تجربة سعد محمد رحيم الإبداعية 1-2 – محمد جبير
من غسق الكراكي إلى مقتل بائع الكتب
محمد جبير
1
لاشك ان الكاتب سعد محمد رحيم يدرك جيدا فضاء العمل الذي يتحرك فيه مهما كان جنس هذا العمل نصا سرديا قصصيا ام روائيا ام مقالا فكريا ام ثقافيا كما يدرك ابعاد وحدود كل فضاء من فضاءات الكتابة تلك ، هذا الادراك قد لا يلمسه المتلقي العادي وانما يشعر به من خلال تفاعله مع النص ، الذي يجد فيه شذرات من ذاته او من ذوات اشخاص يعرفهم ، وهو السر الخفي في انجذاب المتلقي لنصوص الكاتب الذي يبدو من خلال مجمل الاعمال التي نشرت حريصاً على التعامل مع البيئة المكانية التي خبرها وعاش فيها واحبها حبا جما ، و تنكشف هذه العلاقة من سرده للتفاصيل الخاصة بالمكان وكأنه جزء فاعل في حركة وتكوين وبناء الشخصيات السردية او انه شخصية مستقلة وفاعلة مع الشخصيات المركزية في نص الحكاية الرئيس او الحكايات الفرعية في النص الرئيس.
يلمس المتلقي الفاعل قدرات الكاتب في تشكيل مفردات النص السردي ودقته من خلال اختيار مفردات الجملة القصصية التي تحيل الى اشارات خارج مديات الجملة كما في نص ” ارجوحة رنا” الذي يأخذ بالمتلقي الى أفق التأمل وابتكار المعنى من خلال وصف الحركة داخل النص ، حيث لم تكن حركة الارجوحة في الصعود او الهبوط بالحركة الاعتباطية وانما حركة دالة على معنى من خلال بنية الجملة الوصفية وتركيبها لتوحي بالدلالة الخاصة بها ، وهو بهذا لا يستخدم عنصر الوصف او الجملة الوصفية في النص لاغراض الصورة الذهنية فقط وانما يذهب الى الابعد الى الدلالة الفكرية والفلسفية للجملة في ابعادها التأملية . لذلك تمتلك جملة السرد عند سعد محمد رحيم قدرتها السحرية في جذب المتلقي لمتابعة تفاصيل الحكاية سواء كانت تلك الحكاية قصيرة او طويلة ، اذ ان عوامل الامتاع والاشباع تتوفر في غنى الجملة السردية في النص.
ولما كانت مهمة الصحافة الاستقصائية او التحقيق الاستقصائي تحديدا ، كما يرد ذلك في أحد التعريفات المتداولة هي” سبر أغوار الظواهر المجتمعية” فإن النص السردي الروائي ينطلق من سبر اغوار تلك الظواهر الى عالم السردية الافتراضية التي ينتجها التخيل السردي في لحظة كتابة النص ، حيث يفترض الكاتب وجود حالة او يختلق حدثا ويبدأ بملاحقته بالتفاصيل المتسلسلة او غير المتسلسلة المألوفة وغير المألوفة .
تجربة كاتب
اتوقف وبشكل موسع نسبيا عند تجربتي الكاتب؛ ” غسق الكراكي – دار الشؤون الثقافية 2000″ و ” مقتل بائع الكتب – دار سطور 2016″ . حيث شكل نص ” غسق الكراكي” الفاصلة الزمنية بين ما سبق وما لحق من تجربة سردية ، بدأت مع العام 1983 في نص ” هكذا استنطقنا الفولاذ ” ولحقه بنص سردي اخر ” رصاص العمق الهادئ- 1985″ فضلا عن نصوص سردية قصيرة اخرى ” الصعود الى برج الجوزاء -1989 وظل التوت الاحمر – 1993 وهي والبحر – 2000″ وهو العام الاكثر غزارة في الاصدار الذي صدر فيه للكاتب ثلاثة اعمال سردية بإضافة ” بيت العناكب وغسق الكراكي” .
