تحولات الظل في أسرار مليكة معطاوي
تموجات نفسية ذات علاقة وإمتداد وتقاطع
عبد الله المتقي
” أسرار الظل الأخير” 2011هو الديوان الأول والوحيد للباحثة والشاعرة المغربية مليكة معطاوي ، ويضم مجموعة من القصائد التي جاءت تحت عناوين متباينة ، ومن هذه العناوين : غفوة على الشفتين ، امرأة في الظل ، منتهى الحلم ، من صحراء الذات ، أحبك ولا أكابر ، عينان ..وحلم ، وغيرها .
جاء الديوان في في 84 صفحة من القطع المتوسط، وتزين غلافه صورة فوتوغرافية للشاعرة للتأكيد على أن القصائد ليست لقيطة ، أما ظلال الأشجار في ترسيخ وتأكيد لتيمة الظل التي ستدخله ورشتها الشعرية كي تشتغل عليه بقصد البوح بخفاياه وأسراره .
في العنوان
يشكل العنوان شفرة النص ، ووسيلة للدخول إلى أعماقه بقصد إضاءة عتماته وخباياه ، إنه بمثابة النص المحيط عند جينيت ، كما أنه يسم النص ويعنونه بقصد تصيد القارئ داخل حضارة الاستهلاك “.
يتكون الديوان الشعري ، عند مليكة المعطاوي العربي “أسرار الظل الأخير” من ثلاث كلمات تندرج ضمن الجملة اسمية تنطوي على خرق لا فت ، ذلك أن المسند ” أسرار ” لا يلائم المسند إليه ” الظل الأخير” ، مادام غير قابل لامتلاك الأسرار ، فنحن إذن أمام انزياح ومفارقة دلالية ، وهذا من شأنه فتح شهية فضول القارئ للبحث عن خفايا وأسرار هذا الظل المعلق في سقف الغلاف .
وبقراءة فاحصة لقصائد الديوان تكون أسرار الظل في تحولاته وأقنعته وتجاربه التي لا تستقر على حال ، ذلكم أن ظل الشاعرة مليكة المعطاوي الأخير هو ذلك المظهر مادي بصري للأشياء، كما تجاوز معني الاحتماء من حر الشمس ، كي تغلفه برمزية موحية ولا نهائية .
ولعل لا نهائية وزئبقية هذا الظل هو من حفزنا لترصد هذه أقنعته ثم كونه ثانيا قطبا استراتيجيا في سقف النص ، وكذا حضوره ومشتقاته في أكثر من قصيدة ، وبأكثر من زي .
تحولات الظل
للظل ومشتقاته حضور ملفت في الميتولجيا والفلسفة المدونة التراثية والدينية ، وكذا في الأدب الروائي، وفي الشعر العربي والأجنبي ، لكنه ، لم يعد في القصيدة يتعلق بفكرة الانعكاس، أي انعكاس لشيء معرض للضوء، بل أصبح انعكاسا لمجموعة من التموجات النفسية الرؤيوية ذات العلاقة والامتداد والتقاطع والانفصال والاتصال ثم التناسل ، وهذه التحولات لظلال مليكه المعطاوي ، هو ما سنحاول ترصده وتلمسه في هذه المجموعة الشعرية .
تحول أول
يتحول الظل في قصيدة ” عارية على حدود الظل الأخير ” من حيز وموضع ، إلى ما يشبه الحافز على الإنجاب الشعري الوجود الانبعاثي ، تقول الشاعرة :
” اشتعل في دمها فتيل الرغبات
تملكها إشراق مفاجئ ،
على ناصية الطريق ،
أوت إلى ركن ظليل ” 9
هذا الاحتماء بالظل هو احتماء دال على بروميتيوسية الشاعرة ، إذ هناك مؤشر يصلها بحرقة ونار القصيدة ” فتيل ” ، و مؤشر ثاني على حياتها وولادتها ” إشراقة ” ، وبذلك يتحول الظل إلى فضاء إيجابي، ومصحة لإنجاب الشعر تلتجئ إليها الشاعرة كي يخلصها من مخاضها بالدفء وفي ركن ظليل.
