بلد بطيخ – ياس خضير البياتي

هاشتاك الناس

بلد بطيخ – ياس خضير البياتي

العراق اليوم ليس وطناً…

العراق اليوم “بطيخة سياسية” ضخمة، موضوعة تحت شمس الخراب منذ سنوات: قشرة خضراء تلمع بالشعارات، ولبّ أحمر متعفّن بروائح الفساد والطائفية والصفقات. نحن شعبٌ يعيش داخل بطيخة وطنية عملاقة، كلما ظننا أننا سنأكل منها خبزاً وكرامة، اكتشفنا أن السكاكين وصلت قبلنا.

بلد بطيخ…

لأننا نصرف المليارات على انتخاباتٍ تشبه حفلات الزفاف الريفية: ضجيج، أغاني، وذبائح سياسية، ثم في النهاية لا يولد “رئيس حكومة”، بل يهبط علينا “مرشح تسوية”كأنه بطيخة سقطت من شاحنة تهريب في منتصف الليل، لا أحد يعرف من أرسلها، ولا لماذا علينا أن نصفّق لها.

نحن بلد يتحدث عن “السيادة” كما يتحدث بائع البطيخ عن الجودة: كلام كثير… وطرقعة على القشرة فقط.

أما الداخل، فمفتوح لكل أجهزة العالم: جواسيس، مستشارون، سفراء، ضباط، سماسرة، وكلهم يتجوّلون في البلاد وكأن العراق فندقٌ بلا إدارة. حتى الغرباء صاروا يعرفون شوارعنا أكثر منا، ويملكون صورنا وبياناتنا وأسرارنا، بينما المواطن لا يملك حتى كهرباء تكفي لشحن هاتفه الذي يُتجسَّس عليه.

بلد بطيخ…

لأن النفط عندنا لا يُستخرج من الأرض، بل يُستخرج من جيوب الفقراء. النفط صار حليباً سياسياً ترضع منه الأحزاب، وكل حزب يسمن حتى التخمة، بينما الشعب يزداد نحولاً حتى صار يشبه هيكل وطنٍ منسي. حكامنا لا يسرقون الأموال فقط، بل يسرقون الزمن أيضاً. سرقوا أعمار أجيال كاملة، حتى صار الشاب العراقي يولد متقاعداً من الأمل.

بلد بطيخ…

لأن الوزارات لم تعد مؤسسات دولة، بل بسطات نفوذ. كل وزارة مزرعة، وكل حزب شيخ سوق، وكل مسؤول يوزع المناصب كما يوزع بائع البطيخ القطع الفاسدة على الزبائن الفقراء. أماالقانون، فمجرد لافتة صدئة معلقة على جدار المحكمة. القوي لا يحاكم، والمسلح لا يُسأل، والفاسد لا يُدان، بينما المواطن الأعزل يُستدعى فوراً لأنه تأخر في دفع فاتورة ماء لا تصل أصلاً.

الإعلام؟ لا تسأل عن الإعلام. قنوات تتقاتل كما تتقاتل كلاب السوق على قشرة بطيخة. كل قناة تمتلك (حقيقتها)، وكل مذيع يرتدي ربطة عنق فوق مستنقع من الأكاذيب. صرنا نعيش في جمهورية التصريحات، لا جمهورية المؤسسات. في دولةٍ إذا احترق فيها مستشفى، تتشكل لجنة. وإذا غرق شارع، تتشكل لجنة. وإذا سُرقت المليارات، تتشكل لجنة أيضاً…ثم تموت اللجان كما يموت الفقراء: بصمت.

بلد بطيخ…

لأن الطائفية لم تعد خلافاً سياسياً، بل صارت شركة استثمارية عملاقة. كل طائفة تبيع خوف أتباعها، وكل زعيم يقتات على ذاكرة الدم، ويستثمر في المقابر أكثر مما يستثمر في المدارس. العالم يبني الذكاء الاصطناعي، ونحن ما زلنا نختلف: هل هذا الحي يتبع لهذه الراية أم لتلك؟العالم يصنع رقائق إلكترونية تغيّر الاقتصاد، ونحن نصنع خطابات تغيّر عدد القتلى. العالم يحفر في المستقبل، أما نحن فما زلنا نحفر في المقابر الجماعية للذاكرة.

وباختصار شديد:العراق اليوم بلد بطيخ فعلاً…قشرة وطن، ولبّ صفقات، وبذوركراهية، والغرباء يأكلون اللبّ كاملا بينما الشعب يجلس على الرصيف… يلعق البذور ويصفق لكل من سرق السكين.

لم نعد نسمع صوت حمورابي، ولا حكمة آشور بانيبال ولا صرخة جلجامش، ولا شعر السياب والجواهري والبياتي…كل تلك الأصوات غرقت تحت ضجيج الطوائف والخراب. واليوم، لا نسمع إلا صوتاً مجهولاً يخرج من بين الأنقاض ويقول بحزن: أنا العراق…بلدٌ غريبٌ مستورد.

[email protected]