الكنعانيون عمّروا فلسطين بين 3000 إلي 2500 قبل الميلاد
فلسطين كانت تحت الخلافة العثمانية علي خمس مناطق وهي سنجق القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون وكلها تابعة لولاية دمشق
د. ماهر الجعبري
يُرجع بعض المؤرخين وجود الإنسان علي أرض فلسطين إلي مئات الألوف من السنين ضمن فترة العصر الحجري القديم، كما يدللون علي ذلك من خلال بعض الشواهد “فقد اكتشفت بقايا هياكل في مغارة الزطية قرب قرية المجدل شمالي مدينة طبريا عام 1925، وقد عاش صاحبها قبل 200.000 سنة. كما اكتشفت بقايا هياكل في مواقع أخري في كهوف الكرمل والناصرة تعود إلي قبل 100.000 سنة” »حسب جميل خرطبيل«. بل يُنقل أنه “وجدت آثار الوجود البشري في منطقة جنوبي بحيرة طبريا، في منطقة تل العبيدية وهي ترقي إلي ما بين 600 الف سنة مضت وحتي مليون ونصف سنة مضت” »تاريخ فلسطين«.
ثم إن الكنعانيين عمّروا فلسطين بين 3000 إلي 2500 قبل الميلاد. وبينما رفض بعض كتّاب التاريخ المعاصرين إقرار أي وجود لليهود علي أرض فلسطين كما فعل مثلا جميل خرطبيل حتي قال أن “المؤرخين العرب القدماء كالطبري وغيره، فقد ارتكبوا أخطاء كبيرة” لدي سردهم حوادث بني إسرائيل في فلسطين، ينقل مؤرخون أن بني إسرائيل، في نحو 1250 قبل الميلاد، استولوا علي أجزاء من بلاد كنعان الداخلية. ومن المعلوم أنه وردت نصوص قرآنية ذات إيحاءات متصلة، أما نصوص التوراة، فإن موقف الإسلام منها يتمثل في رفض ما عارض القرآن، وقبول ما وافق، والصمت عمّا لم يوافق ولم يعارض.
فرعون وبنو اسرائيل
وبالطبع، تشير قصص الأنبياء إلي قدوم نبي الله إبراهيم إلي فلسطين وكانت تسمّي أرض كنعان، ويقدّر بعض المؤرخين أن ذلك حصل في حدود 1900 قبل الميلاد »الجزيرة نت«، ومن المقطوع به أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا، بل لم تكن الديانة اليهودية قد نزلت بعدْ، والنص القرآني القاطع المُفهم يُقرر: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وقد نزل إبراهيم في الخليل وهي مأهولة معمورة حيث اشتري مغارة من أهلها ليدفن فيها كما تفيد بعض الروايات. ومن ثم تعاقب من بعده فيها إبنه إسحق، ومن ثم إبنه يعقوب، عليهما السلام، ومن ثم كانت قصة إبنه يوسف عليه السلام ونشأته وتمكّنه في مصر، ودعوته لأهله للعيش فيها، حيث ظلّ بنو إسرائيل في مصر حتي ولد موسي، عليه السلام، وكان فرعون يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إلا أن تم خروج بني إسرائيل من مصر.
ووردت قصة تِيْه بني إسرائيل في سيناء، وورد في القرآن خطاب موسي عليه السلام لبني إسرائيل في قوله “يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ”، وقد أورد الطبري في تفسيره أن أهل التأويل اختلفوا في الأرض التي عناها هنا، فقال بعضهم هي الطور وما حوله، وقيل هي أرض أريحا، وقيل هي “دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن”، ويخلص الطبري إلي أنه ليس ثمة قطع بالمقصود من هذه الأرض، إلا أنها لا تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار علي ذلك، أما معني “التي كتب الله لكم” أي التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها. ومن ثم كانت فترة لأنبياء الله داود وسليمان وغيرهما، وفي هذا السياق يدّعي اليهود أحقيتهم التاريخية بفلسطين.
والعاقل المنصف يدرك أن يهود قد عادوا أنبياء الله، ومكروا لقتل المسيح عليه السلام، ولا يمكن أن يكونوا خلفا لسلف من الأنبياء الأطهار، بل إن بعض المؤرخين قد شكك حتي في وجود علاقة نسب »بيولوجي« بين يهود أوروبا »الذين احتلوا فلسطين« وبين بني إسرائيل الذين عاصروا الأنبياء، ولهذا تحرص بعض الأبحاث البيولوجية لدي اليهود علي موضوع الجينات وترابطها وتسلسلها التاريخي.
