
تخيلات في ظروف بالغة التعقيد
رحلة عمرة في طريق الحب والسياسة
طارق النجار
بعد أن شرعت بكتابة مقال بشأن حب بعض مواطني الجزائر لعبد الناصر في ملتقانا في مكة . واقتطعت منه بعض الهنات غير المقصودة . دفعت بها الى جريدة الزمان الغراء على امل ان يأخذ طريقه الى النشر .. ولأجل استدامة المقال بالمعلومة وحفظاً على مدوناته التاريخية ، واستكمالاً للنص الذي نرجو من نشره المعرفة والاستفادة ، والحاقاً بمقالنا السابق ذي الصلة بموضوعنا هذا والملتاع بحب ناصر ومواقفه التاريخية ونضاله المستديم في محاربة الرجعية العربية والاستعمار ، واخطاء اقترفتها القيادة الناصرية عبر مراحل حكمها لمصر وصداها في ارجاء الوطن العربي ، الذي تجرع الهزائم والنكبات والانكسارات مرافقة نجاحات يحسب لها الهبت حماسة الجماهير في نضالها الطويل تتصدر المواقف الناجعة التي ارفدت امتنا العربية بمواقف قومية وعربية ووحدة ، مع التصدي للاستعمار وعملائه من حكومات عربية .. وحدث التغيير المنشود لبعض الايقونات العربية في مزار السقوط .. والحاقاً بالتوجهات التي قرعت نفوسنا المريضة مراراً منذ ايماننا بقوميتنا العربية وعروبتها ، مستمسكين بعروتها الوثقى في تحد شرس لتاريخ انجب بعض الاسقاطات من حيض احزاب اممية افرزت عداءً تاريخياً للقومية والوحدة ومحاربة قيادات قومية وناصرية في مرحلة الهوس الفكري بعد سقوط الملكية في العراق في تموز من عام 1958 وتولت السطوة السياسية في بعض مفاصل الحكم التي تعج ببعض القرارات بأخطاء جسيمة تم ادانتها في اللاحق من الايام من قبل قيادة ذلك التيار ، وقيام الحاكم الفعلي للعراق في مناورات سياسية ذات مواقف فجة متنقلاً بين بيادق شطرنجية هنا وهناك بحثاً عن نجاحات في سطوح العمل المقتر والوصول بها الى الثقل السياسي ، واستولدت عداوات ومعاندات سياسية اوصلت به الى القبر ، بعد ان خاب ظنه وسقوطه على ايدي تيار معادي له في التوجه والهدف وفشل هذا التيار في تبؤه الحكم وسقط ايضاً .. ونعود الى ماشرعنا به في ذات الصلة السياسية في العهد الناصري واكتنافها بعض الهنات في المواقف والتقاطعات في الطرح والممارسة ومن اخطاء تعد بعضها بالخطأ الاستراتيجي مخلفاً هزيمة نكراء طوحت ببعض القيادات المصرية العسكرية والسياسية والمدنية واختفائها من المشهد السياسي للواقع المصري .. وقد هالني شعوراً فياضاً يعتصر قلبي المعتل بمرض مزمن وانا أرى وأبصر بعينين باهتتين شاحبتين معلولتين بضعف البصر والرؤية غير الوضاحة لما يكتنف واقعنا العربي المتردي والعفن واصابته بنتن الزبالة السياسية في زواياها المنسية وأشنف آذاني لتلك التقولات من بعض اخواننا الجزائريين في طرحهم لأحوال العراق والعرب من مشرقه الى مغربه ، وأفول نجم القائد جمال عبد الناصر يختلجها بعض من حزن كظم وما أصابت الأمة العربية من مقتل في بواطن كثيرة ، وبالتحديد ما نشهده من وضع مأساوي في العراق وما تمر به بعض بلدان الوطن العربي في ليبيا وسوريا وتونس ومصر أكثرها الماً والتهاباً بسجير تنانير الارهاب والتعصب والتشدد المذهبي بحرق الارض ومن عليها ، تزعق تربتها الطائفية وتعترض طريقنا تقولات واحاديث سمجة او اخرى مستحبة لم تأت من باب التقية بشيء.. فالاخطاء بالغة التعقيد بفعل رجالات من عسكر جمال حملوه ما لا يحتمل ووضعوه في مواقف لا يحسد عليها اضافة الى مواقف دولية تدخل بعضها في الشأن المصري مع اسرائيل في خيانة لايمكن اغفالها والسكوت عنها بغير عقاب .. وأحدثت جرحاً لم يندمل في قلب عبد الناصر ، الشخصية الاكثر كارزماتية واثيرة في العصر الحديث لايمحو الزمن بعد ان بخلت علينا السنوات اللاحقة من انجاب رجالات تعد اسطورة مقارنة .