النزاعات السياسية تهيمن والخلافات مع الإقليم الكردي تتفاقم

النزاعات السياسية تهيمن والخلافات مع الإقليم الكردي تتفاقم
عدم الاستقرار يستمر بعد سنة على انسحاب القوات الأمريكية من العراق
بغداد ــ ا ف ب يرفع ابو محمد سترة رمادية يعرضها على زبائن اصطفوا امام عربته مرددا بصوت عال كلمات تنتقد اوضاع بلاد لم تتبدل مآسيها منذ انسحاب القوات الأمريكية قبل عام.
ويقول بائع الملابس المستعملة في سوق الشرقي في وسط بغداد لوكالة فرانس برس اذا كان الاحتلال موجودا او غير موجود، بالنسبة لنا لم يتغير شيء .
ويضيف بصوت عال يدفع اصحاب العربات الاخرى للتجمع حوله انه خلال فترة الاحتلال كانت التفجيرات، واليوم التفجيرات موجودة، كما ظلت البطالة نفسها. الوضع بقي ذاته . ويرى ابو محمد 59 عاما ان الشيء الوحيد الذي تغير هو ان القوات الأمريكية انسحبت بعدما كانت تعامل العراقيين بطريقة سيئة، كأن العراقيين عبيد لها لقد خلفوا خوفا داخلنا، فماذا نتذكر منهم؟ لا شيء جيد يذكر . وغادر آخر الجنود الأمريكيين العراق صباح 18 كانون الاول بعد حوالى تسع سنوات من بداية حرب مثيرة للجدل باسبابها وفصولها، تاركين وراءهم بلادا تعيش على وقع ازمات سياسية وتحديات امنية كبيرة. واسدل هذا الانسحاب الستار على قصة دامية بدات باقتناع ادارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بان اسقاطها لنظام صدام حسين سيجعلها تفوز تلقائيا بقلوب وعقول العراقيين، فشنت حربا متحججة بالبحث عن اسلحة دمار شامل، تبين انها لم تكن موجودة اصلا. واتخذت القصة منحى مختلفا بعدما عبدت القوات الأمريكية الطريق امام تمرد مسلح اثر حل الجيش خصوصا.
تسبب هذا الامر بمقتل عشرات آلاف المدنيين العراقيين وآلاف الجنود وعناصر الشرطة، اضافة الى حوالي 4474 جندي أمريكي، وذلك الى جانب انفاق حوالي 770 مليار دولار من الجانب الأمريكي.
وفي ساحة الخلاني القريبة من سوق الشرقي، يقول تاجر الاطارات والبطاريات محمود ياسين 48 سنة لم نتفاجأ بالموضوع، عرفنا ان الأمريكيين سينسحبون عاجلا ام اجلا هم لم ينسحبوا بارادتهم بل تحت ضغط الشعب .
ويضيف امشي ولا ارى أمريكيين. نفسيتي افضل. فمن يحب ان يرى احتلالا؟ كل انسان وطني لا يرضى بالاجنبي في وطنه ونحن عراقيون معروفون بالشهامة فلا نرضى باي محتل كان . ويتابع بعصبية انه رغم ذلك لم يتغير شيء منذ انسحابهم. الامور من سيئ الى اسوأ واليوم بتنا وكاننا دولتان في دولة واحدة ، في اشارة الى النزاع الدائر بين اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي والحكومة المركزية في بغداد. والى جانب ازمة كردستان وبغداد هذه التي تستمد زخمها من الصراع على المناطق المتنازع عليها، تعيش البلاد منذ عشية الانسحاب الأمريكي على وقع ازمة سياسية اخرى عنوانها اتهام رئيس الوزراء نوري المالكي بالتسلط والقبض على الحكم. كما يعيش العراق على وقع اعمال العنف اليومية المتواصلة منذ عام 2003، ويواجه عجزا في تامين الخدمات الاساسية كالكهرباء والمياه النظيفة، اضافة الى الفساد الذي يظلل عمل معظم مؤسسات الدولة. وعلى بعد امتار من ياسين، يجلس عبد عليان 47 سنة بين الخضروات التي يبيعها على طاولة خشبية صغيرة تفترش الرصيف الى جانب عشرات الطاولات المماثلة والعربات التي تبيع الماكولات والملابس وغيرها.
ويقول عليان الذي يبيع ايضا ملابس داخلية رجالية أمريكية الصنع طموحاتنا وامنياتنا بسيطة جدا لكنها لا تتحقق. لم يات احد يجعلنا نشعر بقيمة الشعب العراقي والعراق .
ويضيف كنا نرى الأمريكيين هنا طوال الوقت، ونسمع اطلاق نار بين الحين والآخر واليوم اقول للاحتلال الأمريكي ان الاحتلال الانكليزي عندما كان هنا في العشرينات بنى لنا جسورا وشوارع جيدة لكنك انت لم تبن لنا شيئا بل اخذت كل شيء وذهبت وتركت لنا الآلام والمواجع .
من جهته يرى كريم كاطع الذي يعمل خياطا للالبسة العسكرية في سوق الشرقي ان الامن ربما كان افضل اذ ان الأمريكيين كانوا ربما يضبطون الامور اكثر، لكن رغم ذلك، رحيلهم يجب ان يكون ابديا .