2
يشكل نص ” غسق الكراكي ” مركز اشعاع رئيس في تجربة الكاتب الذي يمركز ما سبق من تجاربه ويشع على اللاحق منها وهو الامر الذي يدعونا الى التوقف عنده ورسم المقاربة النقدية بين النصين على الرغم من الفاصلة الزمنية بين النصين “16” عاما لكن روح النص والتجربة السردية في نسقها البنائي والفكري والانساني نسق تواصلي وتفاعلي يخضع الى مشتركات كثيرة بين النصين وكأن الروح المتأججة في الكاتب هي روح واحدة في النصين ذهبت لاستقصاء جذوة الحياة والابداع .
توفر للكاتب المكان والزمان والشخصيات والحدث السردي ، وهذا ما لا يمكن ان يتوفر لكاتب الا ما ندر ، فقد كان المكان ” بعقوبة” (السعدية، في رواية غسق الكراكي) مرتع الطفولة والصبا ، والزمان هو اواخر الثمانينات من القرن الماضي ” سنوات الحرب” والشخصيات هم اناس خبرهم وعرفهم في حياة السلم والحرب ، والحدث يمتد من فضاء الحرب الى فضاء السلم وهناءات الطفولة والشباب بمسراتها واوجاعها ، بعد كل هذا ماذا تبقى للكاتب اذا توفرت كل تلك العناصر في اشكالها الواقعية والوجودية ، وفي سياق النص السردي في نسقه العام كتجربة سردية وفي نسقها الخاص كتجربة فردية انسانية .
خيال وتاريخ
وهو اذ يقع بين حالين ” بين العمل الفني والمرجع .. بين الخيال والتاريخ.. بين الخريطة الموضوعة على وفق ما يلائم الاحداث وبين حركة الشخصيات والاحداث وبين المكان الواقعي .. أقول : أن هذا الشد يجنح بي نحو منظور مغاير ، يمنح لغتي نبرة لم اعتدها ، كأنني اكتشف الاوردة الخفية لهذه اللغة ، وافهم نبضها ، ورعشة روحها” ” غسق الكراكي – ص72″.
نرى من خلال هذه الجملة المستلة من النص السردي ، ان السارد وقع في ازمة الكتابة او معالجة النص ، حيث ان مرجعية النص مهيمنة على خيال السارد الذي يريد ان يطلق له العنان في التعبير عن كمال الانسان ، الذي عاش حريقي العمر في طفولته وفي شبابه وهو يقاتل في جبهات القتال ، في حريقه الاول راح ضحيته الام والاخت وفي الحريق الثاني اكل الاخضر واليابس من عمره ليتركه جثة في الصحراء. الا ان السارد في تماهيه مع المؤلف ينصاع الى الخريطة العامة التي وضعها المؤلف من اجل انجاز هذه المهمة، فالسارد يريد المواءمة بين الشخصيات وطبيعة سير الاحداث واختلاف البنية المكانية بين ازمنة السرد التي اخذ في تقصيها السارد وهي ” زمن الطفولة ، والجامعة ، والحرب ” الا ان كل تلك الازمنة تتداخل في مقاطع تعبيرية محددة من زمن السرد الداخلي في النص لتشع على البؤر الغامضة من تجربة النص بشكله العام واضاءة جوانب حياة الشخصية موضع البحث الاستقصائي.
” أهي الرواية التي اريد ، او اراد هو كتابتها ، ام موادها وعناصرها ومفرداتها الاولية التي منها وعليها ستقام في ما بعد بنية الرواية – رواية كمال-؟. واذا كانت هذه مجرد مواد وعناصر ومفردات فمن سيعيد كتابة الرواية في مابعد؟. أنا؟ أم انت ايها القارئ الصديق ؟.”. “الكراكي – ص112″. هذه التساؤلات التي يطرحها المؤلف ضمن بنية الخطاب العام للنص تنسجم او تلتقي مع خطاب كمال الذي كان يكرر امامه دوما ان ” الرواية هي حياة ” اذ لايجد فرقا بين حياة تمشي على الارض وحياة تتشكل على الورق وتنمو في خيال المتلقي، بل انه يرى في الرواية حياة اكثر ديمومة من الحياة الواقعية التي تنتهي بالموت بينما تجدد حياة الانسان في الرواية مع كل قراءة واعية ، وهذه هي فكرة كمال واصراره على كتابة روايته في حياته والتي وضع المؤلف بين خيارين اما يكتبها هو اذا خرج من الحرب سالما او يقوم المؤلف في كتابة نص رواية كمال .
