

تقاطع الأزمنة وافتراقها في رواية”نينا تغني بياف” للكاتب بولص آدم

مروان ياسين الدليمي
يمكن قراءة هذه الرواية على مستويات مختلفة،كرحلة فخمة عبر الزمن أو ببساطة كمجموعة قصص مقنعة للغاية، في كل هذه القصص المختلفة؛ تظهر جميع الاختلافات الممكنة . هي رواية جمعت تقنيات روائية غاية في الانسجام والموائمة، بين ما له صلة بوقائع حقيقية استند إليها المؤلف وما ينتمي إلى التخييل السردي،وعند الدخول الى المستوى التخييلي فالذهاب والعودة منه وإليه تبدو محسوبة ومبررة،عبر تشابك يتكىء على اللغة لا ينفصم فيه الواقع عن الخيال، ليفتح السرد تدريجيا،هاوية الوجود المأساوية مع مسار الزمن المتشظي أمام القارىء، مما قد يسمعه ويدركه في خياله ،والذي سرعان ما يصبح حقيقة ! .
جذور الحكاية
يأتي عنوان الرواية الصادرة عن دار”الآن ناشرون وموزعون” في الأردن في 185 صفحة من القطع المتوسط، ويضم إثني عشر فصلاً يراوح فيها بولص آدم بين تناول الماضي متمثلاً في حكاية نينا حول تاريخ عائلتها، وتماهيها مع أمها التي كانت تعشق إديث بياف، المغنية الفرنسية المشهورة، وكيف اكتشفت أنها هي أيضاً تملك روح بياف وعشقها للغناء، رغم تبدِّي تلك الموهبة في وقت مبكر من حياتها. .نينا هذه المرأة سليلة بلاد الرافدين تعتز باصولها العراقية. كانت جدتها التي تسكن في هكاري عند أعالي بلاد الرافدين قد غادرت ميناء إسطنبول في العام 1915 لتصل مدينة مرسيليا. وفي الطريق الى الميناء تتوفى طفلتها الصغرى، ثم في مرسيليا، تلتحق بها الكبرى ايضاً. وبعد خمسة عشر عاما يعثر عليها زوجها. وتلد إبنة ويتوفى الزوج في نفس العيادة. تكبر إبنتها ويعيشان معا هناك، حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ثم تغادران الى موسكو حيث يعيش الخال. فتتزوج الإبنة وتنجب نينا. وبعد أن تنهي نينا دراستها الموسيقية الأولية، تتزوج مبكرا، شابا أرمنيا ترحل معه إلى يريفان. فتحصل هناك على فرصة الغناء في أوبرا يريفان. لكن الزوج يمنعها من الغناء. فما كان منها إلاَّ أن تقبل بالأمر الواقع ، وبعد سنتين تنجب ولدا وتعود العائلة الصغيرة إلى موسكو.. والد نينا ملاكم معروف ، هو الآخر تتحطم أحلامه بخصوص مستقبل ابنته الفني، ما ينعكس على مجمل مصير العائلة. نينا ورثت الموهبة والغناء وخاصة غناء أغاني بياف من أمها المولودة في مرسيليا.. تعود بعمر خمسة واربعين عاما إلى الغناء ثانية وتدخل معهد غناء ودراما معروف في موسكو. تفترق عن زوجها بطلاق. ثم يتوفى ابنها بعد إدمانه على المخدرات.
