القصيدة ـ فريد أمعضشو
اِستِجابةً لدَعْوَة كريمَةٍ من جَمْعيةِ الأمَل ، التي رَفعتْ شِعاراً لها، مُنذ تَأسيسِها، الكلِمَةُ في خِدْمَة القَضِيّة ، حَضَرَ الغَزْوَانِي ؛ وهو شاعِرُ حَيِّه ودِينامُو الحِرَاكِ الثقافِيِّ فيه، الأمْسِيةَ الشِّعْريةَ التي نَظَّمَتْها الجَمْعيةُ دَعْماً لصُمُودِ الغَزِّيين ونِضَالهم ضدَّ غَطْرَسَة الطُّغْمَة المُعْتَدِية. توالَى على المِنَصَّة شُعَراء كُثـْرٌ قدِموا من جِهاتٍ مُختلِفَةٍ، ألْقَواْ قَصِيدَهم مُعَبِّرينَ عمَّا يَجيشُ في صُدُورهِم مِن مَشاعِرَ تُجَاهَ إخْوانِهم المُسْتَضْعَفين. وكان الغزواني آخرَ مُعْتَلِي مِنَصّة الإنْشادِ… أخْرَجَ من جَيْبه وَرَقةً بَيْضاءَ، وثبَّت نَظّارَتَه على أنْفِه الطّويل، وحَدَّقَ، دَقائِقَ، في فَضَاءِ القاعَةِ قبْلَ أنْ يَحْشُرَ مُقلتَيْه في وَرقتِه. سَمِعْنا منه كَلِمَةً واحِدَةً؛ كلمةَ غَزَّة ، تلتْها دَقائِقُ عَشْرٌ من الصَّمْت المُطْبَق، أعْلنَ بَعْدَها أنّه أنْهى إلقاءَ قصيدَته.. صَفَّقَ له الحاضِرون طويلاً.. رَدَّدوا اسْمَ الغزواني عَالياً.. ناشَدُوه أنْ يُعيدَ صَنيعَه… وبَعدَ ذلك، قرَّر مُسَيِّر المُلتقى انْتهاءَ الأمْسِية.
أنشُودة الزمان
زيارَةُ دَرْب للاّ فَطّومَة مَساءَ كلِّ سَبْتٍ وأحَدٍ عادةُ عَسُّو مُدّةَ عَقدَيْن من الزَّمَن.. نَصَحَه رفاقه مِراراً إلى أنْ تيَقّنُوا أنْ لا جَدْوى تُرْجَى مِن نُصْحِه … كانَ يُدركُ تَماماً أنّه أبٌ لثلاثةِ أوْلادٍ أكْبَرُهم سِنّاً فَدْوَى ، وأنّ زَوْجَه المَصُون تُحِبُّه بجُنونٍ، وأنّه سائِرٌ في طَريقٍ لا يَليق لأمْثالِه نَهْجَه… ومع ذلك واصَل السَّيْرَ فيه … مَرَّتْ سِنونٌ.. كَبُرَتْ فدوى ، وصارَتْ مَحَطَّ الأنْظار، وشَرَعَت عائلتها تترَقـَّبُ قدُومَ نِصْفِها الثاني الذي سَتبْني وإيّاه عُشَّ الحَياةِ .. وذات سَبْتٍ، قصَدَ دَرْبَ للا فطومة كعادَتِه، فوجَدَه عَاجّاً بالحَرَكة، ووَقعَتْ عَيْناهُ على أشْياء؛ منها فدوى واقفةً بإحْدى زَوَايا الدَّرْب… وَقَعَ على الأرْض مَغْشِياً عليْه، فتَحَلـَّقَ حَوْلهُ النّاسُ، ورَشُّوا عليه المَاءَ والمِلحَ، ورَتـَّلُوا على مَسْمَعِه المُعَوِّذتيْن.. ولمّا اسْتَفاقَ، نَفَضَ ما عَلِقَ بثيَابِه مِن دَرَنٍ، وعادَ إلى مَنْزلِه على غَيْر عادَتِه يُدَنْدِنُ ويُرَدِّدُ أنْشُودَةَ الزَّمانْ..