” قاتل الايرانيين ست سنين وقذف الاميركان بالقنابل اليدوية ، وقتل منهم وجرح ليسقط برصاصاتهم بعد ان تحرر اخيرا من كوابيسه القديمة ” ” الكراكي –ص22″. فقد اختار كمال لحظة وطريقة موته ليحلق بعيدا عن كوابيسه الارضية التي كانت تشده الى حرائق الارض في البيت او الجبهة ، وهو بهذه القدرة على التحكم بمجريات الحياة ، اكد انه قادر على التحكم بالمؤلف والتلاعب به كما يشاء في رسم حياته الابدية على الورق ، ويتضح ذلك من خطاب الاهداء الذي بثه المؤلف في اول الكتاب والذي نص على ” الى اصدقائي الشهداء ، اكرم مالك ، وبرهان مالح، وخالد عزت ، وموفق زكي ” . وهذا الاهداء لم يكن اهداء تسويقيا كما قد يُفهم من ظاهره يهدف الى طبع الكتاب واخراجه من مؤسسة ثقافية رسمية وانما هو اهداء حقيقي نابع من القلب ومشحون بالعاطفة تجاه الاصدقاء الشهداء لذلك جاء هذا النص وهو يقف على ارض فنية سردية راسخة تتسم بالجدة والمغايرة في التعبير عن معطيات الحرب ومخرجاتها الانسانية والنفسية .
ولان كاتب النص ، هو انسان عاطفي حد النخاع على الرغم من وعيه الحاد والعالي بفن السرد وتقنياته الا ان كمال الراوي الاساس او صانع الحكاية السردية استطاع ان يهيمن على المؤلف ويتلاعب به من خلال رسمه المسبق وتصميمه لمحتويات النص السردي وتوزيعه على اكثر من شخص من الاصدقاء وتنويع الاساليب والمصادر التي تغذي النص السردي ، فقد اخذ في فرض ذاته على النص من خلال اخفاء المفتاح في قمة النخلة ، وهي اشارة واضحة الى الشخص الذي يروم في التصدي والبحث عن المشروع الحياتي الانساني لكمال ان يكون بمستوى ذلك المشروع وممتلكا لمشروع مواز له يمكن ان يتقصى اثره في ذات الانسان المبحوث.
وتشكلت البنية السردية على الدعامات الاتية “” المفتاح ، الصندوق مدار اول ، اوراق الماء اوراق النار ، اوراق العشق .. اوراق التيه ، وعودة الكراكي” هذه الدعامات الخمس هي المرتكزات الاساسية في البنية السردية لهذا النص. وكل دعامة من هذه الدعامات نهضت بمهمة محددة في ايضاح جانب من جوانب حياة كمال كما رتبها هو او كما اراد كتابتها في حياته ، فمن بنية الرسائل في ” الصندوق مدار البحث” الى بنية اليوميات في المقطع الرابع من الدعامة ذاتها ، الى تحليل بنية الصورة واحالتها الى زمنها الاصلي ، او البحث والتقصي للحصول على اوراق مضافة اخفاها كمال لدى صديقة ” نبيل” في ” اوراق العشق .. اوراق التيه ” .
3
اذا كان كمال يفكر بوضوح وبهذا المستوى من النضج حيت يقول ” اجل ، فالرواية تساوي الحياة ، ومن لم يترك رواية قبل ان يموت ، كأنه لم يعش.”. “الكراكي –ص11″. وترك للاخر ان يملا ثغرات روايته ” قد يقدم النص فراغات يقوم القارئ بملئها ، وقد يوفر بعض المناطق غير المحددة التي يقوم القارئ بتحدديدها” . ” عبد العزيز حمودة ، الخروج من الـــــتيه، علم المعرفة 298 الكويت 2003ص335. فماذا ترك ” محمود المرزوق ” في نص ” مقتل بائع الكتب ” من شذرات روايته ” وهل كان خطاب حكاية هذا النص تنويعا او تطويرا لخطاب ” غسق الكراكي ” ام تواصلا معه لتاكيد منهجية المشروع السردي الذي يشتغل عليه الكاتب سعد محمد رحيم ؟.