في الفصل السادس تقول نينا حول نجاحها المبكر في الغناء: “أحرزت المرتبة الأولى ضمن برنامج مواهب غنائية في راديو يريفان. ووقع عليَّ الاختيار للغناء المنفرد مع كورال أوركسترا المدينة. أسعدني الخطو على طريق فني عتيد، يعوِّض عدم مواصلة الدراسة النغمية في مرحلة متطورة، ويعقب دراستي النغمية الموسيقية الابتدائية طريق آخر، لكنه يؤدي إلى الهدف نفسه. تهيَّأ لي حيز إثبات الذات في تقديم الموهبة واختبار النتائج خطوة خطوة والحكم هو للمتذوقين، مختلف المستمعين” لكنها تُتبِعه بحسرة وإحباط هما ما كان ينتظرها بعد ذلك النجاح الباهر فإن “آخر ما كنت أتخيَّله في بداية عقدي العشريني، أن أتعرَّض للغزو بالسلاح البطريركي على يد من أحببت وضحيت بغربتي هنا من أجله. آشورية من بين عدة آلاف في موسكو اختارت أرمينيّاً من بين مليون أرميني تتزوَّجه وترافقه للعيش معاً في بلده الأم”
تداخل الأزمنة
يختار الكاتب مساران روائيان ،أحدهما يجري في الحاضر بينما يعطي المسار الآخر صوت الماضي، ممهدا الطريق لفكرة ; أن كل شيء سيحصل هو احتمال من بين الاحتمالات، وأن هنالك تداخل قوي في الأزمان. والرواية تدور أحداثها في مدن شتى من الشرق والغرب، عبر عشرات القصص الخلفية والشخصيات الحقيقية، التي تدفع بالحكاية الرئيسة إلى الأمام بعنصر المفاجأة الغزير. والشخصيات هي التي تتفاجأ المرة تلو المرة قبلنا، بينما نحن نكتشف ذلك في الوقت المناسب فقط، لندرك بأن أمكنة ومدن الخلاص الموعودة للمهاجرين قسراً، ما كانت في حياة نينا ومن حواليها، سوى أمكنة تُخفي لعنة وخديعة وانصهاراً.
الواقعي والفنتازي
في رواية “نينا تُغنِّي بياف” يتداخل الواقع الحقيقي جدّاً مع الفانتازيا في فضاء من السرد يجنح إلى التخييل بعيدا في ما يذهب إليه من حكايات وصور تترى، كما لو أنها في شريط سينمائي سريالي. فبينما كانت نينا في شقتها أثناء الاغلاق العام لموسكو في بدايات حصار جائحة كورونا مُنهمكة في ملئ حقول استمارة مسابقة فنية لعموم روسيا بعنوان “أنت رائع بعد الستين” سيتحقق لقاءها بإديث بياف بعد سنين انتظار طويلة، كان حلمها الذي لطالما داعبها في سنوات شبابها الأولى قد أمسى بعيد المنال. وفي ذلك إشارة إلى أن ثمة حقل عن قصة مأساوية في حياة كل مشترك متقدم للمشاركة في المسابقة. هنا ينفتح باب الرواية الموارب على مصراعيه، ومن هذه الفاصلة الدراماتيكية تندلع الشرارة لتشدّ القارئ ،وليطلع منذ فصولها الأولى على مدى قرب بياف من نينا ومدى معرفة نينا بفنها وشخصها عبر ثنائية النص.
نستكمل الرحلة مع نينا وبقية الشخصيات التي تظهر مثل جونا المعالجة الروحانية الفيلسوفة والفنانة التشكيلية المثيرة للجدل ،وغيرها من الشخصيات التي تملأ عالم الرواية مع سرد موضوعات التحدي، والهوية والحالة الإنسانية بمسارب يمضي فيها الزمن السردي يكون فيها أقرب إلى لعبة المتاهة، فيما يتعشق السرد بعدد من كلمات الأغاني المُنتقاة لتلائم وتُناسب وتعلق وتعمق كل حالة وفي أي مشهد. ورواية المتواليات القصصية هذه، أدت بالتالي الى تنوع الحبكات، وكل حبكة تساهم في إبقاء القارىء منخرطا في قراءة النص، حتى الفصل الأخير وهو ينتظر نتيجة مشاركة نينا ديلون في مسابقة “أنت رائع بعد الستين”، لكنه يبقى مأخوذا إلى خبايا عالم يتأرجح ما بين الواقعية والفانتازيا، فثمة قاطع تذاكر سينما هو فلاديمير بوتن وعاملة هاتف دليفري لشركة أطعمة هي تاتشر!
