تصاعد حمّى الإستيطان الإسرائيلي .. الأسباب والدوافع

تصاعد حمّى الإستيطان الإسرائيلي .. الأسباب والدوافع

 

 

عماد علو

 

 

أكد المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان في تقريره الأسبوعي أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي صعدت من أنشطتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ،غير عابئة بالقانون الدولي الذي يجرم الاستيطان ويعتبره غير شرعي، حيث أعلنت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية عن طرح عطاء لبناء أكثر من 1400 وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة. في سياسة انفعالية وكرد فعل لا اخلاقي على قبول الامم المتحدة فلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة . حيث عاد رئيس الوزارة  الصهيونية نتانياهو الى الاعلان عن نية حكومته اقامة المزيد من المستوطنات الصهيونية حول مدينة القدس وفي الضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967 بهدف تقطيع أوصالها وجعل اقامة دولة فلسطينية على اراضي الضفة الغربية أمرا” مستحيلا” في المستقبل . وقد وضع نتنياهو شرط الاعتراف الفلسطيني بيهودية اسرائيل شرطا” مسبقا” لايقاف عمليات الاستيطان والمضي بمفاااوضات الوضع النهائي ..

 

 ان السؤال المطروح هو عن اسباب ودوافع هذا التوسع الاستيطاني الصهيوني المحموم في الاراضي الفلسطينية المغتصبة والاراضي العربية المحتلة منذ عام 1967.؟

 

ان الإلحاح الإسرائيلي بأعتراف العرب بيهودية الدولة العبرية جاء كشرط أساسي لأي عملية تفاوض أو حل نهائي منذ مؤتمر انابوليس2007. وهذا الإلحاح الاسرائيلي يعبر في العمق عن ارتفاع منسوب الهواجس والقلق الوجودي الذي بدأ يطفو على السطح الإسرائيلي تحت وطأة المتغيرات العاصفة التي تشهدها إسرائيل . فالمصالح الستراتيجيّة أصبحت قائمة على مشروع سياسي وأمني جديد قوامه تبني خيار الدّيمغرافيا بدل الخيار الجغرافي.

 

والاهتمام الإسرائيلي بالديمغرافيا يأتي من شعور مستبطن لدى اليهودي بأنّه في المنطقة أقليّة رغم تفوّقه، وأنّه نقطة في بحر رغم قدرته.

 

مما لاشك فيه أن تغيرا” حصل في ستراتيجية الكيان الصهيوني  التي كانت ، تعد الارض في المشروع الصهيوني أحد أركانه الاساسية في فلسطين . باعتبار أن مشروع الاستيطان أساسه استقدام اليهود من بلدانهم الاصلية أو الدياسبورا (بلاد الشتات) حسب التعبير الصهيوني وأحلالهم محل العرب الفلسطينين في الارض العربية الفلسطينية . وقد كان الشرط الاساسي للاستيطان في فلسطين أغتصاب الارض والاستيلاء عليها بأية صورة من الصور وتعطيل الامن الغذائي للعرب سواء في فلسطين أو الدول العربية الاخرى ، لذلك لم تتوان الصهيونية وأجهزتها الارهابية عن أتباع الاساليب الارهابية في سبيل تحقيق السيطرة على الارض باعتبارها (أرض الميعاد) .

 

الا أن  البعد الديمغرافي والسياسي البعيد الأمد بدأ يلقي بظلاله على كامل المستقبل القومي لإسرائيل وهويتها بوصفها الدولة الواحدة للأمة اليهودية و يربك بجلاء كل التوجهات الستراتيجية الإسرائيلية بخصوص عملية السلام الجارية واّفاقها . فميزان القوى الديمغرافي يميل بقوة ضد إسرائيل، وهذا الواقع سوف ينعكس آجلاً أم عاجلاً على موازين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية بين الطرفين العربي والاسرائيلي بشكل عام والفلسطيني والاسرائيلي بشكل خاص .

