المسرح الشعبي يصعد المناطق الجبلية

حميد حساني.. الرحيل المفاجئ

المسرح الشعبي يصعد المناطق الجبلية

صباح المندلاوي

ها قد مرت اربعون يوماً مثقلة بالحزن والاسا والآلم واللوعة على رحيل الفنان حميد حساني، هذا الفنان الذي ذاع صيته يوم اخرج مسرحية (انشودة انغولا) لبيتر فايس وما تركه من اصداء مؤثرة في الوسط المسرحي عام 1970 وفي معهد الفنون الجميلة وبدا احد الشباب المسرحيين الذين عرفوا بالتجديد والتمرد على كل ماهو مألوف وتقليدي.. وبما يخدم قضايا الانسان المعاصر والدفاع عنه في معهد الفنون الجميلة وفي مطلع السبعينات من القرن الماضي التقيته للمرة الاولى، كان يتوقد حماسة وحيوية لكي يلعب المسرح دوره المنشود في بناء مجتمع جديد يضاهي المجتمعات المتحضرة في العالم.

بدا صريحا وجريئاً في طروحاته وتشخيصاته للواقع الراهن ثمة ما هو مشترك في الاراء والافكار.

وهو ما عزز ووطد العلاقة واياه بمرور الايام والاعوام صرت التقيته في منزله بنفق الشرطة ببغداد وبحضور زوجته السيدة الفاضلة والممثلة القديرة اسمهان ابراهيم وهي ايضاً خريجة معهد الفنون الجميلة وممن تعمل في الاشراف التربوي.

هموم السياسة والمسرح تاخذ حيزاً ليس بالقليل من تلك اللقاءات والجلسات.

واذا انتهى ذات يوم من كتابة نص مسرحي بعنوان- الحلم- وباللهجة الشعبية المحلية- اعرض عليه النص، ربما كان ذلك في اواخر السبعينيات من القرن الماضي.

يبدي اعجابه  بما يقرأ وبما انجزت.. الى جانب بعض الملاحظات المقبولة لرفع وتائر التحريض والاثارة فيها.

نتجه بالنص المسرحي الى فرقة مسرحية انشأت حديثاً واغلب الاعضاء من الهواة- عمال وعاملات مطبعة طريق الشعب- وربما بعض المحررين في الجريدة واذكر منهم الباحث المعروف  حاليا هشام داود الذي كان يعمل في الصفحة الثانية- الصفحة السياسية- والذي استقر واقام لاحقاً في باريس.

تستهويه التجربة.. ثمة لذة لا تضاهيها اية لذة في العمل مع شباب هواة.يبذل من وقته وجهده الكثير لتدريب المشاركين في مجال الصوت والالقاء والتمثيل ويحرص ان يقدم ماهو طليعي وجديد ويلفت الانتباه ويترك بصمة تتحدث عنها الاجيال.

تتواصل التمرينات اليومية، واحياناً ترتطم بعد التفرغ من قبل العاملين.. رغم التعاون والتنسيق بوتائر عالية مع الرفيق ابو شروق- كريم احمد- مسؤول المطبعة.

واذ نكاد  نقترب شيئاً فشيئاً من- الجنرال بروفه – تتوتر الاجواء السياسية تتحصن- في البلد- تشن الاجهزة الامنية للنظام انذاك حملة مضايقات والمقالات وملاحقات لليساريين والتقدميين والديمقراطيين والمثقفين.

