القاص والروائي حنون مجيد : كتبت المدونة الرقمية لأمر مختلف
حوار : رزاق إبراهيم حسن
عرفنا القاص والروائي حنون مجيد مبدعا دون اهتمام بمعايير الطول والقصر في النص، وانما هو يعطي لكل نص حاجته من الجمل والكلمات ويحرص على ان يكون التعبير دقيقا وبعيدا عن الاستطراد والثرثرة والتطويل غير المبرر، ولكنه في روايته الجديدة مدونة رقمية يقدم نصا تجاوز الـ 500 صفحة وهذا يدفع الى طرح أسئلة عديدة وهذا حصل واليكم بعض الأسئلة:
{ أنت معروف بكتابة القصة القصيرة جداً، ما الذي دفعك إلى كتابة رواية طويلة مثل المدونة الرقمية؟
– كنت أظن أنني معروف بكتابة القصة القصيرة أولاً؛ فأول نشر لي – غير قصصي- كان عام 1964 وأول قصة كانت عام 1969 ثم تابعت ذلك حتى صار لي ست مجموعات قصصية، صدرت عن دور نشر عراقية وعربية، وبالرواية أيضاً إذ صدرت روايتي” المنعطف” قبل صدور أول مجموعة قصص قصيرة جداً لي.
غير أن كتابتي اللاحقة للقصة القصيرة جداً تواترت حتى ظهرت لي خمس مجموعات منها، والسادسة قيد الطبع. وما جعلني أبدو لكم، كذلك الذي جاء في سؤالكم، نشري جلّ ما كتبت في الصحف والمجلات العراقية والعربية ، وعلى صفحة التواصل الإجتماعي، الصفحة السحرية التي تتيح للمبدع مهما كانت نسبة إبداعه أن يظهر وأن ينتشر.
أما ما دفعني لأن أكتب رواية بهذا الحجم فأمر مختلف، لأنه لا يتحدد بكتابة جنس آخر أو نمط آخر كالقصة القصيرة جداً مثلاً، فلكل جنس من هذين، خصوصيته وشروط إنتاجه، كما أنه مرهون بموضوعه، ولعلي على يقين هنا، بأن موضوع روايتي، لا بد له من يأخذ هذا الحيز الذي أخذته، نظراً لأنها تناولت حياة رجل كبير تجاوز الستين عاماً من عمره، ذي تجربة ليست قليلة في مجالات كثيرة، يشغل موقعين وظيفيين بين التربية والإعلام، وعلى أهمية ما في ظرف تشكّل الدولة الجديدة بعد عام 2003 ويعرض له موقف عاطفي جديد وجارف، يهز أركانه الثابتة قبلاً، ويلفته إلى حياة جديدة زاخرة بالشكل والمعنى، توازي حياته العائلية بل وتهددها بالإندماج فيها كلياً أحياناً ، يتشكل سردياً على هيئةٍ روائية سيرية، تحايثها رواية أخرى توازيها أو تتداخل معها، في أحداث وتجارب لا تقل عنها. وإنني أجد أن عرض الحياة الإنسانية لأبطال أي رواية، ومتابعة علاقاتهم المتشعبة مبرراً كافياً لكتابة رواية طويلة، فضلاً عن التصدي القصدي للبعد الإنساني لهذه الشخصيات بكل ألوانها وتجلياتها.
من هنا جاءت صفحاتها الطوال وموضوعاتها الكثيرة وحجمها الكبير، ولا أظنها في ذلك إستثناء فهناك روايات صدرت لبعض الروائيين العراقيين بهذا الحجم أو أكبر، من أمثال عبد الخالق الركابي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، ناطق خلوصي، طه حامد الشبيب، أمجد توفيق، وغيرهم. ومع ذلك فإنني أحترم الآراء التي تعدّها طويلة، قياساً على ما نعانيه من شواغل كثيرة، واحتدام زمننا بسرعته التي تحيط بنا، وما يكتنف حياتنا بما هو غير أدبي وغير ثقافي.
{ من المعروف أن بعض الروائيين يبدأون بكتابة الرواية الطويلة، ثم ينتهون إلى كتابة الرواية القصيرة، مثل نجيب محفوظ.
– ما تعرفه حتماً أن نجيب محفوظ بدأ مشواره الروائي بالفرعونيات وهن ثلاث روايات قصار تماماً،عبث الأقدار، رادوبيس، وكفاح طيبة؛ استلهم فيهن تاريخ مصر القديمة؛ حفزاً لبعث الروح الوطنية المصرية الحديثة، إبّان نشرهن في الثلاثينيات والأربعينيات، أعقبهن بعدد من روايات قصيرة أخرى مثل القاهرة الجديدة، خان الخليلي، وزقاق المدق، ثم جاءت ثلاثيته الشهيرة بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، ثم أولاد حارتنا وثم الحرافيش، ليس بالتعاقب الزمني تماماً وجميعاً كن طويلات، وبين هذه الروايات وبعدهن أصدر روايات أخرى قصاراً متفاوتات الأطوال، وهكذا تجد أن الروائي قد يبدأ برواية قصيرة ثم ينتهي بالطويلة أو لا ينتهي، وأنت تعرف أن عبد الرحمن منيف كتب روايات قصيرة كثيرة قبل أن يكتب أرض السواد، مثلاً آخر.