 

لذلك فقد اتخذ الأستيطان الصهيوني في فلسطين شكل الاستيطان ألاجلائي – إلاحلالي الذي يقوم على أجلاء العرب الفلسطينين وأحلال اليهود بدلاً منهم . و من خلال القيام بالاستيلاء على الارض وتفريغ سكانها منها بطرق شتى كان للعنف وأرتكابه المجازر الجماعية موقع رئيسي فيها لذلك فهو إرهاب بالأستيطان وهو مايميزه عن غيره من التجارب الاستيطانية في التاريخ القديم والحديث وقد كانت السياسة الاستيطانية الصهيونية واضحة في أذهان المخططين الصهاينة منذ البداية واعتمدت على إقامة منطقة يهودية في فلسطين ، ليس فقط عن طريق المناورات السياسية .. وأنما ايضاً على أرض الواقع من خلال المستعمرات ، والوجود الصهيوني المسلح في هذه المستعمرات تمهيداً لانشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ، في ذات الوقت لايمكن فصل عمليات الاقتلاع والتهجير الجماعية للشعب العربي الفلسطيني عن المخططات الاستيطانية الصهيونية ، أن للمشكلات في السياق العام وجهين لعملة واحدة ، فلا تتم الثانية الا بتحقيق الاولى ومن هنا كان وجود السكان العرب الفلسطينيين مشكلة سياسية وديمغرافية ، فرضت نفسها على المشروع الصهيوني في فلسطين ، فاعتبرتها الحركة الصهيونية معضلة أطلقت عليها تعبير المسألة العربية في فلسطين وكان أول من طرح فكرة الطرد أو التهجير في تاريخ الصهيونية  الحديث الزعيم الصهيوني (زنغفيل) الذي قال في العام 1905 (أنه مامن حل للمشكلة اليهودية إلا بطرد الفلسطينين بالسيف أو ضمان هجرتهم ) وقد كان لهذه الافكار رواجاً بين الزعامة الصهيونية . وقد أنعكست ذلك أيضاً في الدعاية الصهيونية الشهيرة التي أطلقها المشاركون في مؤتمر بازل في العام 1897 عن فلسطين بوصفها أرضاً بلا شعب لشعب بلا ارض . وقد كتب يوسف فايتسد الذي عمل مدة طويلة مديراً للصندوق القومي اليهودي كما عمل مستشاراً لرئيس الحكومة الصهيونية للشؤون العربية ، في مذكراته الخاصة عام 1940 بيننا وبين أنفسنا يجب ان يكون واضحاً أنه لايوجد مكان في البلاد لشعبين معاً  .. بالاضافة الى أنه بالمعيار الديمغرافي الذي بقى واحداً من أهم المعايير في تقرير مستقبل ومصير إسرائيل في المنطقة، فإن إسرائيل بدت في أعين مؤسسيها يوم نشأت في الحركة الصهيونية آواخر القرن التاسع عشر مشروعاً قابلاً للحياة. فلقد دعت الحركة الصهيونية في ذلك الوقت يهود الشتات إلى العودة إلى أرض الميعاد وسواء كانت أرض الميعاد فلسطين أو المشرق العربي فإن المشروع الإسرائيلي اتسم بالمعايير الديمغرافية بشيء من الواقعية انذاك …

 

 فمع وجود العرب لن نتمكن من تحقيق هدفنا المتمثل بان نكون شعباً مستقلاً في هذه البلاد، أن الحل الوحيد هو أن تصبح أرض أسرائيل ، وعلى الاقل ارض اسرائيل الغربية بدون عرب .. ولاتوجد طريقة أخرى لتحقيق ذلك غير نقل العرب من هنا الى الدول المجاورة ، نقلهم جميعاً بحيث لاتبقى هنا قرية واحدة .. ومع هذا النقل فقط يمكن للبلاد أن تستوعب الملايين من أخواننا(عبدالحميد الشوبكي ، (كاتب مصري) الاستيطان والارهاب والستراتيجية الصهيونية ، بحث منشور على الانترنيت  www.moqawama.org بتاريخ 4/7/2004 ) . وقد نظر القادة الصهاينة الى تلك الافكار والمؤامرات بانها لاتمثل اي أعتداء على حقوق المواطنين الفلسطينين وأنها لاتتسم بأية صفات أرهابية ، وقد ذكر ” سمحا فلابان” ذلك بقوله ” كانت خطط الطرد الجماعي تظهر دوماً خلال المناقشات الصهيونية للمعارضة العربية في فلسطين وقد رفض وايزمن وغيره أن يسلموا بأن فكرة الطرد الجماعي عمل لا أخلاقي ” .