” تذهب الى مدينة غير امنة لتؤلف كتابا عن رجل لا يعرفه أحد لماذا؟”. ” مقتل بائع الكتب – ص22″. هذا هو السؤال الذي لا يمكن الاجابة عنه الا بعد قراءة نص الحكاية وما فيه من مداخلات وحكايات ثانوية تدخل في صلب الحكاية المركزية لمحمود المرزوق، حيث تشكل الحكايات الثانوية اضاءات مهمة لجوانب مختلفة ومظلمة من اصل الحكاية الرئيسة.
يركز الكاتب تجربته الفنية والفكرية في هذا النص على الرغم من عزفه على اوتار التجربة الواقعية وافتراض ما لا يمكن افتراضه او توقعه من حوادث قد تتقاطع مع توجهات المتلقي الذي يتفاعل مع تفاصيل الحكاية السردية التي يرسم لها مسارات على وفق المعطيات الواقعية للنص،
فيما يشتغل الكاتب على مراوغة السارد في توجية الحكاية الى المفارقة والاختلاف في التوقعات ليعيد المتلقي من جديد الى اعادة قراءة النص عبر المعطيات الجديدة التي انتجتها المسارات الاساسية للحكاية وتشكيلها الحكائي السردي وليس عبر معطيات المتلقي التي تتشكل بصيغة انية لترسم نهايات مغلقة للنص او تعيد تركيب التسلسل الحكائي للنص على وفق ذائقة وتصور ذهني يعتمد على المتراكم من المخزون الصوري الواقعي والمعرفي. .حيث ” ان قصة حياة شخص ما أقل تأملية من قصة شعب او أمة أو طبقة” . “والاس مارتن ، نظريات السرد الحديثة ، ترجمة حياة جاسم محمد ، المركز الاعلى للثقافة ، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة 1998 ص 96”.
قد يتوهم المتلقي احيانا وهو يقرأ رواية استقصائية انه سيتعرف على كم واسع من التفاصيل الواقعية وتراكم حوادث وحكايات وتفاصيل لمسموعات او مرئيات من اشخاص عديدين ليرووا تفاصيل من حياة الشخصية المبحوثة ، لاسيما اذا كانت الشخصية الباحثة استقصائيا هي شخصية صحافية ” ماجد البغدادي ” ، وقد يبني المتلقي الفاعل هذا التصور على وفق المعطيات المعرفية او القرائية عن الصحافة الاستقصائية وما ادت اليه التفاصيل المكتشفة عن الفساد الناخر في مؤسسات الدولة ، كما حدث على سبيل المثال مع الكاتب الروائي احسان عبد القدوس في عام 1949 حين كتب تحقيقيا استقصائيا عن الفساد في صفقة الاسلحة الموزعة على الجيوش العربية في حرب 1948 او التحقيق الاستقصائي الذي كشف ما سمي في حينه فضيحة وتر غيت واطاحت بالرئيس الامريكي في العام 1984 .
ينهض سعد محمد رحيم في هذا النص السردي ” مقتل بائع الكتب “او في العمل الذي سبقه ” غسق الكراكي” بالمشروع السردي الاستقصائي من الصيغة الصحفية التقريرية الى الصيغة الابداعية المشعة والمتالقة من خلال العناية برشاقة الجملة السردية وعذوبتها التي تمسك بالمتلقي ولا تدعه يشرد خارج اطار الحكاية السردية ، وهو ما يشكل بمثابة مشروع ابداعي خاص يشتغل عليه الكاتب من خلال اشتراك المعطيات الواقعية التي يتوافر عليها النص من مكان وزمان وشخوص وحدث مركزي .