عندها نكون وجهاً لوجه امام  التلكؤ والتعثر..وبالتالي اغتيال العمل المسرحي ودون ان يرى النور ها هو المخرج يخرج حقائبه صوب الجوائز.والمؤلف الى بلغاريا والممثلون الى هذا البلد او ذاك حسب الامكانيات المتاحة ومنهم من اختفى داخل الوطن مفضلاً العمل السري في جمهورية اليمن الديمقراطي انذاك وفي الثمانينات من القرن الماضي، كنت اتابع اخبار الفنان الراحل حميد حساني/ ها هو يشتغل في الاذاعة الجزائرية ويكتب المسلسلات الاذاعية والبرامج لها الى جانب القائه المحاضرات المسرحية في معهد الفنون الجميلة وقسم المسرح، فضلاً عن اخراجه لمسرحية (الحسين ثاثراً وشهيداً) لاحقاً يغادر الى اسبانيا ويتجه للعمل في التجارة البحث عن الانتيكات والتحف خارج اسبانيا واخيراً فتح محلاً لبيع الهواتف او تصليحها  بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 يوزر بغداد بعد انقطاع طويل/ يحط في منزلي اخا عزيزا وزميلا مبدعا.. نسترجع الكثير من الذكريات القديمة ونستحضر اخبار الاصدقاء والمعارف وفي المقدمة منهم الفنان الفقيد كاظم الخالدي الذي اختفى في بيروت ولا يزال مصيره مجهولاً وهو من خريجي معهد الفنون الجميلة في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي واحد اعضاء فرق المسرح الشعبي وممن التحق بحركة  الانصار المسلحة في كردستان واخرج العديد من المسرحيات في المناطق الجبلية النائية والبعيدة. نتذكر الفنان المبدع فلاح هاشم الذي يقيم في لندن والفنان القدير المغترب في المانيا اسماعيل خليل خريج اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وعضو الفرقة القومية للتمثيل ويعود له الفضل في تفعيل فرق مسرح 14 اكتوبر في اليمن الديمقراطية ولاسيما بعد اخراجه مسرحية (الملك هو الملك) للكاتب العربي السوري سعد الله ونوس.

نتذكر مقهى الجباة في باب المعظم يحدثني عن موقف الملك والملكة في اسبانيا يوم اشترى احدهم قطعة ارض وفيها شجرة ضخمة وارفة الظلال على مفترق طريق.. وكيف اراد اقتلاع الشجرة ليستثمرها بما يرغب.

الملك والملكة شدا وثائقهم بالشجرة للحيلولة دون اقتطاعها او قلعها، كل ذلك دفاعاً عن البيئة وحماية للاشجار التي لاتي تقدر بثمن.

نتذكر (الخندك) في البصرة وهو من مواليدها عام 1946 وهي التي انجبته ايضاً الفنان والمخرج السينمائي المعروف قاسم حول. وهو الذي اختاره عام 2013  ليلعب احد الادوار في فيلمه السينمائي الجديد (بغداد خارج بغداد) وضمن اطار بغداد عاصمة للثقافة العربية.

لن انسى موقفه المآزر والمساند والداعم لحملتي الانتاخبية على منصب نقيب الفنانين العراقيين والتي تكلت بالفوز مساء التاسع من حزيران عام 2014  فكانت سعادته كبيرة وغامرة بهذا الفوز وهو الذي انتمى الى نقابة الفنانين عام 1974.

يرافقني لزيارة الفنانة الكبيرة امل طه اثناء دخولها مستشفى مدينة الطب وتثير دهشته وهي على سرير المرض حينما تناديه ابو اوراس، اي تتذكر اسم ابنه وقد مضى على ذلك وقت ليس بالقليل يوم افترق عنها.

يرافقني لاكثر من مرة الى الحلة لمتابعة الانشطة الفنية والفعاليات التي يقدمها فرع النقابة في بابل.

نزور سوية معالي وزير البلديات الانصاري لمتابعة ماله علاقة واهمية استرجاع مقر النقابة القديم في البصرة الى فرع النقابة وتمهيداً لاستثمارها وبما يدر  على النقابة افضل الموارد المالية.

وحينما يتعرض الفنان الرائد سامي عبد الحميد الى حادث دهس في عمان ويضطر على اثرها الدخول الى احد مستشفيات عمان ويتماثل للشفاء ويعود الى بغداد، نوزره الى منزله في الحارثية، ويضم الوفد اعضاء من المجلس المركزي للنقابة وكذلك الفنان الراحل حميد حساني، فتدور احاديث متنوعة ويتم توثيق هذه الجلسة بالتقاط العديد من الصور في بغداد يحط في فندق سفبت في شارع المشجر (السعدون) ومرة زرته في الفندق وكان في صالة الاستقبال الفنان الشاعر صادق الصائغ الذي كان هو الاخر نزيل الفندق.