هكذا تبدو الشاعرة مسكونة بالظل ملجأ وحاضنا لتجاربها اللانهائية ، ومن ثمة يعدو كالمرايا تعكس ذات الشاعرة المكتوية و التواقة لماء القصيدة ، نقرأ للشاعرة :
“يتسور الظل احتراقا
خلف أغصاني ،
يهامس لحن أشعاري
حروفا من صحاري الذات”
هذا الاحتراق والهمس واللحن الشعري هو في الحقيقة انعكاسا لذات الشاعرة التي تنسج وحرقة القصيدة تلاحما مثنى لكنه بصيغة المفرد ، وبذل يصبح الكلام الشعري دالا على صاحبته.
تحول ثاني
تحتفي الشاعرة بعناصر الطبيعة ” الغيم ، السماء “درجة التوحد والتمازج معها، تقول الشاعرة :
“رغبت أن أكون غيما ،
أن أضاجع السماء ،
وأستريح في ظلال العاشقين
من ظلام كنته ” 26
إنه اندغام واتصال بقصد وجود انبعاثي جديد ، وملاذ رحيم ، والذي لن يكون سوى الحب باعتباره حياة ، وبديلا يضمن أجواء الشعور بالأمان والطمأنينة ، إنها دعوة إلى الحلم بكون من المشاعر المكتظة بالدفء ، ورغبة في تبديد العزلة السلبية والوحشة التي لن تكون سوى حارقة ودامسة .
في نفس سياق الاتصال والتماهي مع الظل وتحولاته نقرأ للشاعرة :
” تتورد أحلامي
تنتصب مرآة تعكس أشعاري
تسكن ملامحك ظلالي
كالدفء يجتاحني
بين اللحم والعظم ” 62
في هذا المقطع ، ثمة مكونات تجتمع عندما يتعلق الأمر بالحب _ الظلال ، وهي ” الأحلام ، المرآة ، الدفء ” ، والذي لن يكون سوى الذوبان في عمق الحلم ، ذلك الحلم الذي لم يكون سوى ومشاعر ساخنة لتخصيب هذا الإحساس
تحول ثالث
في قصيدة “يوسف” نقرأ للشاعرة :
” استقامت دروب ليال طوال ،
سرت فيها وراء ظلال ،
أسابق خطوي اتجاه النهار ” 78
منذ البدء ، نجد المقطع لا يخلو من إشارة للدروب والسير وسباق الخطوات ، ولا شيء يشد الشاعرة سوى القبض على هذا الضوء الكائن خلف الظلال المترامية الأطراف ، وبذلك تكون صورة العدو تلبية لرغبة الشاعرة في تجاوز العتمات وتلبية نداء الرغبة في القبض على الضياء ، بقصد تبديد ماله علاقة بظلام الخفافيش .
بهذا المعنى ، لم يعد التحول في الأدب مقتصرا على الجماد والكائنات الحية ، وإنما يمكن أن يشمل حتى الأشكال المتخيلة ، ذلك أن المخيلة البشرية مفتوحة على كل الاحتمالات والتصورات ، فهي مخيلة تفوق الحواجز وتتحدى الحدود الجمركية ، وبذلك تكون قصائد مليكة معطاوي العربي ف قد انضمت إلى نظيراتها من القصائد التي اتخذت هذا المنحى اللعبي مع الظل ، الذي لن يكون في الأخير سوى سر الظل الأخير في لا نهائيته وزئبيقيته ومهارته .
خاتمة
وجملة القول ، إن المتفحص لتجربة مليكة معطاوي في ” أسرار الظل الأخير ” ، يلاحظ أن هذه الشاعرة حريصة على إعطاء قصيدتها أبعاد فنية ولغوية ، ومضمونية مبتكرة ، ولعلها تسير في هذا الاتجاه وهي تعي أن الاجتهاد في ورشة الكتابة ، هو تلك القصيدة المختلفة والتي تفتح شهية القارئ وتتصيده إيجابيا للدخول إلى رحمها وعوالمها ، وحتى ان تجاهـلها النقد المجامل والاحتفالي .
























