تراتيل طيور محنطة لمروان عادل

تراتيل طيور محنطة لمروان عادل
شعرية السخرية المريرة
شاكر مجيد سيفو
في المشهدية الشعرية العراقية تتوالد اجيال شعرية تجترح لها اصواتها الخاصة والمتفردة، ثمة شعرية راقية تدلك الى قلبها ومستوياتها الاسلوبية والسيميائية والمورفولوجية، ثمة شعرية تصنعها تكنولوجيا اللغة الحديثة في اجتراحها المتسع لغرائبية الفكر والتخييل وكيمياء المعنى، من أحد هذه الأصوات البارزة الذي يحيل لي نشاطها التفكيري و التخييلي الشاعر مروان عادل في ديوانه تراتيل طيور محنطة الحائز على الجائزة الاولى لمسابقة مؤسسة شرق غرب؟ ديوان المسار للنشر … تسحبك نصوص الديوان الى التفكر بالحالة العراقية والى أعماق النفس البشرية وما يعتورها من أرهاصات وتداعيات نصوص الديوان تتميز بلسانيتها الخاصة التحولية، بلغة توحي بكينونتها الخاصة الى اللغة الوجود، او التي هي مسكن الوجود حسب هايدجر تستدعيك لتقشيرها خيالاً مادياً، وجوهراً كيانيا، وشفرات لسانية تشتغل على ارتفاع شاهق في التصوير، في التواطؤ مع الشعرية التي تخرج وتدخل الاشياء وتجترحها تخرج من النار المتصاعدة بالفكر وكونية الكلمة، الكلمة بوصفها عضوا ماديا ديناميا يركب الصورة ويخلقها ويبتكر الدهشة، فالمدهش هو خيال الشاعر المثقف المفتون بالخروقات اللفظية والابداع والجنون المتمثل في الوعي الجمالي وفكّ شفرات الرؤية، فالوعي الشعري يتمثل بنى مختلفة تستقر في دائرة الخلق وخداع الحواس، يكتشف الشاعر تمظهرات التغييب في بنى التركيب اللفظي عبر مستويي الزمان والمكان، ونستدل في مراجعتنا لقوى الميتافيزيقيا هنا بالعودة الى ارنست رينان , وتتصل بنى الأستعادة الذاكراتية والأسترجاع في التركيز على سيرورة الاتصال وفاعليته في تحويل النص الى بنيان دائري بعناصره الدلالية وتقرير ملفوظاته و احالاتها الى شعرية متوهجة هكذا »وفي الألف الثالث من طفولتهم »يستردهم الله »هرمين» كسفن قديمة» قد لا يعودون ابدآ» فكن حذرا ايها الميت كثيرا» فالذين فاتهم أن يطعنوك» ينطرون» حياتك القادمة من نصه الى مثواهم الخطير
نصوص الديوان تسحب القاريء الى فاعليتها بقنوات الاتصال اللفظي الذي يجنح غالبا الى ابتداع عنصر المفارقة وفاعليتها الشعرية عبر تأويل القرائن بالمنظور التخيلي ويعزز هذا الاشتغال خلق البؤر المركزية للرؤية في انتاج نص تتشكل مناخاته اللذيّة في رشح ملفوظاتها بمجمل توازيات التركيب والنسيج اللغوي, فثمة قراءة واسترجاع لحالات وسياقات لفظية مراوغة تتنامى بشكل دائري حتى تنتظم في كشوفاتها في بنيان دوراني يتألف من فقرات او حلقات تدل على استئناف اضماراللعبة المزدوجة للوظيفة الشعرية في محيط لغة الترميزوالمشهدية البصرية جرى»..أن وجهه صار خاتما…» وأن سلسلة من هموم دائرة علقت قلبه» وتدلّت».. من أذن قوانة قديمة» دمعته الهائلة… وجرى أنهم يكشطون دمه كلّ مرة الى بالوعات مجاورة » ويسحبون عظامه المتفحمة قبل التأكد الى مقابر سياراتهم… لم يكن هو…» الذي يسرق الأصفار » من أرقامنا الميتة……» كلّ الذين أدلو بأحذيتهم » أكّدوا… أن لا وجود لبصماته» ألا على بطاقة التموين»الا على شبابيك الدوائر» وأضرحة الأئمة… ص 13من نصه.. قوانة قديمة