لهذا الرجل العنيد بمواقفه القومية ..وسقط صريعاً في اعقاب مأساة الصراع الاردني الفلسطيني ، وبدأ الارهاق بادياً على وجهه ، وادركته المنية في وقت كان الشعب العربي في حاجة ملحة ورغبة صادقة لقيادة الاة العربية بعد هزيمة مصر في حزيران عام 1967 ، وبدأ الخسوف القومي الذي اصاب السماء العربية ، وتصدع جدران الامة العربية وسقط بعضها في اتون الاضطرابات التي شهدتها الساحة العربية ، وافرزت حكومات لم تستطع ايقاف المد الارهابي ، وسقطت فريسة لشهوتها وتمضخ شعبها بالدم والقتل .. وتفرق العرب اشتاتاً وقبائل وتمزقت اشلاءً ، لم يتسن لهم الجمع ، ونحزتهم موجات الصراعات السياسية والمصلحة .. وآخرها يعج مشوارها الارهاب يطنب في القتل والدمار بعنف لم يشهده التاريخ الا في غزوة التتار للعراق وسقوط بغداد مضرجة بالدم . ويلقي بجثث الابناء في مزابل المدن وفي قمامة النواحي والطرقات من غير هوية واغراق البعض في البركات والمياه الآسنة وفي الانهر التي فاضت على جوانبها الدم ، في ثمن نجس ذبحت انسانية الانسان لاختلاف في الرأي والمعتقد . وزار الارهاب في مشواره قسوة وايلاماً في نحر آدمية الانسان العراقي والعربي .. وتلجلجت دمعة في العين تحت وطأة المشاهدة العيانية للمواقف غير الانسانية التي يقترفها رجالات الظل في عنف ورهاب وظلامية تتوحد مع النفس الامارة بالسوء ، نرجم الوطن بحجارة من سجّيل وفي غيبية من قبل التضرع والدعاء ان يخسف الارض وما عليها وانا في جلسة قرفصاء على دكة التاريخ ارواح في سني عمري في شيخوخة تنيف على السبعين عاماً متبضعاً بالذكرى التي اكتويت بنارها بما ضجت بنفوس معلولة بالاحتقان الطائفي والسياسي والاجتماعي والفقر يضرب اطنابه في بلدان العالم العربي ، دونما ان يعتريها خرف العمر والزمن آت يحمل معه تهافتاً واسقاطات تاريخية ممجوجة بطفيليات سياسية خرفة أقعدها الزمن مراراً نستذكر الماضي ، وثمة اصرار على نسيانه كما لو كان حاضراً او غائباً لايعد ولايذكر فنحن نعيش محنة الانسان العراقي والعربي في غدوه ورواحه ازاء ظلمة وفي حيفه ومشاقه ومرضه وعوزه وفاقته وحاجته وعسفه وتهجيره وذلة ورهقة ومرضه وعوزه وفاقته وحاجته وعسفه وتهجيره وذله ورهقه أي وطن آذن بالرحيل ؟.. يجلد ابناءه بحصاة المتشددين وعصى طاعة الارهاب على جدران مدافن امواتهم والسياط تلهب ظهورهم .. والماضي التليد ما زال يثقل كاهلنا بهموم التعصب والغلو في الدين وبغلوائية فكرية ذات التوجه الديني الذي جاء به بعض رجالات الدين القدماء .. وتنوس هواجسنا في وهدة الازمات الثقال وقواعد جماهيرية تحاول صياغة الذاكرة العربية بعد ان اعتراها رحيل ناصر واشياعه واترابه من رجالات مؤمنة بالمسيرة الوضاءة في معاونة صادقة لرجل المرحلة التي عصفت بها الرياح العاتية من انكسار وهزيمة ونكسة وموت تبحث من بعده عن نبوءة سياسية تشرق بشمسها من جديد في نهار مبكر يضيء دهاليز الامة المعتمة .. في اتجاه طالع فنجان يرسم ملامح غير صادقة لاوضاع متهالكة ومتسخة بأوضار السياسة بمعية الاستعمار الاجنبي المتكالب على المنطقة العربية تنازعها مشاعر متناقضة في البحث عن الذات القومية .. فالحقائق السياسية لا يصنعها الماضي وحنينه ، ولا يأتيها الوهم سالت على جوانبه العيوب والعقد والعواطف الجياشة لتحقيق الذات المشبوبة بالعري والعوار لاتجد منها محيصاً . فأنصهر الوجود العربي بأطره القبلية في بوتقة الانتماء العربي . بعد أن اكتشفوا هويتهم القومية العربية وعروبتهم من خلال الاسلام ، ولم يترددوا في استيعاب المعاني الخالدة لحضارة الاسلام ، فأستطاع ان يحقق حلم العرب في عملية التوحد القومي العربي .. وماجاء به عبد الناصر داعماً لهذه الافكار ، رافعاً لافتة القومية العربية بتماه وعز وزهو لاعلاء كلمة العرب :
