بازار وحدة العراق

فاتح عبد السلام

جرى الإكثار من استخدام مصطلح وحدة العراق في الأيام الأخيرة ، على نحو مفرط، ليس من العراقيين ، وإنّما من إيران وتركيا والسعودية، ومن ثم بقية دول العالم . حتى إنّ صدام حسين نفسه لم يكن على هذه الوحدوية العالية التي نشهدها اليوم.
الجميع يهتفون بصوت واحد .. وحدة العراق .. وحدة العراق ، كأنّهم تلاميذ في الاصطفاف الصباحي في مدرسة اعتادت أن تتغنى بأناشيد أمجاد الأمة كل إشراقة نهار .
ماأجمل أن يتوحد العالم من أجل هذا الهدف السامي، من أجل بلادنا، كما لم تفعل أية دولة من قبلُ أو الآن إزاء أية دولة عربية تقسّمت فعلاً كالسودان أو في طريق التقسيم الدامي كما في سوريا أو على لائحة الانتظار الطويلة ..المجهولة المعلومة.
ما أجمل مصطلح وحدة البلد ، الذي يشعر الانسان بالاطمئنان تحت ظلاله ، فهو المرجعية القرينة بالدستور ، ولو لم يكن هناك دستور فوحدة البلد شعور وطني يولد مع الانسان . لكن هذا المصطلح لا يحتمل القسمة على التأويلات الصاعدة والنازلة للأحزاب أو دول الجوار . ومصطلح وحدة التراب لا تعني شيئاً اذا لم تقترن بوحدة الانسان . ما معنى وحدة البلد والدستور يقسمنا والاحزاب تشظينا ودول الجوار ترفع وتكبس على وفق مصالحها ؟. هل وحدة البلد المفروض وجودها المستقر في نفس كل عراقي ، مفهوم قابل للتحول عندما اكون في المعارضة له معنى وحين أصل الى السلطة له معنى آخر ؟ .
ألم تكتب النُخب الحاكمة في العراق بياناً حمل عنواناً كبيراً هو (شيعة العراق) تضمن بنوداًللحكم والحياة والوجود تخص انساناً معيناً بين العراقيين ، وقمنا بنشره كوثيقة تاريخية في (الزمان) كما نشرته (الحياة) السعودية في اليوم ذاته قبل أكثر من سنة من سقوط صدام.؟ ألم يذهب الاسلاميون السُنّة، ورثة مصطلح وحدة العراق ، الى التوافق الضمني مع المشروع في اطار روحية التحاصص المبكرة والرغبة في اقتسام كل شيء حتى بند المظلوميات من أجل وضع قدم على بساط السلطة ؟ .
ألم تدخل قوى سياسية معينة الى أرض العراق مع الاحتلال الأمريكي وهي تتأبط مشروع اقليم جنوب العراق؟ ولولا الرفض الايراني لاحقاً للمشروع لما سكتت تلك القوى عن المطالبة به .

شكراً للكرد شركائنا في الوطن ، لأنهم أيقظوا في نفوسنا مصطلح وحدة العراق لندافع عنه، وأشعرونا بالخطر الذي يتهدد البلد ، في حين لم نشعر بالخطر على بلادنا ونحن نصفق للاحتلال الامريكي ونتقاسم معه فراش الرذيلة فوق أرض الانبياء وأرض آل بيت الرسول عليهم السلام . ولم نشعر بالخطر على وحدة العراق ونحن نبارك للحاكم الأمريكي في بغداد بول بريمر حلّ الجيش العراقي رمز وحدة البلاد في كل العهود، وزدنا على ذلك في تعريض الجيش المستحدث ، رمز الوحدة الجديد، لانتكاسة مخزية أمام جرذان تنظيم داعش اقتطعت من وحدة العراق الموصل والانبار وتكريت قبل أكثر من ثلاث سنوات ،ولم تمحها سوى تضحيات العراقيين الأبطال اليوم، خارج قواميس أو نواميس السياسيين .
شكراً لاستفتاء الكرد الذي أعاد نقطة الغيرة الى جباه كانت في السنوات الماضية وهي في السلطة، تظنّ أنّ الاقتتال الطائفي وافرازاته في المحاصصة الطائفية ،من أعمال الغيرة والشرف والإباء الداعمة لوحدة العراق .شكراً للاستفتاء لأنه اخرج السياسيين من غفوتهم التي دامت سنوات ،كانوا خلالها يزورون أربيل ويجتمعون فيها أربعة عشر عاماً من دون أن يروا أثراً للعلم العراقي ،وكانوا يعودون من هناك بغنائم دعم التحالف الكردي لهم للبقاء في سدة الحكم .
شكراً للاستفتاء الكردي الذين وفّر للعراق بطلاً ايرانياً في الميدان ومفكراً ايرانياً في التخطيط والتدبير، يكال له المديح الوطني كل يوم ، للحفاظ على وحدة العراق.
في بلادنا وحدها يقترن مصطلح وحدة التراب الوطني بتأويلات تلف وتدور حول مصطلح السيادة واستقلالية القرار ، لكن لاتمسه من قريب أو بعيد .

=======

رئيس تحرير -الزمان-

لندن