قد لا يتوقف المتلقي وهو في حال الانجذاب داخل المتن الحكائي الى بعض الجمل والمفردات التي ترد على لسان السارد والتي تشكل مفاتيح لحل لغز مقتل بائع الكتب ، مثل “لم يمت في حريق ، مات غدرا ، في هذا الجنون الوطني ” ” مقتل بائع الكتب –ص37″. او” اليوم كان حزني عليه هائلا فقد ثرمته عبوة ناسفة وضعت لقتل مسؤول حكومي ، كان صاحبي الذي سأفتقده حتما في المكان الخطأ في الوقت الخطأ ، فيما لم يكن هناك المسؤول الحكومي “. ” مقتل….ص65″.وهو مايتم تأكيده من ضابط التحقيق الذي يحقق في مقتل ” محمود المرزوق – بائع الكتب ” حيث يذكر ” أن صدقنا ما يقولون ، أقصد بقية الجماعة من المخططين والمحرضين فالقاتل قتل الشخص الخطأ .. لم يكن المرزوق على لائحتهم ” . ” مقتل ….ص212″.
تشكل ” يوميات الخراب ” التي دوّنها ” محمود المرزوق” روح الحكاية السردية ومفتاحها في تقصي الجوانب الخفية من حياة هذه الشخصية المثيرة للجدل في ارائها الغريبة عن واقع المدينة الحدودية والغافية على النهر في الليالي المضطربة بالعنف الاعمى الذي يستهدف الجميع من دون استئذان ، ومن هذه اليوميات يرسم الكاتب لعبته الفنية بمهارة السارد الذي يترك خيوط الحكاية مفتوحة على كل الاتجاهات لتلم بصورة المشهد العام كله ، لتصبح عملية الاستقصاء لحياة ومقتل ” محمود المرزوق ” هي عملية بحث وتقصي لحال المدينة “بعقوبة ” ولتصبح هذه المدينة بوصفها مكانا للاحداث هي حال وطن بصورة عامة عاش ايام الفتنة الطائفية بعد تفجير مرقد الامامين وما تلا ذلك من عنف طائفي دموي وقبل ذلك ما مارسه المحتل الامريكي من عنف واهانة لروح الانسان العراقي.
“4”
المشروع السردي الذاتي لابد له ان يرتكز على ثوابت اساسية تشكل محور واداة هذا المشروع الفني والفكري ، وهذه الثوابت يمكن أن تتكرر في كل عمل سردي مع تغير تفاصيل الحكايات الصغيرة في النص السردي والتي تجلي وجه الحكاية الحقيقي ، ويبدو لي ان الكاتب سعد محمد رحيم يدرك جيدا اهمية كتابة النص الاستقصائي في هذا الظرف الملتبس والشائك والمضطرب الذي لابد من ركوب المغامرة في الكتابة عنه وفك الاشتباك وتوضيح الالتباس وتبيان مواقع الاضطراب ، كما انه يعرف ايضا اليات هذه الكتابة السردية وكيفية استثمار ادواتها المتوفرة ، مع الاحتفاظ بقدر عال من الخيال والتأمل في نسج خيوط الحكاية في تجسيد ابعادها المتكاملة .
نلمس من خلال قراءة نصيّ ” غسق الكراكي” و ” مقتل بائع الكتب ” ان المشتركات الاساسية في مشروع الكاتب السردي تمتد في النصين لتشكل علامة واضحة في بنية الرواية الاستقصائية او المشروع الاستقصائي الذي يشتغل عليه الكاتب بكل اناة وصبر وتأمل واع لمجريات ومتغيرات الواقع اليومي في حياة الانسان العراقي .
فقد وقف هذا المشروع على الحرب العراقية الايرانية في ثمانينات القرن الماضي في ” غسق الكراكي ” وعلى الاحتلال الامريكي للعراق بعد التاسع من نيسان 2003 في ” مقتل بائع الكتب” ، كما ان ” كمال ومحمود ” هما من ابناء ( محافظة واحدة/ السعدية وبعقوبة) ” بعقوبة ” كل منهما كتب روايته بطريقته الخاصة ليسجل لهم صفحة في سفر الخلود الابداعي .
