العراق ساحة للصراع والإستنزاف
ثقافة التعصّب الطائفي
سامي الزبيدي
واشنطن
الإسلام هو دين المحبة والرحمة والتسامح والعفو،دين الإخاء والمودة وصلة الرحم والعلاقات الاجتماعية الحميمة ،دين التكافل والتعاون والتآزر والتضحية والإيثار، هذه وغيرها من الصفات الحميدة كانت صفات المسلمين الأوائل تعلموها من معلمهم الأول وقدوتهم وهاديهم النبي محمد (ص )،وفي مجتمع المدينة المنورة حيث حط الإسلام رحاله كان محمد (ص) بين المسلمين قريباً منهم يرشدهم إلى طريق الهداية ويبلغهم النواهي( ويحل لهم أصرهم والأغلال) يجيب عن استفساراتهم ويوضح شعائر وأحكام دينهم حيث كانت الصلة مباشرة بين السماء والأرض عن طريق الوحي،وبعد انتشار الإسلام في بلدان وأصقاع بعيدة كان الصحابة الذين أرسلهم النبي (ص) إلى تلك البلدان يعتمدون على القران الكريم وما سمعوه من النبي في إجابة السائلين والمستفهمين وتوضيح أحكام الدين ،وبعد وفات النبي محمد (ص)واتساع رقعة الدولة الإسلامية وانقطاع الصلة المباشرة بين السماء والأرض(الوحي)اعتمد الصحابة والتابعين والأئمة الإجابة عن بعض المسائل على رأيهم وخبرتهم ودرايتهم مشفوعة بالقرآن الكريم وأحاديث النبي وفي الأمور التي تتعلق بفروع الدين أما أصوله فثابتة وراسخة في القلوب والعقول قبل الكتب فكان الاجتهاد يعتمد على رأي الإمام والمشرع والفقيه وهؤلاء بشر والبشر يختلفون في ثقافتهم وأرائهم وتصوراتهم وتفقهم ورؤيتهم للأمور فظهرت بعض الاختلافات الفقهية في فروع الدين وهي بكل الأحوال لا تؤثر على المبادئ العامة ولا عن أصول الدين مادامت هذه الأصول واحدة ثابتة لا تتزعزع ،ومن هنا ظهرت المذاهب الإسلامية التي لم يعرف فقهاء زمانهم ومكانهم إن مذاهب إسلامية ستسمى بأسمائهم إلا بعد قروناً عديدة على وفاتهم لكنهم كانوا علماء وفقهاء وأصحاب رأي ومدارس فقهية وكانوا ومعلمين لهم طلبتهم وحواريهم . إلى هنا والأمور ما مازالت بخير لكن عند ظهور الدولة الإسلامية بعد الخلافة الراشدية بدأت السياسة تلعب لعبتها وبدأ الدين يسيس والأحاديث النبوية تحرف وتوضع حسب الطلب من قبل وعاظ السلاطين والمتنعمين بنعمتهم والمنتفعين بمنافعهم فبدأت مساحة الاختلافات تتسع وتأخذ أبعاد سياسية دنيوية وليست دينية مع أنها لم تصل إلى أصول الدين لكنها اقتربت منها كثيراً وبدأ ظهور الفرق والجماعات التي ترجح هذا الخليفة على ذلك وتتعصب لهذا الإمام والفقيه على ذاك أو لهذه الجماعة على تلك حتى اعتماد المذاهب الإسلامية التي أقرها رسمياً السلطان الظاهر بيبرس سلطان مصر والشام وبعض الدول الإسلامية سنة 663 هجرية 1265 ميلادية بأربعة مذاهب هي الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي وسمح لرعايا الدولة الإسلامية التعبد بها فقط دون غيرها لكن هذا الأمر حدث بعد أن أصبح المسلمون مللاً ونحلاً وكل فرقة وملة تعتقد هي الأصح والافلح خصوصاً بعد انتشار حديث الفرقة الناجية الذي لايعتد به عند الكثيرين واعتبروه موضوعاً (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة ) وباتت كل فرقة تدعي هي الناجية والباقي في جهنم حتى أخذ التعصب المذهبي والفرقي والطائفي أبعاداً خطيرة بعد أن بدا المسلمون يكفرون بعضهم بعضاً ويلعنون بعضهم بعضاً خصوصاً بعد القرنين الرابع والخامس الهجريان وظهرت تسميات الروافض والنواصب وكثرت الفرق والنحل والملل الإسلامية . وبعد ظهور الدولة الصفوية في إيران والدولة العثمانية في تركيا التي استولت على أغلب الدول العربية والإسلامية واشتداد الصراع الطائفي والحربي