 

ومع أنتهاء عقد الثلاثينات كان هناك أجماع صهيوني ينادي بالطرد الفلسطيني أذ تشكلت لجنة ضمت عدد من قادة الحركة الصهيونية ، هدفها وضع دراسة ورسم خطط لطرد الفلسطينين في كل زمان ومكان ، وكان من بين أختصاصات تلك اللجنة أيضاً جلب اليهود وتوظيفهم في فلسطين ..وقد أطلق عليها أسم (لجنة الترانسفير ) . حيث كانت مدة الانتداب البريطاني لفلسطين قد شهدت طفرة في عدد المستوطنات الصهيونية أذ تعاونت الحركة الصهيونية وقوى الهيمنة الغربية المتمثلة بالاستعمار البريطاني على طرد الفسطينين وسلب أراضيهم وتقديمها للصهاينة لزرع المستوطنين فيها . ويظهر مدى التعاون بين الحركة الصهيونية وقوات الاستعمار البريطانية من خلال قراءة ماكتبته الكاتبة البريطانية ( فرنسيس نيوتن) حيث  أكدت بأنها شاهدت بأم عينها كيف وقعت معركة بين المستوطنين اليهود وبين الفلاحين الفلسطينين في بلدة العقولة(عبدالحميد الشوبكي ، المصدر السابق ، ص3)  ، عندما حاول المستوطنون منع الفلاحين الفلسطينين من فلاحة  ارضهم وقد أرغمت قوات الانتداب الفلسطينين على أخلاء أراضيهم بالقوة ومنعهم من فلاحتها . وقد كان عدد المستوطنات الصهيونية في نهاية مدة الانتداب البريطاني في فلسطين قد أرتفع الى (304) مستعمرة خلال فترة الحكم البريطاني . وهذا مؤشر واضح على التوافق الصهيوني البريطاني على أرهاب العرب الفلسطينين وتهديد أمنهم لأجبارهم على الرحيل وترك أراضيهم الى المستوطنين الصهاينة .

 

في ذات الوقت اهتم قادة إسرائيل بموضوع يهودية الكيان الصهيوني فقانون العودة الصادر عام 1950 نص على أن من “حق كل يهودي أن يهاجر إلى البلاد” وأن “اليهودي هو من ولد لأم يهودية أو تهود وهو ليس تابعاً لديانة أخرى”، بالإضافة إلى القانون الصادر عام 1992 حول “كرامة الإنسان وحريته” يورد أن هدف هذا القانون الأساس هو الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته من أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية  . إذ في إسرائيل، ليس كل إسرائيلي جزءاً من الأمّة اليهوديّة. فالدين اليهودي هو وحده الذي يعطي جواز المرور إلى الأمّة ومن هنا يمكن فهم غياب الأمّة الإسرائيليّة في الذهن اليهودي لصالح مفهوم الأمّة اليهوديّة، فإسرائيل هي دولة اليهود فقط، وإنّ غياب الدستور في إسرائيل ما هو إلا تعبير عن إشكاليّة الوجود التي تعاني منها إسرائيل.

 