واستخدم الكاتب في انشاء وتصميم المخطط المركزي لسرديته الروائية في المشروعين على المدونة والصور والرسائل واللقاءات الشخصية لاصدقاء الشخصيتين المحورية في النص وهما مدار البحث والتقصي بغية معرفة الحقائق سواء كانت تلك الحقائق تتعلق ب”كمال او محمود” ، كما انه استثمر ايضا الوسائل الاتصالية الحديثة في الحصول على المعلومات الخاصة عن حياة ” محمود المرزوق” في عدد من البلدان الاوربية من خلال الحوارات النصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يبدأالكاتب نصه السردي في ” مقتل بائع الكتب ” بالاستهلال الاتي “كنت اخر شخص ينزل من المايكروباص “. ” مقتل- ص 5″ فيما يستهل نصه “غسق الكراكي” بالاتي ” قال لي : حلم حياتي الكبير أن أكتب رواية”. “الكراكي – ص11″. يتضح من هذين الاستهلاليين لروايتي سعد محمد رحيم انه اختار الانا ضميرا سرديا ليقنع المتلقي بصدقية ما يقرأ من حوادث واقعية ، ” ان جميع اقتصاد الرواية العام يعتمد على طبيعة العلاقة بين الراوي والقارئ” . ” رولان بورنوف وريال اوتليه ، عالم الرواية، ترجمة نهاد التكرلي ،دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1991 ص 72 ” . وهو الخيار الذي يمنحه الحرية في الحركة السردية والانتقال من حاضر النص الى ماضي المرجع السردي وعدم التقيد بزمان او مكان السرد ، وهذه الحرية الابداعية في حركة السارد ومناورته في التقصي والبحث عن اوراق ” كمال في غسق الكراكي ” او اوراق ” محمود المرزوق في مقتل بائع الكتب”.مما يشكل مساحة واسعة تتيح للمتلقي ان يتوقع شكل المتغيرات في تسلسل الاحداث ، اذ اننا حين نقرأ ” نكوِّن توقعات من ذلك الجزء في النص الذي قرأناه ، ونتصور فهما مؤقتا لبقية النص، وحينما نستمر في القراءة نحاول انجاز توقعاتنا بمطابقة كلمات النص بتصورنا “. ” جون –ك-ادمز ،التداولية والســـــــــــرد ، ترجمة الدكتور خالد سهر ، منشورات مجلة الاقلام ، دار الشؤون الثقافية ، بغـــــــــــــــــــــــداد ، ط1- 2009 ص 81″.
تاخذ الرواية الاستقصائية مهمة التنقيب والقيام بحفريات الواقع في مسموعاته ومروياته وفحص وتدقيق الوثائق والمدونات العائدة الى المرجع المبحوث في النص السردي من اجل تاكيد صدقية تلك الوثائق او المدونات ، لكن النص السردي الاستقصائي في شرطه الابداعي لا يحتاج اثبات الصدقية وانما يتطلب أقناع المتلقي في شرعية تلك الخطوات الاجرائية في البحث عن المعلومات التي تشكل (تساهم في) اعادة تشكيل الحياة من جديد للمبحوث او اضفاء صفة الديمومة الحياتية عليه بعد ان كانت حياته اشبه بالحياة المؤقتة في عالم وجد نفسه مقذوفا فيه وعليه ان يتفاعل ويتناغم معه .
شكل العالم الواقعي لكمال ومحمود في علاقاته ومناخاته كابوسا يوميا اقلق الاحلام الصغيرة والمؤجلة او احرقها او شتتها في التجربتين السرديتين الا ان اعادة تشكيل الصورة و كشف المستور من الاسرار التي لم تكن تعرف مسبقا وتلك هي واحدة من مهمات الرواية الاستقصائية في كشف الاسرار ، حيث شكلت رحلة البحث في حياة كمال محاولة في كشف اسرار حبه لسارة او مها” مثلما كانت اسرار ” محمود المرزوق ” في حبه لجانيت او اخريات من زمن الطفولة او التشرد .
فقد سعى السارد المؤلف الى كشف المختلف مابين الواقعي والمتخيل ” ومنذ اللحظة التي غدا فيها كمال بطل روايتي ، بدا من المنطقي أن أتعاطى معه شخصية مختلقة .. شخصية على ورق .. وكان هناك بالمقابل ، الآخرون – ابي وامي وعمي وسارة وعارف وحسن ونبيل وعلي ومها وحنان ووصال وأنا ..الخ- هؤلاء جميعا أضحوا شخصيات في رواية ، لهم حيواتهم المتخيلة المستقلة .. يتقاطعون ويتصادمون ويتآلفون ويخوضون معترك الحياة معا “. ” الكراكي – ص72″.
