تأملات في طعم القراءة الثانية
كتب تنتظر لحظة الخلاص
روجر آنجيل
ترجمة بشار عبدالله
في وقت متأخر من ليالي شباط فبراير عندما يعود فكري المحلق الى كوخنا الصيفي فى ولاية مين، فإنه كثيرا ما يتشبث بتلك الكتب المحشورة حشرا في رفين ضيقين لكنهما طويلان يواجه كل منهما الآخر في غرفة المعيشة رديئة الانارة. أغلب تلك الكتب ذات أغلفة ورقية، وهي جميعا ما تزال متعافية إذ نجت من الأيدي الطويلة التي تمتد إليها وتختارها، بمعنى آخر أن كل كتاب من تلك الكتب كان قد حظي بقراءة أو قراءتين ثم إعيد هناك في أحد الرفين ليصار إلى قراءته لمرة ثانية أو ثالثة أو رابعة، ربما تعاد قراءتها من جديد في يوم ما. تلك الكتب هي حسن السلوك ، و التحمل ، و بيت القسيس فراملي ، و ديزي ميلر و دراكولا و باترفيلد 8 و وداعا لكل ما مضى و لماذا كنت أفعل ذلك دائما و أوبلوموف ، و جوهر المادة الحية ، و أيام الإبحار في مياه بينوبسكوت ، و حجر القمر و المِلكية ، و موت الحضر و اللحن الرباعي ، و ايما . . . وثمة العديد من العناوين الأخرى.
أنا أعرف جيدا هؤلاء الحسناوات التي أستطيع أن أرى الرف أو حتى الحيز الضيق ضمن الرف الذي تنتمي إليه كل حسناء. كتاب ايما مثلا له غلاف من المقوّى الصلب، بطبعة ايفريمان لايبراري ذات الغلاف الأحمر المائل إلى الارجواني. وهناك ثلاثة أو أربعة من كتب إفيلن ووفز المبعثرة صادرة عن تلك الطبعة القديمة بغلاف ارجواني من المقوّى الصلب، لكن كتاب المجرفة على ما يبدو قد مضى وقت قصير على تركه في الحمام في ذات ظهيرة وأعتقد أن إحدى بناتنا هي التي تركته هناك وبالتالي، فقد غدا أسمك وأشد شحوبا من الكتب الأخرى كـ مارتن شوزلويت و مزرعة أورلي و فورسايت ساغا ، وكتب أخرى مثلها باغلفة ورقية تنتظر بفارغ الصبر من يحررها من أماكنها الضيقة خلال أحد تلك الأسابيع المملة التي تكون رهينة الضباب الهابط من جهة الشرق. إنها أشبه بركلة تسدد إلي وأنا أفكر في هذا الحشد من الكلمات والعبارات والصفحات إذ أجلس في الظلام، ودرجة الحرارة تكون قرابة التسع درجات، والريح تعصف وترتطم بمصاريع منزلنا القديم وهي تصرخ وتئن في الليل، فيما تنتظر مكتبتنا هناك عودة أحدنا من جديد في الصيف. عند ذلك الوقت تأتي زوجتي كارول وربما إحدى بنات أختها الزائرات لنجلس معا عند الشرفة ونقرأ، ثم بين حين وآخر نحدق جميعا في تلألؤ الخليج المجاور.
شركة شكسبير الملكية
ثمة مسحة من شعور بالذنب فيه شيء من عذوبة ينتابنا مع القراءة الثانية. نعم، علينا في الواقع أن نكون عميقا في تلافيف معرفة جديدة، لأن بنا حاجة إلى الإلمام بكل شيء عن مقايضات الائتمانات المفقودة و عن داروين والستيرويدات وما إلى ذلك من معارف، ولكن ليس الآن، من فضلكم. إذ سيكون كتابي الأول في عطلة هذه السنة كسباحتي الأولى، مغامرتي في القفز إلى أعماق نشوة النعيم. هذا الصيف، أعني، سيمكنني أن أبدأ بكتاب مارغريت درابل الموسوم سنة غاريك وهو رواية تعود للعام 1964 محفوظة بغلاف ورقي مرن، تعلوه صفرة الزمن وهي رواية ذائعة في ولايتنا،وهي عندنا اشبه بقايا شطيرة من شطائر متاع النزهة. انها رواية حب قصيرة، تدور حول ممثلين ومسرح وزواج وجنس وأطفال، كتبتها درابل وهي في الرابعة والعشرين وهي روايتها الثانية وتزوجت من ممثل، هو كلايف سويفت ، وكان الاثنان عضوين في شركة شكسبير الملكية.