ويرى بعض العرب في تحليلاتهم أن الدين الاسلامي كان له دور فاعل ومؤثر في تكوين الفكرة القومية التي لاتزال صلبة وكثيفة الوعي والمخيال ، رغم ما يشاع من تراجع المد القومي وانحسار زخمة الايدلوجي الآن يوشك ان يذوب ، وبدأت مرحلة الخسوف السياسي التي تمر به الامة العربية بعد ان غادرنا قائدها وملهم صبرها وأناتها في فترة الوعي بضرورة الاندماج التاريخي والجغرافي والقومي في واحدة من اصعب الظروف التي يمر بها العرب بعد الوفاة كنا فيها أحوج اليه لتضميد جراحاتنا ، ونلعق حسرات فقدنا فيها صبرنا وحلمنا وتأملنا لمعرفة قيم الذات وعلو الشأن في يوم عصيب باء بغضب يتطلب منا وقفة تأمل ومراجعة الذات لتحديد مصائرنا ، والخراب يغسل برذاذ التلوث الفكري والمتأثر بأفكار دخيلة مستنسخة عن افكار غير مونسة الطبع في تطبع طفيلي ونزق فكري مهوس بالغير .. فصبرنا يلقم ثغور هزائمنا بالاناة والحلم والتأمل ، لانجد غيره سبيلاً ,لمعرفة هذه الذاكرة التي غسلت غير رحيم ، ومازلنا نجني ثمار دولة يسيح في بعض مناطقها من بلدان العرب الارهاب الجسدي والفكري تتعرض لهزات التغيير السياسي والمناخي مكفهر بالعنف والقتل والدمار والوجع والتعصب والتطرف عنوان العلقم المغمس بالدم والنار لمرحلة لابد لها من صولة لانهاء فترة مخضبة بالدمار والدم المسفوح في ارض تملؤها الجثث ملقاة على قارعة الطريق تبحث عن من يواريها الثرى يكفن عوراتها .. والبقية من صالح الخيرات تداوي اوجاعها تذعن للواقع العربي المهتري والمبوء بالقسوة وهمجيتها ، تمارس جلد الذات بروح لاهبة ، تنوء بثقلها من مرارة الهويمة المغسولة بالمعاناة مدماة بالخيبة والوهم ، وما اصاب هذا الواقع من تعرية فكرية وسياسية وتهالك مبلول من قياداته في اوطان تتناسخ في ادلجة المحتل والمزحلة بالعمل مع الاجنبي تأتزر جلابيب رثة بعد ان افلتوا غيلة من عقاب وحساب من غير ثواب ومثوبة .. وتطل علينا الفجائع بتحليات حادة تقف بالضد منها وحيارى برثاء وبكاء تتعرى ابداننا وتهتك عوراتنا في سترها .. لا غرو في ان نكتب بوسطية السياسة من غير ان يعتريها المفهوم الميكافيلي دون تبرير الواقعية تتخللها الرومانسية العربية ومثاليتها الفكرية لايدنسها الاثم والتعري في صفحاتها الملطخة بالعنف القبلي في مجابهة فكرية في ظل امة رسفت قروناً في الجهالة وضلت الجماهير دربها بعد ان ولدت وترعرعت في احضان المهجر السياسي وفي اجواء ملبدة بتضاريس بعيدة عن مناخها الطبيعي وتاهت في اغراءات الظواهر الغريبة تكابد شظف العيش بعسر الحال .. وبهت لرجال وجموا امام هذا الحشد من التقولات والافعال التي تسود المنطقة العربية فأستولى الخوف على مشاعرنا جمعاء وفي نفويهم يتساءلون عن البوى التي ابتلى بها هذا البلد الامين وجماهير مكتظة بالمحنة بما لايبررها في صراع مذهبي يرفث بالوهن والضعف والضني وفقر الحال بل اشد عوزاً وفاقة يعذبنا الاحساس بالذل وجبن الرجال وظلم ذوي القربى ، فنرى مصر قد جابهتها سنوات من جمر بعد رحيل قائدها ، تتأسف لوفاته تذرف الدمع السخين حزناً عليه ، وعلى وطن يكابد المحن والاحوال المتفشية بالعوز ومعيشة ضنكة . جماهير تئتزر عباءات الجوع واغلال رومانسية تجتح نحو الهاوية ، هؤلاء الاوشاب من الناس تسيح في ارض مقفرة بالمال ، تسعى ان تلتئم لحمتها في تأسي .. كانت ككاريزماتية الرجل تأخذ بالباب القلوب المعتلة بحبه وقد ارتبطت القومية وقواها العروبية بشخص الرئيس الراحل جمال كاول شخصية عربية قومية ووطنية تأثلت في نفوس شعب الجزائر وفي نزعتها في حبها له..
