هل فقدنا لغة الحوار ؟ – ساجدة جبار

هل فقدنا لغة الحوار ؟ – ساجدة جبار

في زمنٍ أصبح فيه العالم أكثر اتصالًا من أي وقتٍ مضى، يبدو أن الإنسان بات أقل قدرةً على التواصل الحقيقي. نكتب كثيرًا، نتحدث كثيرًا، ننشر آراءنا في كل مكان، لكننا نادرًا ما نصغي بصدق. وكأن لغة الحوار التي كانت يومًا جسرًا بين القلوب تحوّلت إلى ساحةٍ للجدال وإثبات الذات.

الحوار لا يعني أن يتحدث كل شخصٍ بدوره فقط، بل أن يمنح الآخر مساحةً ليُعبّر دون خوفٍ من السخرية أو الهجوم. لكن ما نراه اليوم هو أن كثيرًا من الناس يدخلون أي نقاش وهم يحملون رغبة الانتصار لا رغبة الفهم. لذلك تتحول أبسط الاختلافات إلى خصومات، وتصبح الكلمات الحادّة أسرع من التفكير الهادئ.وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في ذلك. فرغم أنها قرّبت المسافات، إلا أنها جعلت الحوار سريعًا ومختصرًا وخاليًا أحيانًا من المشاعر الحقيقية. خلف الشاشات يكتب الإنسان ما قد لا يقوله وجهًا لوجه، وتنتشر الأحكام والانفعالات قبل أن تنتشر محاولات الفهم.

كما أن ضغوط الحياة والانشغال المستمر جعلا الناس أقل صبرًا على الاستماع. فكل شخص يريد أن يُسمَع، لكن قليلين من يملكون القدرة على الإصغاء. ومع غياب الإصغاء يضعف التفاهم، وتكبر المسافات حتى بين الأشخاص الأقرب إلى بعضهم.

ورغم كل ذلك، فإن لغة الحوار لم تختفِ تمامًا، لكنها أصبحت بحاجةٍ إلى من يعيد إحياءها. نحتاج أن نتعلم من جديد كيف نختلف باحترام، وكيف نصغي دون مقاطعة، وكيف نفهم أن الرأي المختلف لا يعني العداء. فالحوار الحقيقي لا يُبنى على رفع الصوت، بل على هدوء الفكر واتساع القلب.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة أننا فقدنا لغة الحوار، بل أننا فقدنا الرغبة الصادقة في فهم بعضنا. وعندما يعود الإنسان إلى الإصغاء بصدق، ستعود الكلمات قادرةً على بناء الجسور بدل الجدران.