ويوضح وهو يخيط قطعة عسكرية زيتية هم لا يفهموننا ونحن لا نفهمهم. هم جاؤوا من اجل مصالح خاصة والنفط اهم ما فيها. لم يبنوا هنا على عكس الخليج ادخلوا الناس الفاسدين ودمروا البلد . ويتدخل كاظم الربيعي 50 سنة ليقول عندما اتى الأمريكيون في بادئ الامر، كنا نجلس معهم في المقاهي ونتفاعل معهم . ويتابع تغيروا فيما بعد، كانوا محررين وتحولوا الى محتلين . ةعلى مدار السنة الاولى التي تلت الانسحاب الأمريكي، عاش العراق على وقع اضطراب سياسي متواصل شمل محاولة اسقاط رئيس الوزراء والحكم بالاعدام على نائب الرئيس وتوتر على الارض بين حكومة بغداد والاكراد. وبدات الخلافات عشية الانسحاب الأمريكي صباح 18 كانون الاول 2011 الذي اسدل الستار على نحو تسع سنوات من وجود عسكري تسبب بمقتل عشرات آلاف العراقيين وآلاف الأمريكيين، وكلف مئات مليارات الدولارات. وتعكس هذه الخلافات مصالحة سياسية لم تتحقق في بلاد كان يامل الأمريكيون ان يرسخوا فيها مبدا المصالحة مع زيادة قواتهم في العراق بين 2007 و2008 والتي ساعدت على وضع حد لموجة دامية من العنف، رغم ان هذا العنف لم يتوقف حتى اليوم.
اضافة الى ذلك، لا تزال قوات الامن التي تحاول فرض سيطرتها وهيبتها، تواجه استهدافا يوميا يشمل عمليات الاغتيال والتفجير بالسيارات المفخخة والعبوات والاحزمة الناسفة.
وفي نهاية العام الماضي، اعلن اعضاء قائمة العراقية التي تضم شخصيات سنية نافذة عن مقاطعة البرلمان والحكومة، فيما دخل رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني في سجال مع رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي تعرض لانتقادات ايضا من الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
وتطورت الانتقادات الموجهة الى المالكي والتي تتهمه بالتسلط والتفرد بالحكم الى محاولة اسقاطه في البرلمان وهو ما فشل خصومه في تحقيقه.
وفي نهاية العام الماضي، اصدرت السلطات القضائية مذكرة توقيف بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي الشخصية السنية النافذة في قائمة العراقية ، قبل ان يغادر البلاد ويعتبر القضية التي حكم فيها بالاعدام غيابيا بعدما ادين بجرائم قتل، مسيسة.
في موازاة ذلك، اثار اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي حفيظة الحكومة المركزية بعدما وقع عقودا نفطية مع شركات اجنبية من دون موافقة بغداد، قبل ان يوقف تصدير النفط عبر الحكومة لاكثر من اربعة اشهر على اثر خلاف مالي.
وتطورت الازمة بين بغداد والاقليم الكردي عقب اشتباك مسلح خلال محاولة القوات الحكومية اعتقال كردي، وقرار الحكومة تشكيل قوات لتولي مسؤولية مناطق متنازع عليها، ما تحول الى توتر على الارض دفع الجانبين الى حشد قوات قرب هذه المناطق.
وقال الامين العام للامم المتحدة بان كي مون خلال زيارة الى بغداد الاسبوع الماضي ان العلاقات المتوترة بين السياسيين العراقيين تعيق تبني الاصلاحات اللازمة والتشريعات الدستورية وتحد من فاعلية الحكم وتقديم الخدمات والتوزيع العادل للثروات .
اضافة الى ذلك، قال بان انه يشعر بالقلق من ان يقود الاستقطاب السياسي المتزايد نحو عنف طائفي ويعيد الى الوراء الانجازات الامنية في مكافحة الارهاب التي تحققت خلال السنوات الماضية .
وتتولى القوات العراقية مسؤولية الامن وحدها منذ انسحاب القوات الأمريكية. وتشير الارقام الحكومية الى ان عدد ضحايا العنف في 2012 حتى شهر كانون الاول اقل من الفترة ذاتها من العام الماضي.
ويقول نائب مدير برنامج الشرق الاوسط وشمال افريقيا في مجموعة الازمات الدولية جوست هيلترمان لوكالة فرانس برس ان الوضع الامني بقي بشكل عام نفسه رغم الانسحاب الأمريكي، وهذا بحد ذاته انجاز .
وتبقى اعمال العنف اليومية امرا شائعا ويقتل فيها مئة شخص على الاقل في كل شهر ويصاب آخرون بجروح.
ويرى هيلترمان ان العقبات امام الاجهزة الامنية وهي التنسيق الاستخباراتي الضعيف والدعم اللوجيستي الضعيف ايضا وعدم وجود ثقة بين الاجهزة الامنية، تبقى امرا عالقا يتوجب ايجاد حل له .
ويملك العراق قوة بحرية محدودة، فيما يواجه هوة في مجال الدفاع الجوي حتى يبدا باستلام طائرات الـ اف 16 التي تعاقد عليها مع الولايات المتحدة والتي اكدت واشنطن انها لن تبدا بتسليمها قبل 2014.
والى جانب الازمات السياسية، والتحدي الامني، يحاول العراق قدر المستطاع تجنب الدخول في دائرة النزاع السوري، خصوصا انه يتمتع بعلاقات قوية مع طهران الداعمة لنظام الرئيس السوري بشار الاسد.
AZP02