ان استخدام الوسائل السردية في ” غسق الكراكي ” وفي اطارها المحدد وظيفيا لكل وسيلة ، اتاح للسارد حرية التنقل بين احداث النص السردي الذي شكل الصورة الورقية الجديدة لكمال ، فقد ادى الحديث او المفتتح السردي الى الكشف عن العلاقة الحميمة بين السارد والمرجع المبحوث ” كمال ” والذي من وراء ذلك اراد الكاتب في الاستهلال تقويل النص.
اذ اكد منذ البداية على ” قال لي ” وهو في هذا القول رأى فيه انه مصمم او راغب في كتابة روايته الخاصة ، لكن ما قيمة هذه الرواية اذا قام بكتابتها ” كمال ” ذاته ، هو يدرك ذلك جيدا كما يدرك المؤلف ان هذه الرواية لابد لكاتبها من ان يتجرد من العاطفة التي تشده الى المرجع وعليه ان يستثمر الخيال في ردم الثغرات التي تركها ” كمال” مفتوحة على هواء الشكوك والترقب والانتظار عمدا لانه في موته هو المخطط لهيكل الحياة الجديدة التي يريد ان يعيشها ، وقد يرى البعض في تقويل النص او الحكاية عنصر اضعاف للنص الا اننا نرى العكس في ذلك لاسيما في هذا النص بالذات الذي استثمر جملة القول لاختصار الاستطالات في الحكاية والوصول الى مبتغى الشخصية ، حيث نقلت جملة القول ما أراد المؤلف ان يصل الى المتلقي عن طريق السارد من اقرب نقطة وبشكل مباشر لا لبس فيه . فيما اخذت رحلة البحث والتقصي التي قام بها الصحافي ” ماجد البغدادي ” عن حياة ” محمود المرزوق” مساحة سردية اوسع يتداخل فيها الذاتي الشخصي بالنسبة للصحافي وطالبة الدراسات “فاتن” الحبيبة لاحقا وبين الالتباس في الحقائق التي يريد فيها معرفة ما جرى ” للمرزوق ” بائع الكتب والمثقف اليساري الذي ينتقد حتى اليسار في محاضرته في اتحاد ادباء بعقوبة وما اثاره من اراء جريئة من دون تحفظ كما قال ذلك صديق له .
وتشكل المعرفة الذاتية للسارد بالمرجع اشكالية حقيقة في طريقة العرض وكشف الحقائق بالنسبة لكمال والتي تحتل نصف الحقيقة من اصل الحكاية العامة والتي لابد من ان تكتمل بذاتيات كمال التي تعمد اخفاءها ووزع اماكن الاخفاء بعيدا عن السارد المتورط في لملمة اطراف الحكاية ، فيما ياخذ السارد في نص ” مقتل بائع الكتب ” بوصفه شخصية حيادية حريته في التحرك والتنقل بين الاشخاص والوسائل والاماكن من اجل اعادة ترميم المتشظي من حكاية المرجع .
النظام السردي
ان ترميم المتشظي ، يدفعنا الى الذهاب في تجاه معرفة النظام السردي للنص ، اذ يختلف النظام السردي بشكل واضح بين النصين ، حيث مارس المؤلف في بنائه في نص ” غسق الكراكي ” استثمار الحكاية من النهاية ليعيد ترتيبها وبنائها ولملمة المتشظيات ليرسم مسار الحياة الجديـــدة لانسان فارق الحياة ، وهو الامر الذي تبين بصورة جلية من جملة القول الاولى في الرواية ، فيما اخذ النظام السردي في ” مقتل بائع الكتب ” بالنمو التصاعدي منذ البداية الى خاتمة الحكاية التي تفجر ازمة الحياة الانسانية في بلد مضطرب ، اذ تم ” قتل الشخص بالخطأ” . ” مقتل- 212″.
الا ان هذا النظام السردي والذي اعتمده الكاتب سعد محمد رحيم بصرامة ووعي وادراك عال ليعيد وحدة المتشظيات في الحكاية الرئيسة للنص ، ويفعل العملية البنائية السردية من حيث التسلسل المنطقي للاحداث التي تؤدي الى نهايات مفتوحة وليس الى خواتيم النهائيات كما في النصوص التي تنغلق على ذاتها ، فقد دفع الكاتب في نصّيه الى افق التامل وانفتاحه على المتلقي في ايجاد مايمكن تأويله ، اذ يتيح الابتكار في النص الابتكار في التلقي .