يتعمد الكاتب أن يدفع القارىء إلى الشعور بأن من يروي عنهم، إنما هم جزء من موضوع ثانوي انتهى في رواية شفاهية بين زوجين . لكنه وتحت منسوب الخداع والصرامة التقنية يخبىء مواضيع عالمية كبرى يمررها للقارئ ، وذلك من خلال ما يبدو من أنها مواضيع أسرتها الثانوية والهامشية بمواضيعها وشخوصها ومجمل علاقاتها. وما تعرض للتخلخل سيعمل الهامشي والثانوي من حيث لا نتوقع بترميمه وبعث الأمل فيه ثانيةً. ففي يريفان، هناك إنترانيك عم فارتان، مشغل آلات العرض في دور سينما بمرسيليا، المكان الذي كانت تكنس في صالته بمكنسة اشترتها من صانع المكانس جيوفاني والد أيف مونتان على مقربة من ميناء مرسيليا القديم، تقاعد وهاجر إلى وطنه الأم، تجد نينا في يريفان عاشقاً للفن مثلها وهو عزاء في وقته ومكانه ورفقة مختلفة، أنه الشخص الذي يسمعها تُغني ويعثر على صديق فيها مثله مُحبط فنياً، كانت أُمنيته صنع الأفلام وليس تشغيلها في مرسيليا.
عودتها إلى موسكو بعد سنتين ثانية، ستكون بمواجهة عاصفة ثانية أكبر، فقد انفصلت أمها كاثرين عن والدها الملاكم بعد أن أساء إليها وواجهها بتغير سلوك وتهديد بعنف أسري. زوجها فارتان، منعها من الغناء في يريفان وقدم لها نسخة ثانية صادمة من طبيعته وقناعاته الاجتماعية، تستسلم الى أجل غير مسمى لأمره وتتصرف على أنه أمر واقع، فالعائلة أولاً وأخيراً ولاشيء آخر. والغناء يتحول إلى صندوق مقفل على أحلامها. تلك هي بداية غضب. ثم تتوسع الحكاية إلى مجالات مختلفة، نرافقها لكأننا في رواية أشباح واقعية. يمكن قراءتها كقصة رمزية للعنف الاجتماعي، ومع سلسلة من الملاحظات عن الحياة اليومية المفترضة تتحول إلى رواية تنوع، والقارئ يستغرب هدية الوهم والدوامة في حياة نينا، وهو يشهد اتفاقا احتياليا بين شخصيتين لضمان استمرار حب أمسى تحت الرماد وفي لحظة في غاية التطرف والغرابة والضعف.
الأنا البديلة
تتوسع الحكاية إلى مجالات مختلفة لكن الفرصة ربما تأتي بعد ربع قرن! هي لحظة بولص آدم السردية للوصول إلى “الخطاب الداخلي” الحقيقي للتأمل. فيلجأ إلى الأنا البديلة ليطرح على لسان نينا أسئلة تفتح أبوابا كثيرة، بالكاد تكون مواربة. إنها تسأل عن إمكانية استمرار حياتها دون حلم؟ وكقراء نكون قد خطونا خطوات مهمة ونحن نتعرف على الجدة زيريني المسماة على اسم قريتها النهرينية في جيلو وهجرتها القسرية هرباً من اسطنبول وحياتها في مرسيليا، والمثقف خَوشو، الضحية من ضحايا التطهير الستاليني الذي تنكر في الترحال والعودة وتغيير أماكن العمل وتصنع الغرابة والعبث، ودور الأسكافي لادو دافيدوف في حياته، فالاول خَوشو هو شخصية خيالية ولادو بطل حقيقي معروف في روسيا وقُلِّد أعلى الأوسمة خلال الحرب العالمية الثانية.. لهذا الاسكافي كابينة أو كشك تصليح أحذية في ساحة ياروسلاف عند تقاطع كومسومولسكايا في موسكو، عاد إليه بعد الحرب. إنه مكان لقاء دائم لخوشو به، وهو مصلح أحذية عائلة نينا كما الآخرين، كان والدها الملاكم بوريسوفنا يصحبها معه وهي طفلة وطالبة في مدرسة موسيقى، لتصليح حذائها، ولادو بأوسمته ينقذ خَوشو من مقر الأمن العام في ميدان لوبيانكا، أيام نيكيتا خروتشوف.