واصبح عبد الناصر بعد كل الانجازات العظيمة التي حققها لمصر رئيساً لحركة عدم الانحياز وانضوى تحت جناحيها كل من الرئيس الاندونوسي احمد سوكارنو ، والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو ، ورئيس الوزراء الهندي جواهرا نهرو ، هدفها المعلن هو ترسيخ مبادئ عدم الانحياز ، وتعزيز اواصر السلام العالمي في سنة 1961 في ظل الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والروسي ، والقضاء على ما تبقى من فلول الاستعمار وزيادة التعاون الاقتصادي فيما بينهم .. ولعب عبد الناصر دوراً هاماً وفعالاً في تعزيز اواصر التضامن الافريقي في اواخر الخمسينيات واوائل الستينيات من القرن المنصرم ، وجعل مصر ملجأ للقادة المناهضين للاستعمار والحكومات الرجعية ، والدعوة الى انشاء منظمة الوحدة الافريقية عام 1963 ، ومناهضة الاستعمار وضرورة ضرب قلاعه . وتحقيق غايات الامة العربية فكان ارشيفه مكتضاً بالمواقف الجدية والرصينة والقومية المسورة بالعروبة والوحدة .. وبمحاربة الاستعمار لكا اشكاله وملاحقة عملائه الخونة من ابناء جلدة العرب ، اينما تكون واينما ترحل ، تمكث وتقام ، فكان قريباً من الهم الشعبي وظل ابناً باراً وفياً للجماهير العربية ورسالاتها المجيدة . لقد اخذتني التقية السياسية بعيدة في شروط ذهني ومحنة التفكير الذي يراودني خلال وجودي في المدينة ومكة يكتض الخاطر والبال بهوس يصل به الى حد الاخذ بتلابيب الغاية التي جئت من اجلها في اعتماد الانابة في ضيافة رحلتي لاداء مناسكها فكان الشغل الشاغل لي بعد اداء العمرة ان يسر الله الحال في ان افعل الامر بتأدية العمرة لوالدتي بالانابة لتكتمل حلقة المشاوير في اداء العمرة بالانابة لاموات اهلي جميعاً ، واكون قد استخلفت من هذه الغاية بالخلاص من ذمة الرغبة في الاعمار عن الاموات .. وانتابني الشعور برغبة في تكملة مقالي هذا وهو ما حصل بيننا نحن العصبة من اولاد ورجال العراق ، وبين الخصلة الطيبة المنبت من اشقائنا العرب من بلاد المغرب العربي الجزائر وما دار بيننا من حوار محبة ناصر ، وما يجول من اضطراب وفوضى في ارض العراق يسيح به الحال من اجتثاث منابت الخير من رجال ونسوة وشيوخ واطفال وعواجيز وكهلة .. فكان الاولى بنا ان نسترسل في حديث يبعدنا عن مواصلة ما بدأنا به من تلاوة الذكر الحكيم والدعاء والانتباه لما يجري من طواف حول بيت الله الحرام . فشغلنا أنفسنا في مشوار مصاب العرب ، الذي لايزال يفتك بالجسد العربي المترهل .. املاً في مواصلة رحلة التطرق الى قادة عرب عظام سيخلدهم التاريخ في رحيلهم وفي مثواهم الاخير وآخرين من الاحياء يرزقون ..
تدوين التاريخ الفطري
في قارئ الطين
























