألتها السيدة العجوز فجأة
ألا تعرفين إن كانت تزوجت أو لا ؟
ردت وداد بلا مبالاة
لم تتزوج. وأظن أن قطارها قد فات.
ألم تعد من سفرها ؟
لا أظن أنها قد عادت.
كان يجب أن تحصل على إجازة من وقت لآخر.
ردت بفتور
ربما هى فى إجازة الآن.
لم تنتظر ردا وإنما واصلت طريقها نحو باب النادى وهى تلتقط بإصبعها دمعة ساخنة حزينة . ص15 . لقد أحست وداد من خلال هذه اللقاء، ومن خلال هذا الحوار العفوى الذى جمع بينها وبين هذه السيدة بنوع من الإحباط الشديد، وبنوع من الغربة الذاتية.
وقد نجح الكاتب فى التعبير عن الحالة النفسية لشخصية وداد من داخلها، بينما السيدة العجوز تتعامل معها بتلقائية شديدة، خاصة عندما قالت لها فى نهاية الحوار بمنتهى العفوية ــ سوف أتصل بأمها عندما أعود إلى البيت، لأعرف أخبار وداد.. هى جارتنا.. ألا تعرفين ؟
لقد أوقفت هذه الجملة وداد متسمرة فى مكانها لا تعرف ماذا تقول ولا ماذا تفعل ؟ ، لقد سبقتها دموعها عندما واصلت طريقها إلى باب النادى. كما أنه من الملاحظ أن العنوان الدال والمعطى للنص والمكّون من كلمة واحدة كان هو الآخر معبر عن كنه الموقف والمشهد بأكمله وداد وهو أيضا تعبير عن الحميمية والود والحب الذى كانت تحمله وداد صاحبة هذا الأمس لهذه السيدة منذ زمن بعيد والذى لا يضيع مهما مرت عليه السنين، وهو يعطى دلالة هو الآخر عن الجانب الإنسانى والبعد العميق فى دلالة المعادل الموضوعى للنص والذى يتجسد فى مرارة الشعور الذى تحس به شخصية وداد وهى ترى مرحلة من مراحل العمر متمثلة فى مرحلة هذه السيدة التى كانت تعرفها جيدا وما فعله الزمن بها وما يفعله بنا جميعا فى مرحلة الشيخوخة.
وفى قصة سؤال كل يوم يتجسد فى هذا النص القصصى المتميز موقف ربما يتكرر كثيرا على مستوى الواقع. وقد نجح الكاتب فى رصد واقع هذا النص من خلال هذه الجزئيات الصغيرة النابعة من الموقف المتأزم للأم وصغيرتها، وتجسيد الناحية النفسية التى تمر بها كل منهما كل يوم من خلال هذا السؤال الأبدى الذى يتردد كل يوم فى نفس الأم وفى عقل الصغيرة. أين ستذهب الأم بصغيرتها حتى تفرغ من عملها؟، بينما الصغيرة تفكر فى نفس السؤال ولكن بطريقتها الطفولية العفوية التلقائية. أين ستتركها أمها لحين عودتها من عملها؟ تتعارض الرغبتان فى وقت واحد على الرغم من أن السؤال واحد ويتردد كل يوم، فالإم تريد اللحاق بعملها الذى تأخرت عليه، فلا يوجد لديها سوى أن تترك صغيرتها لدى طنط نعيمة، لعلها صديقتها أو قريبتها، والأبنة لا تريد هذا المكان لأن طنط نعيمة تذيقها الأمرين. ويحدد الكاتب من خلال نفسية كل من الأم والصغيرة وضعية واقعهما فى جزئيات صغيرة نجح فى صياغة الواقع النفس لكل منهما حيال هذا الموقف المأزوم من النص والذى يدور حوله سؤال كل يوم السؤال ما زال يلح والإجابة مستعصية. وإشارات المرور مملة وطويلة، وزحام السيارات يزيد مهملة التفكير بقدر ما يسحق الأعصاب. تجاوز الزمن الثامنة صباحا. تأخرت عن العمل وانتهى الأمر. أعصابها تتآكل مع حركة عقرب الثوانى أفاقت على سؤالها.
حتودينى فين النهاردة يا ماما؟
لسعها السؤال رغم توقعها له. لم يبق سوى حل واحد. قالت مضطرة وهى تتوقع رد الفعل.
عند طنط نعيمة يا حبيبتى.
صرخت الصغيرة. تشنجت. دبدبت بقدميها. شدت ذيل حصانها بعصبية. علا تشنجها.
لا.. لا.. مش حاروح عند طنط نعيمة.. بتضربنى.. بتحبسنى ص33 .