تعود نينا إلى موسكو ثانية لدراسة الموسيقى والغناء، في رحلة تحدي وتجديد الذات، وفي الثامنة والستين من عمرها، تصحو قبل فوات الأوان على حقيقة أن ثمة أملاً، ثمة فرصة ما، تتمثل ببساطة في مسابقة غنائية، ترغب نينا باقتناصها وتصفية حسابات إثبات الذات والموهبة والمصير المجهول في حياتها من خلالها، فهل هناك ما يدفع الكائن البسيط للتمسك بالوردي، لاسيما في أزمنة الرماد ، حيث يقودنا السرد بايقاع متسارع ومتدفق ولاهث من وحي أزمنة ضاجة بتحولات سياسية واجتماعية صاخبة، تبدأ مع جدتها الناجية من إبادة جماعية في صيف العام 1915 في أعالي بلاد النهرين، ورحلتها على متن مركب بضائع من اسطنبول إلى مرسيليا، لتنتهي صيف عام 2021 في موسكو.
تتقدم نينا الى مسابقة مواهب غنائية لعموم روسيا، مسابقة “انت رائع بعد الستين”. تترشح الى النهائيات، وبسبب جائحة كورونا يتم التأجيل. تخوض النهائيات في حزيران عام 2021 وبعمر الثامنة والستين تفوز بالجائزة الاولى. تتوج أيضاً بلقب أفضل من غنى أغاني المطربة الفرنسية اديث بياف في عموم روسيا.
تبدأ مشوار الاحتراف وتغني على مسارح موسكو، تغني أغاني بثمان لغات، لكن الجمهور يطلب منها أن تختص باغاني الفرنسية بياف.
” شعرتُ بكف بياف تلمَسُ من خلفي كتفي، وتهمُس في أُذني: لن يختار أغنية “لا، لم أندم على شيء” سوى من لديه قوة شخصية وقبول الذات.. يتعلَّق الأمر بالتخلي عن الماضي، سواء كان جيداً أو سيئاً، والمضي قدماً في الحياة دون ندم. هيَّا نينا. يا لبوة آشورية جريحة، انتقمي.. تقدَّمي، صوتك مفتاح ذهبي يفتح جميع الأبواب:
لا.. لا شيء
لا.. لا شيء من لا شيء
لا ما أحسنوه إليَّ ولا ما أساؤوه
كل هذا عندي سيّان
لا.. لا شيء من لا شيء
لا.. لا شيء من لا شيء
لا.. لا أندم على شيء
فكلّه مضى.. انقضى.. انتسى.”
تُمسك ذهنية بولص آدم السردية في هذه الرواية بلعبة فنية مركبة تقنيا، تتيح له أن يدفع بالازمنة إلى أن تتاقطع وتتفترق وتتماهى مع بعضها،إلى الحد الذي يصعب للوهلة الأولى فك الاشتباك بينها،مما يفرض على القارئ أن يكون يقظاً وحذراً وحاضر الذهن باستمرار، وإلاَّ سيفقد القدرة على ملاحقة الأحداث الكثيرة جدّاً، والثرية بالتفاصيل،وكأننا أمام مشاهد سينمائية متلاحقة،نتعرف من خلالها على عوالم وحيوات فريدة لم نألف حضورها في الرواية العراقية.
























