الكوفة في بطون كتب التاريخ

الكوفة في بطون كتب التاريخ

تولى العاصمة الجديدة سعد بن إبي وقاص وعمار بن ياسر

عصام مجيد العبيدي

ذكر اصحاب المعاجم اللغوية في معنى الكوفة انه … كل رملة تخالطها حصباء ومن قال انها سميت بهذا الاسم لاستدارتها … وفي عام 17 هجري وبعد انتصار المسلمين بقيادة سعد ابن ابى وقاص في موقعة القادسية المشهورة فتح سواد العراق . وباشر بناء مدينة يتخذها معسكرا لجنده . فختار مكان موقع الكوفة الحالية وقام بتخطيط المدينة شخص اسمه (ابو الهياج الاسدي عمر بن مالك بن جناده .

وهنا يقول البلاذري ،ان مبدء التخطيط هو ان عبد المسيح بن بقيلة اتى سعدا وقال له .ان ادلك على ارض انحدرت من الفلاة وارتفعت عن المباق .. فدله على موضع الكوفة اليوم وكان يقال له ((سورستان)) فلما انتهى الى موضع مسجدها امر رجلا فعلا بسهم قبل مهب القبلة فاعلم عن موقعه ثم على بهم اخر قبل مهب الشمال واعلم على موقعه ثم علا بهم قبل مهب الجنوب واعلم عن موقعه ثم علا بهم قبل مهب الصبا فأعلم موقعه ثم وضع مسجدها ودار امارتها في مقام المال وما حوله . واسهم لنزار واهل اليمن بسهمين على انه من خرج بسهمه اولا فله الجانب الايسر وهو خيرهما . فخرج سهم اهل اليمن . فصارت خطط نزار في الجانب الغربي .ومن وراء تلك العلامات . وترك مادونها فناء للمسجد ودار الأمارة.

ولقد حرص المسلمون في بدء الفتوحات الاسلامية ان يشيدوا معسكراتهم ومدنهم في امكنة تتصل بمركز الدولة الاسلامية في الحجاز وان تكون الصحراء العربية طريقهم المباشر بذلك المركز .ولا يجعلوا بحرا او نهرا او جبلا حاجزا بين مايشيدون . وبين مركز انتشارهم وتحركهم ولا يبتعد وا مسافة عن المدينة التي كانت مشيدة قبل دخولهم البلاد المفتوحة . فلم يتخذوا الحيرة سكنا بل ابتنوا الكوفة التي تبعد حوالي ثمانية كيلومترات عن مسجد الكوفة الى الجنوب وينطبق هذا التعليل على بناء المسلمين لمدينة البصرة القريبة من مدينة ((الآبله)) وبنائهم لمدينة القسطاس القريبة من عين شمر.

عدم الاختلاط

ونعتقد ان المسلمين كانوا يريدون الابتعاد قدر الامكان عن السكان الاصلين وعدم الاختلاط بهم كي لا يتأثروا ….

وارض الكوفة سهلة عالية فوق مستوى الفيضان وهي ترتفع عن مستوى سطح البحر بمقدار ((22م))  وانها بعيدة عن مناطق الاهوار والمستنقعات . ومن الجدير بالذكر ان ضفة النهر الغربية اعلى نت الضفة الشرقية بمقدار من ((5)) الى ((6م)) وفي بعض القسام الجنوبية يقل ذلك الارتفاع والاراضي القريبة من النهر وتكون عادتا رسوبية خصبة صالحة للزراعة حيث تنحدر انحدارا تدريجيا من جهة الغرب .  فتؤلف ضفة كلسية هي ((النجف)) وترتفع بمقدار ((60م)) عن مستوى سطح البحر ثم تنخفض من جهة الغرب والجنوب فتؤلف بحيرة ضحلة مالحة هي بحر النجف وارتفاعها عن مستوى سطح البحر ((10م)) .

ضفاف نهر

وقد شيدت الكوفة على ضفاف نهر الفرات وكان الفرات الى شرق المدينة والصحراء من جبهتها الغربية . وتقع الحيرة الى جبهتها الجنوبية الغريبة  و ((الكفل)) من جهتها الشمالية الشرقية . حيث كانت الكوفة اقرب الى الفرات من ((مدينة الحيرة)) وهذا المر ساعد في سيطرة الكوفة على الجسر القائم على نهر الفرات الذي كان الرابط التجاري المهم الذي يربط العراق وما يجاوره بالطريق التجاري الذي كانت تتبعه القوافل التجارية وجنوب الجزيرة العربية ، وهذا ما تطرق اليه ((المسعودي)) ومن اهم النقاط الدالة على مدينة الكوفة التاريخية (مسجد الكوفة) و قصر الأمارة ومسجد السهلة والطريق المؤدي الى مدينة (النجف)…

ومسجد الكوفة له مواصفات هندسية في غاية الروعة . حيث انه مربع الشكل تقريبا وذلك بسبب اضلاعه الاربعة مختلفة الطول اختلافا قليلا وهي على التوالي 110و116م ومن اهم مظاهر المسجد مشهد الامام علي ابن اب طالب /ع  الذي يقع في رواق الضلع الجنوبي . وهنالك محاريب منتشرة في المسجد وقد تداولت بين الناس بأسم المقامات ومنها بأسم مقام ((الخضر)) و مقام ((زين العابدين)) و مقام ((جبرائيل)) ومقام ((ابراهيم)) .