فقد وثقت مدونة ” يوميات الخراب ” تفصيلات رؤيوية كتبها المرزوق عن الواقع اليومي الذي عاشه في تلك الفترة ، ولم يقم بالتدوين اليومي المتسلسل زمنيا ، وانما كتب في فترات زمنية مختلفة ، مما يوحي ان هذا الرجل لم يكن يتخذ من الكتابة وظيفة للتدوين التاريخي للاحداث على الرغم من وعيه وثقافته وقدرته على الكتابة وادراكه لاهمية كتابته لتلك اليوميات في هذا الظرف الملتبس واقعيا ووجوديا وما فيه من احداث وممارسات احتلالية لابد من توثيقها من قبل انسان مثقف يعيش زمنه الاشكالي ، بوجود محتل اجنبي وتشظيات تنظيمية داخلية تركها المحتل تفتك بالانسان العراقي من دون تمييز والذي راح ضحيته المرزوق ذاته لتسجل الرواية واحدة من اكبر الجرائم الانسانية ضد المثقف العراقي بعد التهميش والاعتقال العشوائي الى القتل والتصفية الجسدية .
تبدأ يوميات المرزوق من لحظة سقوط التثمال في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003 والتي يتضح من خلالها انه لم يكن معترضا وانما نظر الى الصورة الايجابية في الجانب الاخر من الحدث ” ساحة الفردوس اجمل ، لاشك ، من غير ذلك التمثال ، لكن من يضمن اي شئ بوجود اليانكي “. ” مقتل – ص46″. وتنتهي في كانون الثاني 2009 بالسؤال الاتي ” ما الجدوى من هذه اليوميات التي لا اتوقع ان يقرأها احد .. ولماذا يقرأونها ؟ . ماذا فيها؟”. ” مقتل – ص75″.
نهاية النص
لم يثبت المؤلف في نهاية نصه السردي زمن بدء الكتابه وانتهائه ، وانما ثبت كلمة انتهت مثلما فعل ذلك في نصه ” غسق الكراكي ” ، فأن تثبت التاريخ في مثل هكذا روايات استقصائية يشكل ركيزة مهمة في مناقشة وتتبع الاسئلة المطروحة في النص السردي والتي تثير اشكاليات واقعية ووجودية في زمن مضطرب او ساخن بأفعال القتل والسلب والنهب ، امتدت يوميات الخراب للمرزوق على مدى ست سنوات من الاحتلال الامريكي للعراق ، وهي الفترة الزمنية المقاربة لمذكرات ” كمال ” التي بدأها منذ العام 1982 الى العام 1987 ? ذلك العام الذي خرج فيه من الحرب جريحا ” كنا ما نزال في العراء عندما بدأ قصفهم المجنون ، كنت أهم بالانبطاح حين أصابتني شظية لاسعة في الكتف فانبثق الدم حارا كثيفا يضرج ملابسي قبل ان تتساقط قطراته فوق الماء والعشـــــب والطين “. ” الكراكي – ص70″.
يمكن النظر لهذين النصين الذين قدمهما الكاتب بوصفهما نصا واحدا ينفتح احدهما على الاخر او يرمم احدهما ثغرات الاخر ، تلك التغرات التي تركها الكاتب مفتوحة على الزمن الاتي ليعيد صياغة حياة للانسان المتطلع لمستقبل قد يراه قريبا او بعيدا وفق المعطيات المساعدة للمنظور الذاتي . اذ اني لا ارغب في ” اللجوء الى مقارنة النص النهائي بمتغير من متغيراته ” .” جيرار جنيت ، خطاب الحكاية –بحث في المنهج ، ترجمة محمد معتصم وعبد الجليل الازدي وعمر حلي ، منشورات المجلس الاعلى للثقافة ، القاهرة ، الطبعة الثانية 1997 ص33″.

























