تحديات أمام أوباما ـ أحمد المرشد
ربما نقترب من الصواب اكثر اذا قلنا ان الاسرائيليين كانوا اكثر من العرب قلقا انتظارا لمعرفة الساكن الجديد للبيت الابيض، وهل يستمر باراك اوباما الذي عرفوه شخصا ضعيفا يدافع عن مصالح اسرائيل حتى بدون الضغط عليه من اللوبي اليهود، حتى انه تحمل صلف بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي جاهر ابان الحملة الانتخابية بالاقتراب من المرشح الجمهوري ميت رومني، ومع ذلك كان نتنياهو اول من اتصل بهم الرئيس الامريكي الفائز ليطمئنه على استمرار التحالف الاستراتيجي بين الطرفين.
الموقف في اسرائيل لم يكن كله لمصلحة اوباما، فاليمين الاسرائيلي اتجه نحو رومني وايده بالاموال عن طريق الملياردير اليهودي الامريكي شيلدون أديلسون، الذي مول ببذخ حملة رومني الانتخابية، وهذا انطلاقا من رغبة انصار اليمين في قدوم رئيس جديد غير الديمقراطي هذا الساكن القديم رغم ما اعطاه لهم في ولايته الاولي،ولكنه بالطبع نوعا من الابتزاز المعروف. فيما كان اليسار يدافع عن اوباما ويحبذ نجاحه لاستمراره في ولاية ثانية. الموقف في اسرائيل لا يزال متوترا حتى بعد انتهاء الانتخابات الامريكية، فالانتخابات البرلمانية المبكرة على الابواب، واليمين واليسار والوسط يسعون جميعا لنيل الرضا الامريكي لان الناخب الاسرائيلي غالبا ما يطمئن للتكتل الاقرب الى قلب واشنطن ويمنحه صوته. هذا رغم ان غالبية الاسرائيليين كمواطنين وليس سياسيين لا يفضلون ايا من المتنافسين الامريكيين، فوفقا لنتائج استطلاع للرأي لاحد المواقع الاسرائيلية، ايد 195 مشتركا أوباما، ردا على السؤال من الأفضل للشرق الأوسط؟.. مقابل 41 صوتا لرومني، ولكن الأغلبية الساحقة، 732 صوتا اختارت لا أحد ، مما يدل على عدم رضاء نحو سياسة الولايات المتحدة في المنطقة.
نعلم ان اوباما هو الذي فاز في السباق وبدأ جولة اسيوية سريعة من اجل تعزيز التواجد الامريكي في منطقة الباسيفيكي، ولكن الاسرائيليين يلاحقونه بتوقعات قد يراها الرئيس الامريكي سخيفة، مثل ان الولايات المتحدة في عهده ستفقد دورها كدولة عظمي وان واشنطن تلك العاصمة التى تجذب كل سياسي العالم، سينهار دورها القيادي في العالم، مع أفول أمريكا، اقتصاديا وسياسيا. وثمة قول لباحثة اسرائيلية يؤكد ان الأمريكيين انتابتهم الشكوك في قدرة بلدهم، المسمى بلد الامكانيات اللانهائية ، على تحقيق الحلم الأمريكي المنشود، والحفاظ على مستوى معيشة عال.