ومن مظاهر المسجد السفينة او التنور ويكاد ان يكون في وسط المسجد حيث ينزل الى السفينة بدرج منظم تعلوه عقادة مائلة . يفضي هذا الدرج الى ساحة مكشوفة مثمنة الاضلاع . تعلو جدرانها الى فوق ارض المسجد قليللا فتظهر من الخارج على هيئة حوض مثمن وفي كل ضلع من اضلاعه الثمانية ((ايوان)) وقد سمي هذا المبنى الذي عرف بالسفينة وله فروعا داخلية اخرى . وواضح ان هذا الجدار استحدث حديثا . اما سبب تسميته بالسفينة . حيث ان الناس يعتقدون ان سفينة النبي ((نوح)) ع كان رسوها في هذا المكان بعد الطوفان الذي طال الارض والجدير بالذكر ان مسجد الكوفة في بناءه الحالي يختلف عما انشىء في بادىء الامر وقد طرأت على بناءه توسعات وترميمات في عصور تاريخية مختلفة .

الأن نعرج على قصر الامارة فأنه قد شيد بمحاذات الضلع الجنوبي لمسجد الكوفة وقد ظهر من التنقيبات الأثرية التي اجرتها مديرية الأثار العراقية .. ان المسجد كان يتصل بالقصر من باب مفتوحة في الجدار الجنوبي للمسجد .. وان طول ضلع القصر نحو 177 م وان معدل سمك الجدار 3،60 م ومعدل قطر البراج 3،30م وان جهة المسجد الجنوبية بحدود 85 م يوجد بناية صغيرة تعرف بين عامة الناس بأسم ((بيت الامام علي ع)) ويذكر التاريخ بأن الامام علي ع كان يسكن هذه الدار المتواضعة وانه قد غسل فيه بعد استشهاده /ع . وبالقرب منه يقوم قبر الشهيد مسلم ابن عقيل /ر وقبر الشهيد هاني بن عروه /ر في مشهدين في مكان قريب ملاصق لجدار الكوفة الشرقي . كما ان للمشهدين بابا من جهة البناء الشمالية والى مكان من مشهد مسلم ابن عقيل/ر يقوم قبر المختار بن ابي عبيدة الثقفي زعيم التوابين ، وفي خارج مسجد الكوفة بالقرب من بيت الامام علي / ع  يقوم قبر (ميثم التمار) وهو من انصار الامام علي / ع ومن الخلصاء له.

وفي الكوفة مساجد لها مكانة كرية عند الناس ومن تلك المساجد _ مسجد السهلة _ ومسجد غني _ ومسجد بني ظفر _ ومسجد الحمراء _ ومسجد جعفي . وقد روى المجلسي عن محمد ابن مسلم بن جعفر / ع … انه في الكوفة مساجد مباركة فأما المباركة فمسجد غني وااله ان قبلته لقاسطة وان طينته لطيبة وقد شيده رجل مؤمن ..  واشهر هذه المساجد هو مسجد السهلة وهو الباقي من كثير من المساجد التي قد ثرت ويقع المسجد اليوم في ظاهر الكوفة من الجهة الشمالية الغربية. ويرجح المؤرخون ان هذا المسجد شيد قبل مجيء الامام علي /ع الى الكوفة .. ويذكر ابن (الفقيه) ان الامام علي / ع قال ان بالكوفة اربع بقاع ((قدس مقدسة))  فيها اربع مساجد احدهما هو مسجد ظفر وهو مسجد السهلة . واما مساحته 140م x 135م وترتفع جدرانه نحو 22 م وكل ضلع من اضلاعه الاربعة تدعمه ابراج نصف دائرية من الحارج على ابعاد متساوية واما المحراب فيع في وسط بيت الصلاة وهويخلو من الزخارف والكتابة … ولا يفوتنا ان نذكر اشهر محلات الكوفة ومنها ((الكناسة)) الواقعة غرب مسجد الكوفة وهذه المحلة اصبحت مركزا مهما في المدينة تركزت فيها النشاطات التجارية وخاصة تجارة بيع وشراء (الجمال) والدواب . ويذكر لنا التاريخ انه في هذه المحلة او المنطقة كان هناك سوق لبيع وشراء العبيد وسميت بهذا الاسم لانها كانت مكان لرمي الانقاض .