ثم عبر مئات السنين التي تلت، تعاقب علي الأرض الآشوريون والبابليون، وإسكندر الأكبر، ومن ثم تناوب عليها البطالسة المصريين والسلوقيون السوريين، والأنباط، وفي عام 63 قبل الميلاد تم ضمّ فلسطين إلي الإمبراطورية الرومانية، ثم كانت بعثة المسيح عليه السلام في فلسطين، وما حصل من تآمر اليهود عليه، وظلت فلسطين تحت الحكم الروماني حتي فتحها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 637 ميلادي الموافق 16 للهجرة. وبعد الفتح الإسلامي للقدس، سمح الخليفة عمر لليهود بزيارة القدس وممارسة شعائرهم الدينية فيها.
قبلة المسلمين الأولي
وقبل الفتح ارتبط الدين الخاتم ببيت المقدس حيث كان أول قبلة توجّه إليها المسلمون في الصلاة، وتمت رحلة الإسراء من مكة لبيت المقدس حسب النص القطعي الذي هو أقوي من كل روايات التاريخ، وسميت سورة من القرآن الكريم باسم تلك الرحلة، التي استهلت بقول الله تعالي “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَي بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَي الْمَسْجِدِ الأَقْصَي الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ”، وهي آية تُقرّر أن فلسطين أرض مباركة، وهي بذلك جزء من عقيدة المسلمين. وظلّت فلسطين ضمن دولة الخلافة زمن الأمويين والعباسيين، وشيّد الخليفة الأموي الخامس عبد الملك، مسجد قبة الصخرة، ثم شيّد الوليد بن عبد الملك المسجد الأقصي، وذلك في القرن الهجري الأول.
وبعد منتصف القرن الثالث الهجري، طرأ علي دولة الخلافة ضعف، استمر وتزايد في ظل نزاعات علي السلطة والحكم، ولا شك أن تلك الظروف السياسية من التمزق، قد حركت أطماع الصليبيين، فأشعلت الحروب الصليبية، وتم احتلال فلسطين بعد تسيير عدة حملات عديدة للفرنجة، وتمت إقامة مملكة القدس اللاتينية في الفترة ما بين 1099 و 1187 للميلاد، بعد ارتكاب جرائم صليبية وحشية: من إحراق وذبح لآلاف من المسلمين العزّل من الرجال والنساء والاطفال.
ثم انبري القائد عماد الدين زنكي بن أقسنقر لجهاد الصليبيين، واستمرت جهود زنكي في توحيد قوي المسلمين لمحاربة الصليبيين، ووّحد العديد من مدن الشام تحته، وحاول في سنة 534 هـجري الاستيلاء علي دمشق مرتين دون جدوي، “فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام” »فلسطين في التاريخ الإسلامي«. وقُتل – رحمه الله- غدراً بينما كان يحاصر قلعة “جعبر”، فتبعه في الجهاد ابنه نور الدين محمود، الذي تولي حلب وما يتبعها، وكان شخصية إسلامية فذة وورعة، وظل يستهدف تحرير فلسطين واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام.
وتمكن نور الدين زنكي من إكمال مسيرة أبيه: ففتح دمشق عام 549 هجري »1154م«، ومن ثم ضم العديد من مدن وقلاع الشام وأخضعها لسلطانه، وأدرك أن تحرير فلسطين واقتلاع الاحتلال الصليبي يقتضي السيطرة علي مصر وتوحيدها مع الشام من أجل وضع الصليبيين بين فكّي كمّاشة. وبالفعل تمت السيطرة لنور الدين علي مصر بعد ثلاث حملات أرسلها لمصر من أجل ذلك الغرض، وفي العام 564 هجري »1169م« تولي صلاح الدين “الوزارة” في مصر تحت الخلافة الفاطمية، ثم أسقط الخلافة الفاطمية ووحد مصر مع الشام في العام 567 هجري »1171م«، بأمر من نور الدين زنكي. وكانت إستراتيجية نور الدين زنكي تقوم علي توحيد الشام ومصر مع الموصل واليمن وتشكيل جبهة إسلامية من العراق إلي الشام فمصر واليمن تمهيدا للتحرير الكامل لفلسطين. وفيما كان نور الدين يجهّز لتحرير بيت المقدس وفلسطين، وكان قد جهز منبرا جديدا للمسجد الأقصي، وبينما كان متوجها لمصر من أجل ترتيب أمورها والتحرك لفلسطين، توفّي رحمه الله عام 570 هجري »1174م«.