كما أن معظم قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية والنقاشات البرلمانية، وحتى المفاوضات التي تجريها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية اليوم ، تأخذ المنحى نفسه. وأيضاً قانون حرية العمل الصادر عام 1992 الذي جاء فيه “أن هدف هذا القانون هو الدفاع عن حرية اختيار العمل ومن أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية”. وعقدة الخوف الديمغرافي هذه هي من احدى الأسباب الرئيسيّة للكثير من السّياسات والحروب الإسرائيليّة ومن ضمنها الاصرار الاسرائيلي على الاستمرار ببناء المزيد من المستوطنات واغراء المزيد من يهود العالم للقدوم الى (ارض الميعاد) وقبل كل هذا وذاك تفريغ فلسطين من سكانها الاصليين العرب حتى لو ادى الامر الى ابادتهم قتلا” ! لذلك فأن الأرهاب بالاستيطان كنمط من أنماط الأرهاب الصهيوني تجلى بشكل سافر إبان سلسلة من الاعتداءات والمذابح والمجازر قام بها المستوطنون الصهاينة ضد القرى  العربية في فلسطين والتي كان ابرزها قرية دير ياسين التي تعرضت لمذبحة شهيرة راح ضحيتها العديد من النساء والاطفال والشيوخ وقد أدت المذبحة الرهيبة الى أحداث حالة من الفزع لدى الشعب الفلسطيني مما ساهم في نزوحهم عن بيوتهم وقراهم خوفاً من بطش عصابات الأرهاب الصهيوني وقد علق على تلك المجزرة  الأرهابية مناحيم بيغن قائلاً ( كان لهذه العملية نتائج كبيرة غير متوقعة ، فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفـــــــــرون مذعــــورين ) . فلم تكن دير ياسين تصرف  أهوج قام به أرهابيون منفردين وأنما كانت حلقة في سلسلة من الخطط الارهابية المنظمة أطلق عليها أسم (سي -2) وشملت تنفيذ  عمليات أرهابية في كل أنحاء فلسطين ضد العرب وشن غارات متكررة .. لتحقيق المرحلة الاولى من مخطط طرد الشعب العربي الفلسطيني. أما المرحلة الثانية فقد وضعت لها الخطة ( دالت) والتي قامت على أساس الدخول في معارك مع الجيوش العربية وطرد العرب من قراهم ومدنهم الى خط التقسيم الذي شكل حدود الدولة العبرية أما هدفها الثاني فكان السيطرة على الجزء الثاني من فلسطين الذي نص عليه قرار التقسيم وطرد البقية من أبناء الشعب الفلسطيني . وهو ما دأبت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على تنفيذه منذ 1967 . واليوم تحاول النخب في إسرائيل رسم معالم التسوية التي تتصورها على الأرض والانتقال إلى مواجهة الديمغرافيا من خلال تغيير حدود الدولة اليهودية في الجغرافيا. وعلى الرغم من التهجير والمجازر والطرد والترحيل وتجريف الاراضي الزراعية للفلسطينيين ، فالميزان الديمغرافي لا يعمل لمصلحة إسرائيل لأنّ الانفجار السكاني الفلسطيني سيظل كفيلاً بتوفير القلق الوجودي الدائم لنظريّة الغالبيّة اليهوديّة، فالإحصاءات السكانيّة تتوقع زيادة سكانيّة يهوديّة في إسرائيل بنسبة 32 بالمئة  خلال ربع قرن مقبل، بالمقارنة مع زيادة فلسطينيّة بنسبة 218 بالمئة  ضمن الحقبة الزمنيّة ذاتها. فارتفاع مجموع سكان إسرائيل ليصل إلى 7.6 ملايين نسمة منهم 75 بالمئة  يهود مقابل ذلك تصل نسبة العرب في إسرائيل 20.5 بالمئة  ، أما الباقي فهي لفئات غير معروفة دينياً حسب الإحصاءات الإسرائليلية. ومن المعطيات الهامة أن إسرئيل استطاعت جذب ربع يهود العالم حتى عام 1980 وارتفعت النسبة نحو 41 بالمئة  في العام 2009 أي أنه بات في إسرائيل نحو 5.5 ملايين يهودي منهم40 بالمئة  من اليهود الغربيين الأشكناز و36 بالمئة  يهود شرقيين سفارديم فضلاً عن نحو 29 بالمئة  يهود صابرا وهم اليهود الذين ولدوا لآباء يهود مولدين في فلسطين التاريخية وغالبية هؤلاء من اليهود الأشكناز. اليوم قد نكون أمام إعلان إسرائيل من جديد بصيغة معدّلة تكون أقل مساحة ممّا حققته إسرائيل وارادتها بفعل حروبها وتوسّعها واستيطانها كمجتمع مهاجرين. ولكنها بكل تأكيد ستكون أكثر يهوديّة في سياستها وعدد سكانها، وهذا ما يفيد طرح إشكاليّة الديمغرافيا. ويبدو أنّ الإسرائيليين الذين رضخوا للجغرافيا، ولو مؤقّتاً، وقبلوا مرغمين على الانكفاء عن أرض فلسطينيّة، يريدون اليوم تفويض أنفسهم عن المستوى الديمغرافي من خلال إخلاء إسرائيل اليهوديّة في حدودها بعد انسحاب الحدّ الأقصى من العرب الذين يتكاثرون بشكل اسرع من اليهود .ولذلك فان خطط نتانياهو لتوسيع وبناء المزيد من المستوطنات(المغتصبات) الصهيونية تأتي في سياق النهج الارهابي والسلوك الاجرامي الاسرائيلي المدعوم من قبل الولايات المتحدة الامريكية على حساب الشعب العربي الفلسطيني ، بغية مواجهة الخطر الديموغرافي ، من خلال تكريس الاحتلال الإسرائيلي الحالي في الضفة والجولان، واستكمال تهويد الأراضي في هذه المناطق بما يخلق أمراً واقعاً يصعب تغييره في المستقبل، أو حتى التفاوض بشأنه. وبحيث تشكل هذه المستوطنات أرضا رحبة لاستيعاب مزيداً من المهاجرين اليهود، وبما يخفف وطأة المشكلة الديموغرافية التي تعاني منها إسرائيل، ويخلق حافزاً للتدخل العسكري الإسرائيلي مستقبلاً ضد المناطق العربية، حتى في حالة انسحاب القوات الإسرائيلية منها في إطار التفاوض حول مستقبل الأراضي المحتلة، كما هو الأمر في مدينة الخليل والقدس الشرقية..