وللاسف نجد العرب متفائلون بفوز اوباما لانه وحسب توقعاتهم فانه سيميل نحو القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، على غرار ما فعل بيل كلينتون في ولايته الثانية وحاول ان ينهيها بالتوصل الى اتفاق سلام تاريخي بين الاسرائيليين والفلسطينيين ولكنه فشل . وحجة العرب في هذا هو ان اوباما سيتحرر من قيوده الداخلية ومن تحفظات اللوبي اليهودي وسيتفرغ اكثر للقضايا الدولية وبالقطع العربية ليهتم اكثر بملفات سوريا وايران وفلسطين ولبنان وليبيا . ربما يكون كلام هؤلاء صحيحا، خاصة وان اوباما لم يعد رئيسا مبتدئا رغم فصاحته المعهودة، فالفوز بولاية ثانية لم يحصل عليها جورج بوش الاب رغم انه الذي اعاد للامريكيين ثقتهم في انفسهم منذ حرب فيتنام وهو الذي اعاد الجنود الامريكيين رافعي الرؤوس بعدما عادوا منكسي الرؤوس من حرب فيتنام. بيد ان الاقرب للواقع ان اوباما واذا كان سيتحلل من قيود الولاية الاولي، الا انه لن يعمل على اصلاح التشوهات التى لحقت بالسياسة الامريكية الخارجية، وعلى سبيل المثال، قتل اسامة بن لادن، فرغم ان هذا عمل بطولي لاوباما في نظر الامريكيين، ولكن عمل خسيس في نظر العرب والمسلمين، ناهيك عن انتهاك حقوق الانسان للمواطن الافغاني والباكستاني وما قام به الامريكيون في العراق، خاصة عندما سلموا هذا البلد لايران تسليم مفتاح. غيران هذا لا يعنى ان الرئيس اوباما سيكون امريكي مائة في المائة، فامامه تحديات عالمية ايضا من اهمها تنفيذه وعده بانهاء التورط العسكري الامريكي في افغانستان كما نفذ تعهده بسحب قواته من العراق. تحدي اخر مهم بالنسبة للامريكيين ويتعلق بمواصلة الحرب على تنظيم القاعدة، وادارة ملف الازمة مع باكستان، ومواصلة المواجهة مع ايران، والتعامل مع تداعيات ومضاعفات الانتفاضات والتغييرات التي عصفت ولا تزال تعصف ببعض الدول العربية، وخاصة الحرب المدمرة في سوريا، ومضاعفات سيطرة اليمين الاسلامي على الحكم في تونس ومصر و دور هذا التيار في ليبيا وغيرها. كما ان الرئيس الامريكي القديم الجديد على دراية تامة بالعلاقات المعقدة للغاية مع الصين التي تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وعلاقات متوترة بعض الشيء مع روسيا.
وللمتفائلين من العرب اذكرهم ببضعة كلمات من خطاب اوباما في شيكاغو تعليقا على فوزه وتهنئته لانصاره اعود الى البيت الابيض اكثر تصميما على تحقيق مهمتي وتحسين اوضاع الامريكيين . وهنا نقول ان اوباما صادق في كلمته، لانه يعلم علم اليقين ان المواطن الامريكي لا يهمه العالم الخارجي وان جل اهتماماته هو تقليص الضرائب وتحسين مستوى الدخل والتعليم. وبالتالي لن يتبنى الرئيس الامريكي في ولايته الثانية مواقف العرب ولن يكون نصيرا لقضاياهم، وكل من يعتقد هذا فهو خاطئ ويجعل تركيبة سكان البيت الابيض. فواقع السياسة الامريكية والفهم الصحيح والعميق لها خاصة تجاه منطقتنا العربية يؤكد ان اوباما لن يعمل لمصلحتنا سواء كعرب او مسلمين ولكن ربما يجتهد لتحسين صورة بلاده بعد الشروخ والتشوهات الحادة التي اصابتها عقب التدخل في افغانستان واحتلال العراق والانتهاكات البشعة لحقوق الانسان وآدميته التي قام بها الجنود الامريكيون في البلدين خاصة العراق.
وقد تندم الولايات المتحدة على لعبتها المكشوفة عندما لعبت دورا اساسيا في تشجيع وخلق بيئة خصبة للاسلام السياسي في العديد من مناطق الصراع، لان هذا التيار سينقلب على امريكا وستدفع الثمن غاليا، فكما اسست تنظيم القاعدة وطالبان وانقلبا عليها، فاليمين الاسلامي الذي تتعامل معه واشنطن الان كفصيل حاكم في بعض الدول العربية، سيضع امريكا في حرج في وقت لاحق، لانه من الطبيعي ان ينقلب السحر على الساحر.
واذا استبعدنا الازمة السورية لكونها ازمة عابرة ستنتهي حتما بالاطاحة ببشار الاسد القاتل، فان القضية المركزية للعرب وهى القضية الفلسطينية ستظل محورا اساسيا في التعامل العربي ــ الامريكية، رغم ان السلطة الفلسطينية تتخوف من ادارة اوباما حيث انها تعتزم كشف موقفها النهائي فيما يتعلق بمشروع الذهاب الى الأمم المتحدة. ولذا، هى تنتظر معرفة البوصلة الامريكية الجديدة لتقديم طلب رفع تمثيلها في الجمعية العمومية لتصبح دولة غير عضو . وايا كان الموقف، فان اوباما او حتى رومني، فإن السياسة الامريكية لا تتعامل مع العرب كقوة يحسب لها حساب، وانما وفقا لمصالح واشنطن فقط، وبالتالي، لا يهم من هو القابع في البيت الابيض لاننا نحن العرب نفتقد للقوة المطلوبة لكي تتعامل معنا واشنطن بحيادية وندية.
كاتب ومحلل سياسي بحريني
AZP07
