الحظ العاثر
بعد طُول انتظارٍ، رُزق الشيخ الطاهر ؛ ذو السِّتين خريفاً، بمَولوده البِكْر الذي صَمَّم على ترْبيته بأنْ يجعل منه مواطناً صالحاً، لا يعرِفُ إلى الكذب سبيلاً؛ لإيمانه بِما للصدق من أثر غائرٍ في تكوين ذلك الصنف من البشر. ولكنْ مع تتابُع السنين، بدأت تتراءى صعوبة تحقيق ذلك المَطْمَح للأب المسكين، إلى أنْ أخذ يشعر بانفلات الأمْر من قبْضة يده. كبُر الولدُ، وكبُر معه العشقُ للكذب إلى درجةِ أنه لم يكنْ يُحادثُ غيرَه أكثرَ من بضْع دقائقَ دون أن تنبعث من فمِه كِذبة أو اثنتان. صار الوضْعُ يُزعجُ الأب ولاسيما حين أزِفَ أوانُ ابتعاد ابن الطاهر عن منزل العائلة، ليلتحقَ بالمدينة قصْدَ متابَعة دِراسته الثانوية. فكّر الأبُ طويلاً فيما يفعلُه ليُثنيَ فِلْذة كبدِه عن كذبه، أو ليقلل من وتيرته لديه، على الأقلّ، لاسيما وأنه صار مراهِقاً، وغداً سيُصبح رجلاً مَسْؤولاً .. أعْياهُ التفكيرُ دونَ الاهتداءِ إلى وَصْفةٍ فعّالة لطرْد الكذب من رأس ابنه. وبينما يدنو موعدُ السفر، أتى الطاهر جارُه ليُدِلَّه على طالبٍ من أقربائه، كان مَضْرَب المَثل في الصدق ونُبْل الخُلُق، يكتري شقةً وحْدَه غيرَ بعيدٍ عن الثانوية المقصودة. سَرّ الأب بهذا النبإ، وشكرَ اللهَ وهو معتقدٌ أنه ألْفى الدواءَ لداء ابنه. مرّت أسابيعُ ليست بالكثيرةِ، فقرّر الشيخ زيارة ابنه. لمَحَه من بعيد يدخُل مأواه، بمعيّة ذلك الطالب. دقّ بابَ شُقتهما بضْعَ دَقاتٍ، فخرجَ إليه الطالبُ، وحين سأله عن ابنه، أجابه بأنه لم يَعُد بعْدُ من الدراسة، وكانت الساعة قد تجاوزتْ منتصَفَ النهار بقليلٍ .. فاشتدّ يَأسُ الطاهر، وحَوْقَلَ ومَشْألَ. ثم تراجَع خُطْواتٍ إلى الوَراء، وجلس على الرَّصيف يَنْدُبُ حَظَّه العاثِر
الكنـزُ
اَلوقتُ ضُحىً.. المكانُ حَوْشُ للاّ كَنْزَة وَسَط غابةٍ من الصُّـبّار بدُوَّار ناءٍ..
تعالتْ وَلـْوَلاتُها بمُجَرَّد أنْ أخْرَجَت مِن باطِن أرْض الحَوْش صُندوقاً عَلاَهُ الصَّدَأ مُزَرْكشاً بنَمْنَـماتِ المَاضِينَ، لمّا كانتْ تحْفِر جُحْراً لأرانِبِها. وكان بَرّاحُ الدُّوّار أوّلَ سامِعِي صَوْتِها المُجْهَد، وأوّلَ المُلتَحِقينَ بها.. ألقى نَظْرةً على الصُّندوق، دونَ أن يَجْرُؤَ على لَمْسِه، وهو لا يتوَقّفُ عَن تَرْديدِ عِبارَةِ هَادَا كَنْـزْ ألَلاَّ كَنْزَة هَادِي بْلاَ شَـكّْ هَمْزَة . وفي ظرْفٍ وَجِـيزٍ، كان القائِدُ وفَقـيهُ الدُّوّار وأعْيانُه وأغْلبُ قاطِنِيه قد حَضَروا بَعد أن أشَاع البَرّاحُ النَّبَأ.. تحَلَّق الجَمِيعُ حَوْلَ الصُّنْدوقِ الذي تَسَمَّرَتْ بجَنْبه للاّ كنزة .. وبَعْد أخْذٍ ورَدٍّ، أسْنِدَت مهمّة فَتْحِه إلى حَمُّو الذي اسْتَطاع بَعد سَاعةٍ سالَ منه خِلالَها عَرَقٌ لا يقلُّ عن اللِّتْر أنْ يكْسِرَ قُفْلَه، فوَجَدوه فارِغاً..
AZP09


















