المحفظة
والدي يعتز كثيرا بمحفظته السوداء ،فهي تذكره بسنوات شبابه المليء بالطموح ، الولع بالأدب الفرنسي وبالأخص كتب الجيب، و الهوس بالسياسة إذ كان حضور مؤتمرات الحزب على مستوى الولاية والاقليم يشعره بالغبطة والسعادة…
أما أمي فكثيرة التشكي ! أي شباب؟ وأي طموح؟ وطالما قالت أمامي متحسرة:ـ أبوك تغير! لم يعد ذاك الشاب الحيوي الذي أعجبت به ووافقت على الزواج به بدون تفكير… أنظر الى تلك المحفظة لو كانت تتكلم لأخبرتك عن والدك، وعن المؤتمرات التي حضرتها معه!
عمل والدي في مدينة بعيدة وكانت سيارة الرون دوفر توصله حتى البيت ، وكثير هي المرات التي تكون فيها محملة بالتين الشوكي ،السفرجل أو التفاح…. غير أو والدي تشاجر مع صاحب العمل بسبب اختلاف وجهات النظر ،والدي شاب متحمس يعتقد أنه يعرف كل شيء! وصاحب العمل نصحه مرات بأن الانسان لما يكون شابا عليه أن يتعلم من من هم أكبر منه سنا! وتوقف أبي عن العمل ،وذلك ما اعتبرته أمي نذير شؤم وتدبير غير حكيم، من لا يصبر على توجيهات الأخرين لن ينجح أبدا…وبالفعل صار والدي يقضي وقته بين الخمر ،القمار وأصدقاء السوء….
وفي اللحظات التي يحس فيها والدي بالضعف واليأس والانخداع، يضع المحفــظة السوداء أمامه ،يريد أن يخاطبها لكن لما يراني أنظر اليه يحجم عن ذلك…
تسأله أمي:ـ فيما تفكر؟ في الأيام الضائعة؟ ..أو تلك التي ضيعتها؟….
يبتسم أبي ثم يقول:ـ يا زوجتي العزيزة! أبناء المدن الصغيرة عليهم أن لا يطمحوا أبدا، الطموح ممنوع! وانما عليهم أن يتزوجوا وينجبوا الاولاد ،ولما يكبر الأولاد يحققون طموحاتهم! ليس الأولاد وانما مدينتنا لما تكبر…
رفض والدي أن يعطي محفظته لابن عمي مبروك الذي يدرس في الطور السادس ، وأبى أن يبيعها لصديقه حميد معلم اللغة العربية في مدرسة خلف خيرة رغم الحاحه الشديد! وأيضا الشريف أستاذ اللغة الفرنسية في الثانوية…
أخرج والدي المحفظة من خزانة الملابس ،ثم وضعها أمامه …فتحها ،قلب الأوراق والوثائق المكدسة داخلها….مسحها بيده بحنان ..تنهد بعمق..
ـ لماذا تتنهد؟ سألته أمي…
ـ أني حائر أين أضع هذه الأوراق؟
ـ لماذا؟ والمحفظة! لا تقل لي أنك ستعطيها لأحد!
صمت والدي ولم يقل شيئا…وانما استمر يفكر في طريقة يحفظ بها أوراقه وصوره التذكارية….
ـ ابنك العام القادم يدخل المدرسة! وأشارت إلي…كل هذه السنين الطويلة تمتنع بل وترفض بشدة فكرة بيعها، أو اهدائها ،أو حتى اعارتها…واليوم لما اقترب موعد تمدرس ابننا تفكر….هذا لن يكون أبدا…اترك المحفظة على الأقل تذكرك بأيام شبابك! المحفظة جزء من تاريخك! وهي لا تزال تحفظ اوراقك…..
ـ يا زوجتي العزيزة! هل تعلمين أن أنجب تلميذ في مدينتنا ابن رجل فقير؟ والعام القادم ينتقل الى الثانوية ،ومنذ أن سمع والده البعض يتحدث عن محفظتي وهو يترجاني ..حتى كاد يبكي أمامي…الثانوية ليست مثل الابتدائية تتطلب محفظة غير عادية…..هكذا قال…..
بعد أيام انتبهت بأن محفظة والدي السوداء اختفت من خزانة الملابس
عبدالقادر رالة – الجزائر
/5/2012 Issue 4203 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4203 التاريخ 19»5»2012
AZPPPL
