بينهما وأصبح العراق ساحة لهذا الصراع الذي أسهم ببذر البذرة الأولى للطائفية في العراق ثم جاءت الدولة السعودية التي ظهرت للوجود عام 1922 والتي تبنت المذهب الوهابي الذي ابتدعه محمد بن عبد الوهاب والذي كان يكفر كل من لا يؤمن بهذا المذهب من السنة والشيعة وتسبب هذا الفكر والمذهب الجديد بتأجيج الصراع الطائفي عندما هاجم السعوديون المراقد الشيعية في النجف وكربلاء وهدموها وسرقوا محتوياتها كما هدموا أضرحة الأئمة والأولياء في مقبرة البقيع في المدينة المنورة. ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 مروراً بالعهدين الملكي الذي استمر حتى علم 1958 ومن ثم الجمهوري الذي استمر إلى عام 2003حيث احتل الأمريكان العراق لم يشهد العراق ولا حتى المنطقة العربية والإسلامية أي نوع من أنواع التعصب و الصراع الطائفي الذي ظهر بظهور طالبان والقاعدة في أفغانستان بدعم وصناعة أمريكية لطرد السوفيت من أفغانستان خوفاً من تمددهم في أسيا الوسطى ووصولهم إلى المياه الدافئة في الخليج العربي حيث منابع النفط الغنية،وبعد انسحاب السوفيت من أفغانستان عام 1988 وسيطرة طالبان على أفغانستان في السنوات الأخيرة من تسعينيات القرن الماضي وانقلابهم على حلفاء الأمس الأمريكان باتوا يشكلون خطراً على المصالح الأمريكية والغربية في الدول الإسلامية بسبب سياسة التعصب الطائفي التي انتهجوها في بلادهم وقيامهم بتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية ضد المصالح الغربية والأمريكية منها تفجير بعض السفارات الأمريكية في الدول الإفريقية ثم قيامهم بعمليتهم الكبرى داخل الولايات المتحدة الأمريكية المتمثلة بتفجير برجي التجارة في واشنطن في أيلول عام 2001 الذي قتل فيه آلاف الأمريكان والذي تسبب في غزو أمريكا وحلفائها الغربيون لأفغانستان عام 2002 وإسقاط نضام طالبان ومن ثم غزو العراق عام 2003 و هذان الحدثان كانا بداية تأجيج التعصب و الصراع الطائفي في العراق والمنطقة . وبسبب بقاء الأمريكان في أفغانستان والعراق ومراهنتهم على الورقة الطائفية في العراق ظهرت تنظيمات إسلامية متطرفة لمحاربة الأمريكان أولاً ثم تحولت لقتال قوات الحكومات العراقية التي اتخذت من الطائفية المذهبية والدينية نهج عمل لها فكانت المحاصصة الطائفية سيدة المشهد السياسي العراقي طيلة الأحد عشر عاماً الماضية وبسبب السياسات الخاطئة للحكومات العراقية خصوصاً في السنوات الثمانية الماضية وإصرار السياسيين على سياسة الإقصاء والتهميش للمكون الآخر ومن ثم التمادي في النهج الطائفي وازدياد عمليات المداهمات الاعتقال وفق المادة 4 إرهاب التي أصبحت سيفاً مسلطاً على رقاب المناهضين للحكومة ثم الإعدامات بعد انتزاع اعترافات بالقوة وتحت التعذيب وتطبيق قانون اجتثاث البعث والقوانين الجائرة الأخرى بانتقائية بحيث تشمل مكون معين دون الآخر إلى حالة عدم التوازن في المناصب الحكومية والعسكرية والأمنية كل هذه الأمور أدت إلى ردود أفعال من الطرف الآخر أثرت بشكل سلبي على الوضع الأمني المتدهور أصلاً بسبب سيطرة الميليشيات على الأجهزة الأمنية فازدادت عمليات التفجيرات والاغتيالات والاختطاف حتى وصلت إلى بيوت الله لتفجر المساجد والحسينيات ومواكب العزاء ومواكب التشييع وإزاء هذه الأوضاع المتدهورة خرج الآلاف من أبناء الشعب وفي مختلف المحافظات في تظاهرات عارمة مطالبين بإصلاح الأوضاع الأمنية والاقتصادية والخدمية لكن الحكومة لم تفي بالوعود التي أعطيت للمتظاهرين فتحولت التظاهرات إلى اعتصامات شعبية كبيرة في