

محمد صاحب غالي
لم يكن العراق دولة مستقلة ذات حدود ثابتة قبل احتلاله من قبل الإنجليز عام 1914، بل كان عبارة عن ثلاث ولايات تابعة للدولة العثمانية: ولاية البصرة، ولاية بغداد، وولاية الموصل. وبعد الاحتلال، تحولت سياسته إلى الطابع الغربي بعد تنصيب الملك فيصل الأول، ابن الشريف حسين في الحجاز، ملكًا على العراق.
وجد الإنجليز العراق شعبًا بدائيًا يفتقر إلى المدارس والمستشفيات والطرق والكهرباء، فبدأوا ببناء دولة عصرية من نقطة الصفر. تم إنشاء المدارس والمستشفيات، ومد الطرق، وبناء الجسور والسدود، ليبدأ عصر جديد في العراق، حيث كان طموح بريطانيا أن يكون العراق مركز إشعاع حضاري في الشرق، يلتف حوله العرب، وذلك قبل بروز دبي وبيروت بكثير.
بعد انقلاب 1958، تحول العراق من سياسة غربية إلى سياسة شرقية، وانضم إلى المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكان هذا التغيير واضحًا سواء في عهد الإنجليز أو خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم.
أما بعد انقلاب 1963، فقد أصبحت سياسة الحكومات العراقية غير واضحة، تتأرجح بين هذا المعسكر وذاك، مما تسبب في عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. المشكلة الجوهرية، برأيي، تكمن في هذا التخبط، فحين يكون للعراق تحالف واضح مع جهة معينة، فإنه سيحصل على دعمها ويحتمي بها، خاصة أنه لا يملك الصناعات العسكرية أو الزراعية أو المعدنية أو النفطية المتقدمة، ولا التكنولوجيا الحديثة. واليوم، لم يعد حجم الجيش هو المعيار الأهم، بل حلت التكنولوجيا العسكرية مكان العديد من تشكيلاته، لا سيما بعد ظهور الطائرات المسيرة والصواريخ الفرط صوتية التي جعلت الأنظمة القديمة عديمة الفعالية.
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، لم يعد أحد يفهم إلى أين يتجه البلد. هناك أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة:
هل العراق دولة مدنية؟ بالتأكيد لا.
هل هو دولة دينية؟ لا.
هل هو دولة عشائرية؟ لا.
هل هو دولة مستقلة بشكل حقيقي؟ لا.
هل سياسته غربية؟ لا.
هل سياسته شرقية؟ لا.
إذن، من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وماذا نريد؟ وما الذي ينتظرنا؟
كل ما يبدو واضحًا أننا نغرق في مستنقع أعمق من السابق ولا نملك وسيلة للخروج. وعندما أطرح على نفسي سؤال “لماذا؟”، يكون الجواب واضحًا وسريعًا: لأن مجموعة من اللصوص استولت على بنك كبير وما زالت تتقاسم أمواله، كما قال الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل. هؤلاء لا يفهمون في السياسة، ولا يعينون الكفاءات في الوزارات، بل يختارون من هم أسوأ منهم لإدارة الدولة، ليقوموا بجمع الضرائب وتحويلها إلى حساباتهم المصرفية خارج العراق.
الولايات المتحدة تعرف أن هؤلاء يسرقون، لكنها لا تتدخل طالما أن الأموال تذهب إلى بنوكها. أما إذا تم تحويل أي دولار واحد إلى الصين أو روسيا أو إيران، فسيتم اعتقال الفاعل فورًا، لأن التحويلات المصرفية تخضع لرقابة صارمة من خلال نظام “سويفت”. ومن السهل على الغرب مصادرة هذه الأموال كما فعلوا مع أموال روسيا.
لهذا أقول إن العراق يسير نحو المجهول، ولا أمل في الإصلاح، فأمريكا قد تغتال بعض الأفراد الذين يعارضون سياستها، لكنها لن تمس نظام الحكم الحالي، لأنه يحقق لها كل ما تريده وأكثر.
نبيع النفط للعالم، لكننا نفتقر إليه داخليًا.
رجال الدين يسيطرون على الأحزاب، بينما الشعب يبتعد عن الدين رغم المظاهر الدينية كالمسيرات والزيارات.
لدينا دجلة والفرات، لكن بلا زراعة.
الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والمدارس والمستشفيات والطرق أصبحت أحلامًا، فيما يسيطر القطاع الخاص على التعليم والصحة بسبب تدهور المؤسسات الحكومية وافتقارها إلى المعدات والعلاج والكوادر المؤهلة.
في ظل هذا الوضع، يبقى السؤال الكبير: إلى أين يسير العراق؟.
مهندس عراقي






