الباب الموصد
القصة تعزف على تنويعة إنسانية لواقع غير إنسانى يبدو من سياق النص حول العلاقة التى تربط الأم بأبنتها، والبنت بهذه المرأة التى تعرف ماذا ستفعله مع هذه البنت الصغيرة انفتح الباب التقتطها نعيمة بأعصاب باردة. هى تفهم وتعرف ما يجب عمله. غيبهما الباب الموصد ص34 . وهى رصد لبعض صور الصراع والأبعاد الإنسانية والصدامات بين الإنسان ونظيره، وبين الإنسان المأزوم والمغلوب على أمره وممارسات المجتمع المطوّق لرغباته وطبائعه. لذا جاءت هذه القصة معبرة عن الإنسان من الداخل وارتباط واقعه مع رغباته، وأيضا إرتباط طموحاته مع نوازعه وطبائعه الشخصية. وهو ما نجده أيضا فى قصة الكوب من خلال شخصية سيد الذى يتزوج سنية التى كانت تعمل فى بيت الست نعمات ذات الحسب والنسب، فهى تضع له الطبلية وتنظم له محتوياتها كما كانت تفعل فى بيت سيدتها قبل زوجها، ولكن سيد يريد أن تكون الأمور على طبيعتها، سنية تصب له الماء فى الكوب، بينما هو يريد أن يشرب مباشرة من القلة، هو لا يستطيع أن يتحمل هذه التقاليع وتلك العادات التى اكتسبتها سنية من البيوت الأرستقراطية، هو يريد حياته كما هى وكما يحلو له أن يفعل بها، سنية تتذكر هذا الموقف الذى قلب الأوضاع بعد ذلك رأسا على عقب وتحولت سنية من خادمة لسيد إلى زوجة إبتداء من هذا الموقف العصيب الذى كاد يعصف بحياتهما فى ذلك اليوم وفى تلك الساعة طلب القلة من جديد، وما أن بدأت تصب الماء فى الكوب حتى سحبه من يدها، وبكل ما يملك من عصبية وقوة قذف به نحو الحائط. تناثرت شظاياه فى أرجاء الحجرة. إرتجت سنية.. لم تنطق. شلتها المفاجأة. قال سيد بلهجة قاطعة من الآن سنشرب من القلة وسنأكل مثلما يأكل أهل الحى ص36 . القصة عبارة عن فلاش باك استعادت به سنية هذا الموقف الذى حولها إلى زوجة تعرف طلبات زوجها. وهو لقطة إنسانية لعلاقة إنسانية بين الرجل وزوجته فى موقف التقطه الكاتب فى ومضة ذكية ليعبر من خلاله عن علاقة إنسانية جديرة بالتعبير عنها قصصيا.
إن القصة القصيرة عند محمد الجمل هى نوع من التعبير الرمزى والواقعى والمطلق خاصة إذا كان الإنسان هو المحور المعّول عليه النص. ولعل قصص محمد الجمل جميعها منذ بواكيره الأولى وحتى الآن تعبر عن الإنسان الواقع بين منطقتى الواقع والتحولات الطارئة على واقعه ، كما نجد أن البعد الإنسانى متوهج دائما فى أعماله ، وهو فى قوالبه الفنية يعمد دائما إلى إيجاد نوع من الدهشة والإبهار فى الجوانب والأبعاد الإنسانية التى يجسدها فى نسيج نصوصه القصصية. ولعل حساسية القصة القصيرة عند الجمل تجاه الواقع والحياة والمجتمع هى التى تلهمه هذه المضامين التى يجد فيها ترميزا للواقع وبحثا عن جماليات القصة القصيرة المعبرة عن الإنسان المطحون والسائر طريقه فى عفوية وتلقائية فيجد فى طريقه الأزمة والكابوس والطريق الوعر لكن الجمل فى هذه القصص كثيرا ما يضع يده على البناء باللقطة الزمنية التى تعبر عن مطلق الإنسان مثل قصص لقاء الغرباء ، و حالة مستعصية وقصة جوع القلب الذى وسمت بها المجموعة. كما أنه أيضا يحتفى بالجانب النفسى من الإنسان لإرتباط هذا الجانب بالأبعاد الإنسانية المتأصلة فى الأحداث والمواقف والممارسات التى قد تبدو فى بعض الأحيان بسيطة ولكنها تتحول إلى عمل إبداعى وفنى له تأثيره العميق على وجدان المتلقى من خلال تأويله وتحويره ووضعه فى منطقة الوعى والإدراك النابضتين بأبعاد إنسانية مشابهة لما تتواجد داخل نصوص هذه المجموعة.
/5/2012 Issue 4191 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4191 التاريخ 5»5»2012
AZP09
