من اشهر سكان الكوفة ((بنو رياح)) وهي من القبائل العربية وكذلك قبيلة ((عبس ورضه)) وكذلك ((تميم)) و بنو ((درام)) وبنو ((حمام)) وبنو ((السيطان)) وبنو ((عوف)) وبنو ((حرام)) و بنو ((مالك)) وبنو ((الكاهل)) كما يحدثنا التاريخ ان هناك قبائل عربية اخرى قد استقر بها المقام منها قبيلة ((كنده)) و ((همدان)) و ((ثقيف)) و ((مذحج)) و ((اسد)) و ((بكر)) و ((الازد)) و ((طي)) . وبعد استقرار هذه القبائل تلك الاماكن التي اتخذت مستقرا وسكنا ..  بفترة وجيزة هاجر اليها بعض الوافدين ومنهم الفرس .. وكان كثير منهم يعملون في الجيش الفارسي وكان العرب يطلقون على هؤلاء حمراء ديلم ويذكر لنا التاريخ ان من سكن الكوفة تمصيرها ((السريان)) وكان لهم نقيب يقال له ديلم . وكانو يسكنون مابين الحيرة والنجف . كما كان هنالك ((اسقفان)) احدهما يعقوبي وكانوا نصارى الكوفة اكثرهم من ((النساطرة)) وهم من الحضر ويعاقبه من البدو ،كما قدم الكوفة صيارفة حيث سكنوا في منطقة تسمى ((النجرانية)) وفي ذلك الوقت ازدهرت الكوفة وصارت قبلة انضار العرب وبلغت مساحتها ستة عشر ميلا وقد ذكرها ((الأصطخري)) انها اصبحت تضاهي البصرة من حيث السعة والعمران والنشاط التجاري والسكن فيها مشيد اكثر من ((50)) الف دار ويحدثنا التاريخ انه في سنة 132هجرية و750 م اعلنت الخلافة العباسية في الكوفة .

ونودي ((بأبن العباس)) السفاح اول خليفة عباسي وبعد فترة وجيزة تحول السفاح عنها الى مدينة ((الشامية)) القريبة من الكوفة .. ولما تولى ابو جعفر المنصور الحكم بعد وفاة ابي العباس السفاح سنة 136 هجري 754 م شيد في الكوفة اعمار كثير.

كري سعدة

يقع بالقرب من الكوفة خندق يعرف بخندق ((كري سعدة)) ويعرف ايضا بخندق سابور ويعتقد بأن الفرس الساسانين هم الذين شيدوا هذا المشروع الكبير .. يبدء من جنوب مدينة هيت على الفرات بمساحة 17كم ويخترق البادية على طول الحدود العراقية لاراضي العراق السهلة وينتهب بالبحر قرب مصب ((بوبيان)) على بعد 20 ميلا من 20شط العرب غربا ويعرج هذا الخندق بعد ان يمر من غرب الحبانية مارا بجبل سعدة ثم وادي ((الفضاوي)) ثم الى هور ابي دبس الى بحر النجف . ملازما الضفة الغربية قرب الكوفة ثم يقطع المسافة الى هور الحمار حيث ينتهي في (جبل سنام) . كانت الكوفة ترتبط مع بلدان مختلفة وكثيرة بطرق متعددة فالطريق الى الموصل من (الكوفة) الى قلة كان يسير متجها نحو القادسية ثم (المغيثية) ثم (القرعاء) ثم (واقصه) ثم (زباله) ثم (الشقوق) ثم (بيطان) والاماكن الاربعة  هي ديار (بني اسد) و (التغلبية) وهي مدينة عليها ((سور وزرود)) اما ((الاجفر)) فأن منازلها تعود الى ((طي)) و مدينة  (قسد) وهي التي ينزلها عمال مكة واهلها من ((طي)) و ((توز)) و ((سميراء)) و ((الحاجر)) اهلها من قيس واكثرهم من بني  ((عبس)) و ((النقرة)) منها ينعطف الطريق ازاء مكة او ازاء المدينة  ومن اراد الاتجاه نحو البصرة فيسلك طريق (بارق) ثم (العلع) ثم (سلمان) ثم الى (عين) ثم (صيد) ثم (عين جمل) ثم الى البصرة .

ولنا عودة ثنية الى الولاة الذين تولو حكمها . واول ولاة الكوفة هو سعد ابن ابي وقاص الزهدي الذي كان يقود حملة فتح العراق . وتولاها بعده (عمار ابن ياسر) ثم بعده (ابو موسى الاشعري) ثم تعاقب الولاة عليها حتى سنة 36 هجرية فقد نزل بها الامام علي / ع بعد انتصاره في معركة الجمل وقام فيها حتى مقثله / ع واصبحت في عهده مركزا للخلافة الاسلامية وبعد اختيال الامام على / ع انتخب فيها ولده الحسن / ع خليفة للمسلمين وبقية فيها 6 اشهر تقريبا حتى الت الامور الى معاوية بن ابي سفيان حتى 133 هجرية وفيها سقطت الدولة الاموية وهدمت اركانها .

ان الكوفة تعتبر من اهم المراكز الحضارية ، انها بفخر حاملة لواء الدراسات اللغوية ، وقد ساهمت هذه المدينة في الحفاض على التراب العربي الاسلامي حتى يومنا هذا .

المصادر والمراجع

1-       كتاب فتوح البلدان 2-   تاريخ اليعقوبي 3- تاريخ المسعودي (مروج الذهب) ج 1 ص 85

 4- العلامة المرحوم جعفر الخليلي  5- ابن الفقيه البلدان ص 174 .