العديد من المدن العراقية خصوصاً ذات الأغلبية السنية ولم تلتفت الحكومة كذلك لمطالب المعتصمين ولم تكتفي بذلك بل استخدمت القوة لتفريقها مما تسبب في وقوع تضحيات كبيرة في صفوف المعتصمين الأبرياء كما حدث في الموصل والحويجة وبعد فترة في الانبار أدت أعمال القمع هذه إلى اشتباكات مسلحة بين القوات المسلحة والعشائر التي كانت تطالب بحقوقها في ساحات الاعتصام ولم تحاول الحكومة احتواء هذه الأعمال التي بدأت محدودة أول الأمر لتتطور لاحقاً إلى عمليات عسكرية كبيرة تسببت في حدوث خسائر في أرواح أبناءنا في القوات المسلحة وأبناء العشائر ناهيك عن الخسائر المادية الكبيرة ما كان ينبغي لها أن تحدث لو استحضر العقل واستخدمت الحلول السلمية العقلانية عن طريق الحوار واللقاءات والاستماع إلى مطالب أبناء المحافظات المنتفضة .لقد ساهمت عوامل عديدة في تأجيج التعصب الطائفي وحولته إلى ثقافة طائفية و صراع وحرب طائفية وفي المقدمة من هذه العوامل بعض من يسمون أنفسهم برجال الدين من كلا الطائفتين و الذين أعماهم هذا التعصب فبدأوا ينفثون سموم الطائفية بفتاوى طائفية تكفيرية لايقرها القرآن الكريم ولا السنة النبوية في عقول العامة التي اجترتها دون تدبر وتمعن لتفعل فعلها في المجتمع الإسلامي ،كما ساهمت بعض الجمعيات والمدارس الدينية في إذكاء هذا التعصب وتسويقه، وكان للتطور الكبير في وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة كالهواتف والانترنيت الأثر الكبير في تغذية هذا التعصب ونشره في أوساط كبيرة من مجتمعنا الإسلامي خصوصاً الشباب منهم فقد لعبت شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية المتطرفة دوراً كبيراً في تأجيج هذا التعصب وإيصاله إلى أبعداً خطيرة جداً عندما جعلته ثقافة يومية وضفت لها أشخاص وبرامج وقنوات فضائية خاصة ودعم مالي وتقني كبير. كما ساهم العديد من السياسيين وبعض الأحزاب الطائفية في عملية الترويج للتعصب الطائفي عندما جعلوه سلوكاً لهم ولأحزابهم . لقد أوصل هذا التعصب الطائفي المقيت العراق إلى حافة الهاوية عبر صراع طائفي مدمر وصل حد الحرب والمعارك تسببت في إزهاق أرواح بريئة من أبناء شعبنا واستمرار نزيف الدم العراقي الذي لم ينقطع منذ سنوات كمــــا تسببت في نزوح آلاف العوائل عن مدنها ومنازلها فــــي أوضاع إنسانية صعبة جداً كما تســببت في خساــــئر مادــــية كبيـــــرة للمواطنين وللحكومة واستنزفــــت أرواح وقدرات قواتنا المسلحة كما استنزفت موارد العراق وميزانيته لعدة سنوات لو استثمرت هذه الأموال في البناء والأعمار لكان حال العراق وشعبه في أحسن حال ،كل هذه الأحداث ما كان لها أن تحدث لولا التعصب الطائفي الذي أعمى بصيرة وبصر بعض السياسيين الذين اتخذوا من الجهلة والمنافقين والمنتفعين والانتهازيين والطائفيين بطانة لهم (لايألونهم خبالاً) فأغرقوا البلاد في الحروب والصراعت الطائفية والقتل والتهجير والاغتيالات والاعتقالات والتهميش والإقصاء واستفحال أعمال الميليشيات الطائفية فكانت النتائج فقدان السيطرة على أجزاء كبيرة من أراضي الوطن التي باتت تحت سيطرة داعش ونزوح أكثر من مليوني نازح ومشرد عن منازلهم ومدنهم واستشهاد آلاف المدنيين والعسكريين وخسائر مادية تقدر بمــــئات المليارات من الدولارات والاهم من هذا كله تدمير الوحدة الوطنية واللحمة الوطنية والتماسك والتعايش الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي المتآخية قومياً ودينياً ومذهبياً طوال تاريخ العراق القديم والحديث .

