مسلمون وصليبيون.. صراع طويل
ثم جاء من بعده صلاح الدين الذي جهّز جيشه للمعركة الفاصلة، واجتاز صلاح الدين نهر الأردن، وفي العام 583 هجري الموافق 1187 ميلادي انتصر جيش صلاح الدين في معركة حطين التي كانت إحدي المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي وتاريخ فلسطين، حيث فتحت الطريق أمام المسلمين لتحرير معظم أرجاء فلسطين، وتم خلال أيام قليلة تحرير العديد من مدن فلسطين، ومن ثم تتوج ذلك العام المبارك بالنصر وتحرير القدس في منتصف رجب، وعادت بيت المقدس لحكم الإسلام بعد 91 سنة هجرية »88سنة ميلادية« من الحكم الصليبي. واستمر صلاح الدين في مسيرة تحرير كافة مدن الشام مثل اللاذقية والكرك ثم صفد. إلا أنّ الصليبيين الذين سقطت مدنهم وقلاعهم تجمعوا في صور وحشدوا مزيدا من القوي، ومن ثم هاجموا مدينة عكا عام 585 هجري الموافق 1189 ميلادي، وتحصنوا هنالك حتي جاءتهم إمدادات الحملة الصليبية الثالثة التي دعا إليها البابا أوربان الثاني، وقادها ثلاثة من ملوك أوروبا »ألمانيا وانكلترا وفرنسا«، وعاد الصليبيون ليكون لهم موطئ قدم جديد في فلسطين. واستمر الصراع العسكري الدموي بين المسلمين والصليبيين، ورابط صلاح الدين حول عكا سبعة وثلاثين شهراً، حتي اضطر لعقد هدنة الرملة مع ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، عام 588 هجري الموافق 1192 ميلادي، وكانت محددة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر، رغم أنه كان مصّرا علي مواصلة الجهاد ورفض الهدنة، إلا أن أمراءه ومستشاريه أصروا عليه من أجل قبول الهدنة، بحجة خراب البلاد، ومن أجل استراحة المحارب والتحضير للحرب، بعد إرهاق الجند والناس، وتحت ضغط قلة الموارد، وألحّوا عليه بالهدنه علي اعتبار أن الفرنجة لا يوفون بعهودهم ولا يلبثون أن يتفرقوا. ومن المقرر في التاريخ أن تلك الهدنة لم تتضمن أي اعتراف للصليبيين بأيّ حق لهم علي أرض فلسطين، واقتصرت علي عدم القتال علي ما انتزعوه من أرض فلسطين حتي تنتهي الهدنة. وتوفي صلاح الدين -رحمه الله- بعد ستة أشهر من توقيع تلك الهدنة.
وفيما عادت الصراعات علي السلطة بين خَلَف صلاح الدين، وقَوِيت شوكة المملكة الصليبية في عكا، وأعادوا احتلال القدس عام 626 هجري الموافق عام 1229 ميلادي، ثم عام 638 هجري »1240م« ضمن حالة من النزاعات كانت فيها القدس ورقة مفاوضات وملفا ضمن صفقات التحالفات، حتي تم تحريرها نهائيا من الصليبين في العام 642 هجري »1244م«، وظلت كذلك حتي نهاية الدولة العثمانية.
وآل حكم مصر من بعد الأيّوبيين للمماليك عام 647 هجري »1250م«، وقد خاضوا معارك الجهاد ضد المغول والصليبيين، وتوّجوا ذلك بمعركة عين جالوت التي وقعت عام 658 هجري »1260م«، والتي تعد أخت حطين في طبيعتها الفاصلة في التاريخ الإسلامي، حيث انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا علي المغول، وأدت لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا، وقد وقعت في منطقة تسمي عين جالوت بين مدينة جنين والناصرة وبيسان، في شمال فلسطين. وكان المماليك هم من طهر فلسطين من آخر الصليبيين عام 1291 ميلادي في قيساريا وعكا.
وفيما كان اسم المنطقة “جند فلسطين”، فقد قُسّمت إلي ستة أقضية هي غزة وقاقون، والقدس، والخليل ونابلس، وكانت جميعها تابعة للشام. وكذلك الحال تحت الخلاقة العثمانية، قسمت فلسطين إلي خمسة مناطق سميت سناجق، وهي سنجق القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، وكانت جميعها تابعة لولاية دمشق، وبالطبع لم تكن هنالك فواصل محددة ولا حدود ثابتة تعرّف فلسطين كمنطقة جغرافية قائمة بذاتها طيلة القرون السابقة ضمن مراحل الخلافة الإسلامية، وتشير بعض المراجع »فلسطين« إلي أن اسم فلسطين يمكن أن ينطبق علي “المنطقة الممتدة من نهر الليطاني في لبنان شمالا إلي رأس خليج العقبة جنوبا، ومن البحر الأبيض المتوسط غربا إلي الضواحي الغربية للبادية السورية في الأردن شرقا. ويمكن أيضا اعتبار صحراء النقب جزءا طبيعيا من شبه جزيرة سيناء وعدم شموله بمنطقة فلسطين جغرافيا”. ومع تفاقم أزمات اليهود واضطهادهم في المجتمعات الأوروبية »وخصوصا الشرقية منها حيث سكن اليهود« خلال الثمانينات من القرن التاسع عشر وما تلاها، تبلورت عند اليهود قضية إقامة دولة يهودية، وكان احتلال فلسطين هو الطريق لذلك مستندين إلي عقيدتهم.
/2/2012 Issue 4123 – Date 15- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4123 – التاريخ 15/2/2012
AZP07























