الكتابة غير محايدة جلسة اعترافية لبنيس وبيدرو وأوسون وثوبسيك

الكتابة غير محايدة جلسة اعترافية لبنيس وبيدرو وأوسون وثوبسيك
ما أصعب أن تؤلف كتاباً أو تقرأه أو تبيعه
الرباط الزمان
الأمسية الثانية من أسبوع الأدب في المغرب مساء يوم الثامن من ايار مايو 2012 في المركز الثقافي الأسباني في مدينة الرباط كانت حول صورة الكاتب والقارىء كشخص واحد، لتعريف الجمهور بقراءات الكتاب ومراجعهم وبداياتهم الأولى المتصلة بما قرأوه، وما سيقرأونه في المستقبل القريب، وقد ضمت الجلسة الأعترافية الشاعر محمد بنيس من المغرب، وخوان بيدرو من إسبانيا، وكلارا أوسون أسبانيا، وسلافكو ثوبسيك فنزويلا وكانت مسيرة الجلسة الكاتبة المغربية فتيحة بنلباح، وقد كان الكتاب ميالين للفكاهةعند رواية ما مر بهم في طفولتهم، وصباهم، وأثناء تلمسهم الخطوات الأولى في القراءة، والأعجاب بالكتاب، الذين يعتبرون في أذهانهم في ذلك الوقت من القمم الفكرية الكبيرة، ولكنهم أكتشفوا فيما بعد انهم لم يكونوا كبارا كما كانوا يعتقدون، وبالرغم من بساطة، وتلقائية ما حاول الشاعر محمد بنيس التعبير عنه من دهشته كفتى تعلم في كتاتيب فاس تلاوة وحفظ القرآن الكريم، ليجد نفسه يقرأ الروايات البوليسية، وأمهات الكتب في الفكر، والادب عبر جولات مكوكية بين بيتهم وكشك لبيع الكتب قرب جامع القرويين في فاس
، ولم يكن أبوه الذي كان يعمل خياطا للملابس التقليدية يعرف ماذا يصنع ولده بكل هذه الكتب التي يقتنيها، فاعتبره وعائلته، الذين لم يعرفوا من قبل وجود المكتبة الشخصية في بيتهم أن ما أصاب ابنهم هو نوع من الجنون ولكنه من نوع الجنون الحميد، الذي لا يضر ولا ينفع أيضا فقبلوا بوضعه كقارىء نهم للكتب بينهم على مضض وبدأت الجلسة الأعترافية بقراءات تمثيلية أدتها الممثلة المغربية لطيفة أحرار.
غرفة مظلمة
اما كلارا أوسون فقد عكست تجربتها مع القراءة والكتابة كتجربة شابة جاءت بعد مرحلة فرانكو حيث كانت في كل مكتبة شخصية أوعامة غرفة مظلمة لتحفظ فيها الكتب الممنوعة، والتي تحضرها حكومة فرانكو سابقا، وهي مرحلة تعد من اسوأ المراحل التي مرت فيها إسبانيا، وقد جاءت المرحلة التي تنتمي لها أوسون في الفترة الأنتقالية بين مرحلة دكتاتورية، واخرى اكثر انفتاحا على الآدب والفكر في إسباينا، بينما حاول الكاتب سلافكو ثوبيسيك أن ينقل لمستمعيه تجربة القراءة والكتاة في فنزويلا وبعض دول امريكا الاتينية.