واذ زار الفنان القدير اديب القيه جي  بغداد بعد انقطاع طويل، اغراه الفنان الراحل حميد حساني بالنزول في هذا الفندق، وحينما اصيب بوعكة صحية زرته في هذا الفندق وقدمت له باقة ورد مشفوعة بالامنيات بالشفاء العاجل والصحة الموفورة.

يترأس الفنان الراحل حميد حساني اللجنة التحضيرية لانتخابات فرع النقابة في البصرة وتضم اللجنة في عضويتها كل من السادة التالية اسماؤهم:

علي العضب

علي الزبيدي

محمد عاجل

سمير رحيم حمود

علي عبدالله

طارق شعبان

امجد محمد خضير

على السبتي

ورغم المعوقات والصعوبات التي تواجهها، تنجح اللجنة في اجراء الانتخابات والتي تكلت بفوز الفنان فتحي شداد بمنصب رئيس فرع النقابة في البصرة وفوز السادة التالية اسماؤهم كاعضاء في الهيئة الادارية للنقابة.

خلف عجيل كطيط

عن الفنون الموسيقية

خضير عباس فليح

عن الفنون التشكيلية

د. حيدر صالح دسر

عن الفنون المسرحية

حيدر علي عيسى

عن السمعية والبصرية

واذ قدم الدكتور حيدر دشر استقالته وتمت الموافقة عليها من قبل الهيئة الادارية في البصرة وفي المركز العام.. تم املاء الشاغر بالعضو الاحتياط في مجال المسرح.

بين اوراقي ورفوف مكتبتي اكثر من مسرحية كان قد انتهى من تأليفها الفنان الراحل حميد حساني.

الاولى بعنوان (الاخوة بغداس والاخوة طهراس والثانية بعنوان (حكاية جسد

والثالثة بعنوان (الفايكنغ في بلاد الاندلس كما كان ينوي اخراج مسرحية من تأليفه ايضاً وتتحدث عن الذكرى المئوية لطرد المحتل البريطاني من البصرة، لكن سفره الى مدريد والرحيل المفاجئ حال دون ذلك.

قبل سفري الى النمسا لاجراء عملية جراحية وكان ذلك في مطلع تموز الفائت، يتصل بي من مدريد هاتفياً ويخبرني انه يتحرك مع السفارة العراقية في اسبانيا لاقامة اسبوع ثقافي عراقي – اسباني يسلط الضوء الضوء على ابداعات وعطاءات العراقيين، وطلب ابلاغ السيد جابر الجابري الوكيل الاقدم في وزارة الثقافة بمساعيه بهذا الخصوص والصعوبات التي يعاني منها.

عبر هذه المكالمة الهاتفية اخبرني انه سيجري عملية جراحية لاحدى عينه في الايام المقبلة القريبة.

بعد عودتي من براغ في مطلع ايلول الفاتت، يتصل بي هاتفياً شقيقه حسن من البصرة مستفسراً ان كنت قد اتصلت به مؤخراً ام لا ؟! فمنذ ايام يتصل به وبلا جدوى.. ما من رد

وعلى جناح السرعة اتصلت به عبر الهاتف النقال ولكن بلا جدوى.. لا احد يرد.. ما الذي حدث ومرة اخرى اتصل شقيقه ليعلمني ان الموت قد غيب شقيقه.. لم اصدق الخبر.. ولا لا ان تتصل بي السيدة اسمهان ابراهيم من اسبانيا وتؤكد الخبر، لما تيقنت من ذلك.

هكذا غادرنا بصمت واثر نوبة قلبية.

كم من الاحلام الجميلة التي كانت تراودك وتحوم فوق رأسك.. رحلت ايضاً ومنها انتاج مسلسل تلفزيوني من خلال شركة اوربية عن العرب المسلمين في بلاد الاندلس كنت وستبقى حاضراً في ذاكرة محبيك ومعارفيك وعهداً ان نواصل الدرب. ونتحدى الكثير لترتضع عالياً مشاعل المحبة والسلام والابداع وفي اطار المسرح الذي نريد والذي يرتبط اوثق الارتباط بهموم ومعاناة وتطلبات الناس  وبما يرسم الغد الاجمل والابهى.. مسرح التنوير والتغيير والتثوير.

نم قرير العين ايها الفارس الجرى والشجار.