

أمل الجبوري
من القمع الأيديولوجي إلى الإدارة النيوليبرالية للوعي
يمكن قراءة ما حلّ بالثقافة العراقية بعد عام 2003 قراءةً دقيقة من خلال مفهوم «صناعة الثقافة» كما صاغه ثيودور ف. أدورنو. فالعراق، في هذه المرحلة، لا يمثّل حالة استثنائية خارجة عن النظرية، بل يكاد يكون مختبرًا متأخرًا لتطبيق منطقها بأكثر صوره فجاجة.
يرى أدورنو أن أخطر ما في صناعة الثقافة ليس قدرتها على القمع، بل قدرتها على الاستيعاب: أي تحويل الثقافة من مجالٍ نقدي قادر على الرفض، إلى منظومة إنتاج رمزي تُدار وفق منطق السوق، وتُقاس بالانتشار، وتُفرَّغ من توترها المعرفي والأخلاقي.
1. من البروبغندا إلى صناعة الثقافة: تحوّل شكل السيطرة
في زمن الدولة السلطوية قبل 2003، كانت الثقافة العراقية خاضعة لرقابة مباشرة، وكان خطابها الرسمي مشبعًا بالبروبغندا. غير أن هذه السيطرة — على عنفها — كانت مرئية، ويمكن التحايل عليها بالرمز، والاستعارة، والتاريخ، واللغة الفلسفية.
أما بعد الغزو الأميركي، فقد انتقلت السيطرة من شكلها الفجّ إلى شكلها الأكثر خطورة:
من القمع إلى الإدارة،
ومن المنع إلى التنظيم،
ومن الرقابة إلى التمويل المشروط.
وهنا تحديدًا تتحقق نبوءة أدورنو:
الثقافة لا تُقمع، بل تُدار.
2. الثقافة العراقية بوصفها «قطاعًا» لا فضاءً نقديًا
بعد 2003، أُعيد تعريف الثقافة في العراق بوصفها:
• قطاعًا ضمن إعادة الإعمار
• نشاطًا قابلًا للتمويل والتقارير
• أداة «ناعمة» في هندسة الوعي ما بعد الصدمة
هذا التحول ينسجم تمامًا مع منطق صناعة الثقافة:
حيث لا تُقاس القيمة بعمق النص أو خطورته، بل بمدى:
• قابليته للتدوير
• انسجامه مع خطاب «الاستقرار»
• خلوّه من الأسئلة الجذرية
لم تعد الثقافة تُنتج بوصفها معرفة، بل بوصفها مخرَجًا (output).
3. الجمهور كذريعة: تطبيق حرفي لنقد أدورنو
يؤكد أدورنو أن «الجماهير» في خطاب صناعة الثقافة ليست ذاتًا حقيقية، بل بناء أيديولوجي يُستخدم لتبرير الرداءة والتسطيح.
وهذا ما شهدته الثقافة العراقية بوضوح:
• النصوص العميقة وُصفت بـ«النخبوية»
• الاحتجاج المعرفي عُدّ «غير مناسب للمرحلة»
• التفكير النقدي أُقصي بحجة «الجمهور»
تمامًا كما حذّر أدورنو:
الجمهور ليس معيارًا، بل ذريعة.
4. من الاحتجاج المُقنَّع إلى الامتثال الطوعي
في العراق قبل 2003، كانت الثقافة تقول «لا» بلغة ملتوية.
أما بعد 2003، فقد تعلّمت أن تقول «نعم» بمرونة:
• نعم للمموّل
• نعم للمنصة
• نعم للخطاب المقبول دوليًا
وهنا تتحقق أخطر آليات صناعة الثقافة:
الامتثال الطوعي، حيث لا يعود المثقف مُجبرًا على الصمت، بل مُغرى بالكلام ضمن حدود مرسومة سلفًا.
5. التقنية والمنصّة: من النص إلى الخوارزمية
يشدّد أدورنو على أن تقنية صناعة الثقافة تقنية توزيع لا تشكيل.
وهذا ما نراه في المشهد الثقافي العراقي المعاصر:
• أولوية المنصّة على النص
• أولوية الصورة على الفكرة
• أولوية السرعة على التراكم
لم تعد الثقافة زمنًا، بل لحظة قابلة للاستهلاك.
العراق بوصفه تحقّقًا متأخرًا لادورنو
ما يميّز الحالة العراقية هو أن الانتقال إلى «صناعة الثقافة» لم يكن تطورًا داخليًا بطيئًا، بل قفزة قسرية فُرضت مع الغزو وإعادة الهيكلة النيوليبرالية للدولة والمجتمع.
وهكذا، تحقّق ما حذّر منه أدورنو في سياق مختلف:
• ثقافة بلا قمع ظاهر
• حرية بلا احتجاج
• وفرة بلا معنى
إن ربط الثقافة العراقية بعد 2003 بنظرية «صناعة الثقافة» لا يهدف إلى إسقاط نموذج غربي عليها، بل إلى كشف آلية عالمية تتخذ في العراق شكلًا مكشوفًا، لأنها فُرضت على مجتمع خرج لتوّه من حرب، وانهيار، وصدمة جماعية.
الثقافة، حين تُدار بدل أن تُنتَج،
لا تُنقذ المجتمع…
بل تُدرّبه على التكيّف مع الخراب.
