أما الكاتبة فتيحة بلنباح التي حاولت فلسفة موضوع القراءات الأولى للكتاب من خلال تأويلها للنصوص المقروءة وأعطائها معنى حرا، واعتبرت ان القراءة والكتابة في الستينات، والسبعينات، وهي الفترة التي بدأ الكتاب الحاضرون في الندوة اليوم كتاباتهم، وظهورهم لجمهور القراء، كانت أكثر حرارة وعمقا وجدية، وأعتبرت أن للحديث عن القراءة والكتابة في حياة الكاتب في فترته المبكرة مهمة جدا، لما سيأتي فيما بعد من حياته ونشاطه ككاتب، وعلينا أن نفهم أنها لا تنفصل عن العلاقات العامة، وكذلك فإن ما يكتبه الكاتب في شكل من الأشكال هو إعادة للمقروء او كما يقول رولان بارت أن كل نص لا متناه و لا يوجد نص سالما من التناص مع كاتب آخر ومن شروط وجود اي نص هو التناص مع نص آخر، في سلسلة طويلة لا تنتهي، وأن المقال بصفته ظاهرة لها تأثير على القراءة، والكتابة وليس على مصدر النص، وأصله فقط بل يظهر على تموجات النص عند ظهوره، وقد قالوا عن قراءات الكتاب هي تخصيب للكتابة، وتساءلت الكاتبة كيف نعرف بطفو آثار القراءات على كتابات الكاتب ؟… فالكتابة سيرة للكاتب حين كان قارئا كما أشار رولان بارت، فالكاتب يقوم عادة بأقتباسات بشكل مباشر وغير مباشر ثم يحول كل ذلك الخليط، من الأفكار والمعاني والنصوص، والأنساق، ليعطي معنى مغايرا أو مثلما عمل بورخس في الكثير من نصوصه، حين نهل من اللاهوت والسير الدينية القديمة، ومن التراث القديم ، وقالت أعطي الكلمة للكاتب الأسباني خوان بيدرو أبارسيو، الذي سيحدثنا عن القراءة والكتابة، , واذكره لكي أحفزه ليحدثنا عن الجامعة والحياة السياسية والاداب في إسبانيا في بداياته المبكرة.
صعوبات
وقد شكر الكاتب الأسباني خوان بيدرو أبارسيو منظمي الأسبوع الأدبي على أتاحة الفرصة له لزيارة المغرب لأول مرة في حياته، وقال أنه من نافذته في الفندق رأى اطفالا مغاربة يلعبون في الزقاق المجاور ويتصايحون، وضحكاتهم تعلو مع صرخاتهم الطفولية، مما ذكره بأزقة مدريد، فلها ذات الضجيج الطفولي، فمدريد في وجه من وجوهها تشبه الرباط، ثم تابع حديثه عن القراءة والكتابة فقال كنا نجتمع كطلاب لنقرأ لكتاب من امريكا وبريطانيا، وفرنسا وأمريكا اللاتينية، وكان ما نقرأه أو نفضله للقراءة لهذا الكاتب أو ذاك هو ماتحدده العولمة، والكتابة الأدبية عبارة عن تموجات للقراءة، التي تعطي فيما بعد مجموعة ما دونه الكاتب، وما اصيبت به القراءة اصيبت به الكتابة ايضا، فإني اسمع أحد زملائي من الكتاب يقول ما أصعب أن تبيع كتابا وأخر يقول ما أصعب أن تقرأه وأنا أقول ما أصعب أن تؤلف كتابا أوتقرأه أو تبيعه أنه زمن صعوبات الكتاب في جميع مراحله.