تتخذ بعض نصوص الديوان بنية الحكاية لمقاربتها اليومية والسّيرية في انضباط حادثتها النصية بسياقاتها البصرية والدلالية والسيكولوجية، ويجتهد الشاعر في احتكامه الى الذاكرة لآقتناص الشعرية التي هي منتج من منتجات المفارقة في الاستعارة العميقة الصادمة وضخّها الشعري المدهش الوجودي في تبادل سلطة الكتابة والقراءة، اذ يتراكب النص من عالم فكري مسحوق ومتشظ يبدأ من نقطة أو من صورة هذيان أو أرسال دلالي بأتجاه عالم مختنق لشخصية المنتج المختنق بالمناخ القاسي، المختنق بالشعر الذي يحرص شاعره بالذهاب الى أرساليات الحزن واليأس والقنوط الى أرسال حكايات من مخزون الذاكرة وآنشدادها الى استدراج مجازات لآستيلاد سياق شعري متفرد يخلط بين البصري والتخيلي والسوريالي الى حدّ ما؛ وقد تجسدت هذه القراءة من نصوص مثل ثلاثية على طرف من غابة مشهد معتاد لكي نظل معاً؟ يقول هنا في آخر مرة رأيت بها الله» كنت برفقة ثمانية وثلاثين طفلاً» كان مستاءاً جداً» من لوننا الأحمر» أمرني ليتخلص من دوشتهم » أن اذهب بهم» الى الجنة أو النار…» أو حتى العودة الى الروضة» كانوا جائعين جداً» لم يأكلوا شيئاً منذ أن ماتوا» فأرادوا العودة معي لحقائبهم المليئة» لكن الله» لا يرجع عن قراراته إلا معي» نسيت أن اخبركم» بأني شاعر» وبأني أموت في كل الانفجارات» مع كل الميتين.. ص 31 من نصه لكي نظل معاً
تتعاضد مستويات البناء الفني الذي يتركب اسلوبيا مع البنى الشعرية وتتنامى لتشكل وحدات عضوية متنامية متشكلة المتعة في تشكيلها الذهني والفكري فالذوبان في جسد النص يمتد بالذهنية الجارحة أحيانا الى الحسيات اليومية بشكل يتواصل فيه تفكيك النص الى حلقات أو دوائر أنفعالية ذاتوية تنضوي كلها تحت سقف الذات الشاعرة في نغم اورفيوسي يسترسل به الشاعر في جاذبية من التجريب وسحر الملفوظات ووظائفها التعبيرية التي تزحزح أفق التلقي وتدهش ذاكرة القارئ وطني » الذي يتبطّح أسفل عيني» هلالين أسودين » الذي يرسمني صوراً شعاعية في المستشفيات الحكومية» وطني الذي أضيف حروفه الأربعة الى قائمة ديوني العريضة» أكرهه أكثر من أي وقت آخر» ص 41 من نصه حكاية الأرانب الممزقة
يتجذر الاحساس الشديد العميق المركب بالمكان اذ يفضح الشاعر خساراته المتكررة وسط تنويعات كارثية الزمن والحروب ودوائر الظلام، وينطبق فهم الشاعر لهذه الأنساق وتناولها لابل عيشها اليومي مع ما كان يعيشه كافافيس اذ ينزع نحو الأنقلاب من الضغوط والخسائر والأسئلة الكارثية في سيل من الأنثيالات والشروح والقول الشعري الذي يظل مراوغا ومشبعا بميكانزم الانزياح، اذ تشتد شعرية النصوص من الداخل لتشع على هامش الحياتي الذي تضغط بأشيائها الذات الشاعرة لتسرد وقائع الحكاية الشعرية وتتجسد هذه القراءة في نصه الموسوم تقارير الرابعة عصراً أنا الان في طابق الحافلة الثاني» أتنفس شوارعك من شبابيكها» يامدينتي المحررة » أنا الان أغمس سبابة طفلي وشهوره السبعة» في حبر انتخاباتك السعيدة» أنا الان في طابق بيت عمي الثاني» أنفض عن فروة رأسي أعقاب سكائر الحروب» خائف مما ستقذفه بوجهى الشبابيك من شظايا» أحدق في السقف» أفكر من أين ستخترقه عليّ القذائف» أحدق في الباب» أفكر» متى سيطرقها عليّ المسلحون» أحدق في طفلي فيتجمد قلبي…ص 55
يشتغل الوعي الشعري الشخصي بقوة في تسطير فعالية الدال الذي يؤول الى الذات الشاعرة حينا تجترح فعالياتها الأنوية في سيل من الأرساليات النصية تحت ضغط الرؤى الأنفعالية الشعرية وتدفقها في أكثر من وحدة عضوية تتنامى وتغور في منطقة الشعرية لتوهجها اللفظي الشديد وتخفي ماضيها في ذاكرة حاضرها الذي يزدحم بالتوتر الشديد في انبهاره الخفي وسطوعه المركز بأنشغال الذات المتصاعد بالذكريات المريرة أبداً» يرتطمون بذراعيّ المنشورتين» ويرحلون» لأشير أنا كدوّارة رياح» الى ظهورهم المولية» لا أريد أكثر من أن ينتبه الى وجهي المؤرخون ليروا» كم أنا منحدرمن سلالة طيبة» أنا الذي بقيت خالداً» أحفظ كلّ أساطير المغنيين الذين استدرجت أغانيهم الغيوم وفي دمي» تحجّر كلّ السلاطين الذين تعاقبوا على جلدي» أرتبهم منكسرين» وفق أحرفهم الدموية.. ص 61 من نصه تراتيل طيور محنطة..
AZP09