خاتمة المراجع هذا الكتاب ينتمي الى بطلة درابل، ايما إيفانز، زوجة الشخصية الويلزية البارزة ديفيد ايفانز، الرجل ذو العضلات المفتولة المفعم بالحياة، وأم طفليهما، فلورا وجوزيف. وهي تظهر في بداية الكتاب ، غير مستعدة تماما لتقبل فكرة انتقالهم جميعا مع المربية الفرنسية، من لندن الى هيريفورد لحضور مهرجان موسم الأدوار الفنية.
غرور الممثلين
ثم تخسر معركتها تلك إلا قليلا. إيما، ابنة عالم لاهوت، تتميز بطول في القامة يتفوق على طول ديفيد وهي تعمل في بعض الأحيان عارضة أزياء، امرأة غاية في الذكاء حد التطرف فيه. ويروي القصة راو من نوع الشخص الأول بضمير الأنا المتكلم، إنها هي الشخص الأول الراوي، مما يعني أن هناك الكثير من وجهات النظر المريرة يشترك في سردها الانتقاد مع العذوبة وهو أمر فيه كثير من الحرج ولا سيما وهي تدلي بدلوها في موضوعة غرور الممثلين وما تتطلبه حياة الممثل من متطلبات صبيانية ، وفي كثير من الحالات، متطلبات غبائهم وحماقاتهم. ديفيد ليس غبيا او أحمق، لكنه متداخل مع نفسه بعمق؛ ومع ذلك فإن مهاتراتهما، في أثناء التوتر المفضي إلى فظاظة وقوة، لا ينعكس إلى عدوانية ازاء بعضهما البعض البتة. فهما ما يزالان شابان، بالرغم من انسحاقهما، كما تعتاد هي على القول، وما تزال الحياة بهما أقرب إلى الانفراجات منها إلى التوترات بحيث يكون في مقدور إيما أن تبدأ تقريبا في وقت متأخر بعد أن انتفت فرص أن يكون لدى أحدهما متسع من الوقت يخصصه للثاني، تبدأ بعلاقة حب مع رئيس ديفيد ومخرجه، الرجل الموغل في النجاح والجاذبية ويندهام فارار.
ولكن ناهيكم عن كل ذلك. فالذي يجعلنا نكون هنا، ويجبرنا على الرغبة بالإقامة داخل كتاب سنة داريك هو ذكاء إيما غريب الأطوار وأنانيتها وتقييماتها الذاتية للعقاب. فهي إذ تتحدث في احد مسارات الرواية عن فلورا بنت السنتين، نجدها تقول أنا أحمل ابنتي على محمل الجد، كما أحمل الآخرين حولي على المحمل نفسه . وهي تجد التوتر بينها هي نفسها وبين ويندهام نوعا من المراهقة المخيبة مرة أخرى وجدت نفسي سجينة عالم مصطنع يقوم على الانتظار ، في حين انه هو، ونحن كذلك نعيد اكتشاف القوة الجنسية المخيفة داخل العقول. إذ نراه يقول لها أنت أيضا لديك جاذبيتك، إنها جاذبية صعوبتك في المراس .
هنالك ثلاث مفاجآت مقنعة في التحرك الأخير فلورا تفتح الغاز في غفلة وهما يلعبان ، لكنه ذلك الحوار القصير الوامض الذي يأتي عبر نوبات من فقدان الأعصاب هو الذي يدفعنا للمطاولة على تتبع الواقعة. وتسير الامور تباعا، مع أناس من هذا النوع حولنا، ولكن أبدا لا يحدث ذلك بسهولة أو دون حزن ودون خذلان. وعلى الجانب الايجابي أيضا، لا أحد يقول أحبك . لقد انتقلت مارغريت درابل لتكتب روايات أعمق وبمهارة أكبر، ولكن ليست في رواياتها الأخرى ما يضاهي حيوية هذه الرواية الصامدة مع الزمن.
المصدر مجلة نيويوركر
AZP09

