مدينة فاس
وفي ذات الموضوع عبر الشاعر محمد بنيس، وهو من مواليد عام 1948، وله كتاب صدر اخيرا بعنوان مع الأصدقاء والذي كتب فيه عما قرأه لسهيل إدريس، وأدونيس ومحمد شكري، ولائحة الكتاب الأصدقاء تطول، والكاتب له مختلف الأهتمامات غير الشعر، فهو يكتب المقال، وله مباحث في الأدب كأستاذ أكاديمي، وحصل على جوائز أدبية كثيرة، قال عن القراءة هي حياتي الثانية وعندما كان صغيرا كان عالم مدينة فاس صغيرا جدا بالنسبة له، فلم يكن أمامه إلا قراءة قصص الأطفال بمحاذاة جامع القرويين، وقد كان شغف القراءة متواصلا، ما أن ينتهي من قصة حتى يقرأ أخرى، أبوه كان تاجرا صغيرا يخيط الملابس التقليدية ويبيعها، وعمه يحب أغنيات فريد الأطرش، وجدته تحب رواية القصص، حيث كانت عوالمها عجيبة، ودائما تنتهي بحكمة، ولا يدري كيف انتقل من من قراءة القصص إلى الشعر، وأول ما أثر به ديوان شعر للمتنبي، وآخر لأبي القاسم الشابي، وجبران خليل جبران، وقال وكنت كلما اقرأ شيئا أشعر أني اقرأ شيئا يختلف عن قراءتي للقرآن في الكتاب ومن الكتب الفلسفية التي قراها وتأثر بها كان كتاب هكذا تكلم زرادشت لفردريك نيتشه، وقال حين قرأت هذا الكتاب تأثرت به جدا فقد وجدت فيه كتابة نثرية مركزة وأفكارا عميقة لنيتشه، القراءة هي لمعرفة أكثر عن الحياة والموت وهو موضوع يشغلني جدا ثم تحدث عن تأثره بشعراء قصيدة التفعيلة العرب عام 1964 عندما أخذ يقرأ دواوين شعراء مثل خليل حاوي، عبد الوهاب البياتي، بدر شاكر السياب، فقد تأثر بالأخير وبالذات بقصيدته أنشودة المطر، وتابع أخبار عذبات مرض الشاعر السياب في مجلة حوار اللبنانية، الذي كان رئيس تحريرها الشاعر توفيق صائغ.
صوت القصيدة
ولكن ذلك لم يكن كافيا ليغدو كاتبا أو شاعرا، قال القراءة لا تنتج الكتابة، وهناك من يقرأون أفضل مني ولكنهم لا يكتبون، لأن الكتابة بالنسبة لي أمر، والأمر لا يأتي مما نقرأ، وأقول هنا أني لم اتعلم من الشعراء المغاربة شيئا، وحتى من خمار الكنوني معلمي الأول، أحمد المجاطي، محمد السرغيني وفي عام 1966 تعرف الشاعر بنيس على شعر أدونيس، وشعر أدونيس كان بالنسبة إليه المغامرة القصوى في الشعر العربي ثم تعرف على الشعر الفرنسي، فقرأ لفيكتور هيغو، رامبو، ريلكه، ومن المانيا هولدرين، وقال حاولت أن أتعلم لأنصت لصوت القصيدة وكانت الكتابة الشعرية عليه مستحيلة لأنه كلما تأمل في ما كتب أخذته دهشة القراءة، وصعبت عليه الكتابة، ومن القراءات الكثيرة أخذت مكتيته تتسع، ومعارفه تزيد، وكان الأهل يظنون كلما راوا تجمع أكداس الكتب في مكتبته أن أبنهم في طريقه إلى الجنون، ولكن لم يتدخل أحد ليمنعه من هذا الجنون الهادىء، وقرأ بعد ذلك سرفانتس، جاك دريدا، عبد الله العلوي، أبن عربي، قال وعندما اقرأ وتتعب عيناي وظهري أغمض عيني، وأبدأ اسمع أصوات من اقرأ لهم وبعد ذلك وبمرور الزمن جاء وقت الكتابة، وقال عن تلك المرحلة بدأ صوت اخذ يعلو داخلي وجعلني أكتب من أجل زمن حر حديث، وهو يحرضني على زمن مضاد في الكتابة، ان مايعنيني في الكتابة القديمة المكان وليس الزمان، وتعلمت من بولدير، رامبو، أن الكتابة مادية، وتؤخذ مما نقرأ، فليس هناك عبقرية، ولا جنون ولا يوجد خيال رومانسي وتعني هذه الملاحظة شيئا ولا تعني شيئا في الوقت نفسه ثم أستشهد ببورخس قال الكتابة غير محايدة وهي مع أو ضد من الذين سبقونا وفي إعادة الكتابة تتخذ موقفا مما تكتب وربما كتبت شيئا قبل ثلاثين سنة ولكنك تعود للكتابة عنه .
/5/2012 Issue 4197 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4197 التاريخ 12»5»2012
AZP09