{ لقد صدرت لك روايتان قصيرتان، الرواية الطويلة تحتاج إلى عناصر تشويق ليكمل القارىء قراءتها، فهل تتوفر في هذه الرواية مثل هذه العناصر؟
– لا أدري إن كنا نتفق أو نختلف على فحوى كلمة تشويق، فهي برأيي مصطلح عائم غير محدد بدعائم ثابتة، ثم أنه يختلف من قارىء إلى آخر ومن زمن إلى آخر، فهو في الرواية البوليسية غيره في الرواية الإجتماعية، وغيره في الرواية النفسية، وغيره في الرواية الوجدانية، وقل ذلك على التاريخية، والخيال العلمي، والثقافية وهكذا.
ثم أنه يختلف نسبةً إلى توجهات الرواية وقارئها المفترض، أو قرائها المفترضين، وقد تجد ما يحسه قارىء تشويقاً قد لا يحسه آخر إلا افتعالاً غير مقبول، ثم وأنت تمضي في قراءة هذه الرواية قد تعثر على ما تعده تشويقاً وما أعده أنا معك كذلك. وأنت على علم تام بأن عناصر نجاح الرواية قائمة على مرتكزات كثيرة، التشويق منها وليس أولها.
{ عنصر المفاجأة، هل يوجد في هذه الرواية؟
– بدأت الرواية على عنصر المفاجأة حينما التحقت إلى المدرسة، مدرسة لمادة الفن، وهي فنانة كان المدير شاهد معرضاً لها في زمن سابق وأعجب برسوماتها، ثم أن مفاجأتها هي الأخرى أن يكون مديرها القاص الذي سبق أن عرفت عنه اهتمامه بالأدب، أو قرأت شيئاً من أدبه. على هذا بدأ الإهتمام المتبادل وربما هو هذا الذي شكل علاقتهما، بالقدر الذي أطرته الرواية. ثم أنك قد لا تعدم من وجود مفاجآت قادمة أخرى، تنتثر على جسد الرواية كلما توغلت في قراءتها، مثلما أظن أنا أو أعتقد.
{ قد يفكر بعضهم أن هذا العمل تتويج لمسيرتك الروائية، هل تعد ذلك كذلك؟
– لا أعتقد، ذلك لأنني أكتب الآن في رواية جديدة، ولا أظنها ستكون طويلة بحسب موضوعها، ولكنها لن تكون قصيرة كذلك.
{ توجد في الرواية العراقية روايات طويلة، فبماذا تختلف روايتك عنها؟
– ليس من شك في أنّ؛ لا رواية تشبه رواية. ينطبق الأمر على روايات الروائي نفسه أولاً. وتختلف درجات التفاوت بين الروايات عموماً، غير أنها لا تتطابق تماماً مهما تقاربت من بعضها.هذه الرواية التي نحن بصددها إن كانت تختلف فبأنها رواية سيرة ورسائل متبادلة وذكريات، ثم أنها حاولت أن تكون رواية داخل، أو إلى جانب رواية، وإذا كان موضوعها الغالب عليها هو الشعور العاطفي والوجداني ما ينبث عنهما من تداعيات وانثيالات، فإلى جانبه الشعور الوطني الذي كان مبعثه التدخل الأجنبي والتقاتل الطائفي وضحاياه من ألوان الطيف العراقي كافة. أبطال هذه الرواية عائلتان من المسلمين والمسيحيين، يغلب عليهما مع بعدهما بعضاً عن بعض طابع التوادّ والتواصل الوطني والإنساني المشترك، والتمسك بالأرض والبيت والوطن، وفي ما يحصل أثناء سيرورة الرواية قد تجد بعض ما ينطوي سؤالك عليه.
{ في روايتك تأثر في الميتا سرد، هل هذا صحيح؟
– صحيح.
{ لماذا لم يهتم الإتحاد العام للأدباء والكتاب، أو المنظمات والمؤسسات الثقافية، بهذه الرواية؟
– ليس شرطاً أن تهتم أي مؤسسة بما فيها الإتحاد بهذه الرواية أو غيرها. فلدى الإتحاد وهو الأقرب إلى موضوع كهذا، برنامج عمل في هذا الصدد محدد بجداول وتواريخ، ثم أنه لا يسعه الإحتفاء بكل منتج يصدر حديثاً، لكثرة ما يصدر، وهناك روايات سابقة ممتازة ظهرت ومرت بسلام، أو لم يلتفت إليها أحد بالشكل المطلوب. كما أن هذه الرواية لم تصل إلاّ إلى نسبة قليلة لا تتعدي أصابع اليدين من النقاد والقراء، نظراً لمحدودية عدد ما عدت به من نسخ من مصر ، وهي بحاجة إلى وقت تتواصل فيه قراءتها للخروج منها بمعيار ما. ثم إنني أعد لقاءنا هذا نوعاً من الإحتفاء بها سابق على أي إحتفاء، ولعل في هذا كفاية تامة.
{ الزمن الذي استغرقه العمل في هذه الرواية؟
– كتبت الرواية على أزمان متقطعة يوم كنت أعمل في الصحافة؛ في طريق الشعب وفي دار الشؤون الثقافية العامة معاً. وكنت معها أكتب وأنشر قصصاً قصيرة وقصصاً قصيرة جداً وقصص أطفال، حتى بلغ عدد ما صدر لي منها تلك المدة عينها ما يقرب من تسعة أو عشرة كتب، بذا يكون الزمن الذي قطعته فيها في كتابةٍ جدية ملتزمة مع ما تعاورها من مدد متفاوتة الإنقطاع ، أكثر من خمس سنوات.
{ ألديك أمنية ما؟
– أن أكمل روايتي الجديدة العام القادم، وتصدر مجموعة قصصي القصيرة جداً عن دار سطور، ومجموعة قصص الأطفال عن دار ثقافة الأطفال.
























